الجمعة، 8 فبراير، 2013

Django Unchained

كتب : عماد العذري

بطولة : جيمي فوكس ، كريستوف فالتز ، ليوناردو ديكابريو
إخراج : كوانتن تارانتينو

تارانتينو مجدداً !! سأكون غير دقيق لو حددت عدد المخرجين اللذين يفعل بي انتظار أفلامهم الجديدة ما تفعله أفلام كوانتن تارانتينو ، لكنني متأكدٌ من أنهم قلةٌ تعد على اصابع اليد ، هذا الرجل غير اعتيادي ، دعكم من صيغ المبالغة و الانبهار التي يستخدمها بعض عشاقه لتوصيفه ، انظروا الى ما هو أبسط ، دعكم من مكوّنات الفيلم : دعكم من الحكاية و السرد و بناء الشخصيات و التطور و الأداءات و الإغلاق ، انظروا لما هو قبل كل ذلك : الصنف !! ، كم مخرجاً اليوم يستطيع أن يقلب موازين الصنف السينمائي كلها و يرمي كل طقوسه جانباً و يصنعه وفقاً لرؤيةٍ مختلفةٍ توازي تلك النوعية التي تتصدرها العبارة / الماركة : A Film by Quentin Tarantino ؟!! أعتقد أننا لن نتذكر بسهولة إسماً سواه .

بالنسبة لي شخصياً الموضوع مختلفٌ قليلاً ، دائماً ما أعتبر أن للسينما أربعة أضلاعٍ يخدمها العمل السينمائي كلٌ بطريقته (الفن و التواصل و الصناعة و الترفيه) ، تارانتينو يخدم العنصر الثاني بطريقةٍ لا أبالغ اذا ما قلت بأنه أفضل من يجيدها في هذا الزمان ، تواصله مع جمهوره مرعب ، هم يعلمون جيداً ما ينتظرونه منه ، ينتظرون فقط كيف سيقوم بذلك ، و هو يباغتهم كل مرة ، تارانتينو يخدم عنصر التواصل لأنه استطاع على مدى عقدين من الزمن صنع ثقافةٍ سينمائيةٍ خاصةٍ به ، أصبح فلكلوراً قائماً بذاته ، و ربما يكون تصوراً غريباً لكنني أعتبر كوانتن تارانتينو صنفاً مستقلاً بذاته ، دون مبالغةٍ مني في ذلك ، مخرجون كبار أمثال مارتن سكورسيزي أو وودي آلن أو أوليفر ستون أو ديفيد كرونينبيرغ عرفوا على الدوام بأنهم مخرجون ذوو (مشاريع) سينمائية ، كوانتن تارانتينو هو مخرجُ مشروعٍ سينمائيٍ أيضاً ، و مشروع كوانتن تارانتينو يتناول جوهر السينما ذاتها ، يفكك مفهوم التصنيفية السينمائية و يعيد تركيبه من جديد وفقاً لما يراه هو ، أفلامه تتجرد من المفهوم الضيق للتصنيفية ، اراه المخرج الوحيد الذي يأخذ من الجميع و من كافة الأصناف السينمائية ليصنع توليفةً أصيلةً و مختلفةً و لا تشبه أي شيءٍ آخر ، عندما انتهيت من مشاهدة فيلمه هذا توقفت للحظة لتأمل ما فعله تارانتينو – كعادته - بالصنف السينمائي : هو يحقق المزيج ذاته من الإثارة المتماسكة التي لها مسارٌ تقليديٌ تسير عليه (بداية و ذروة و نهاية) ، و الكوميديا الذكية التي ينفح بها الموقف و الحوار ، و الرومانسية المنسلّة عن الأمير جانغو الذي سيغزو عش الدبور لتحرير الأميرة بروميلدا من قبضة التنين ، مع كميةٍ لا بأس بها من الدم تجعله على عتبة التحول الى فيلمٍ دمويٍ خالص خصوصاً في ذروته ، و قصة الإنتقام التي يستلذ دوماً بأن يغازلها في جزءٍ من فيلمه ، ثم يضيف الكثير من الصورة غير النمطية لفيلم العبودية ، و يضع هذا كله في قالبٍ بصريٍ مبهج من طقوس السباغيتي ويسترن ، و النتيجة شيءٌ لا يمكن أن ننسبه لأيٍ من تلك الأصناف على حدة ، يبدو هذا صعباً بالفعل ، على الأقل مع رجلٍ مجنون اعتبر ان فيلمه هذا ينتمي لصنف سمّاه الـ Southern !!  

في عمله السينمائي السابع و الأطول يحكي تارانتينو قصة تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية بعامين ، صائدُ مكافئاتٍ ألماني يدعى الدكتور كينغ شولتز يتجول في الجنوب الأمريكي مقتفياً أثر ثلاثة اخوةٍ من عائلة بريتل ، يريد العودة بهم احياء أو ميتين من أجل الظفر بمكافئتهم المجزية ، لكنه لا يعرف وجوههم ، لذلك هو يبحث هنا و هناك عمّن يقوده اليهم ، يعثر على ضالته في قافلةٍ للعبيد تحمل عبداً يدعى جانغو سبق و أن عمل في مزرعتهم ، شولتز يحرر جانغو بطريقته مقابل أن يقوده لصيده الثمين ، و جانغو عليه أن ينتهي من ذلك كي يشق طريقه لاستعادة زوجته بروميلدا من قبضة مالكها الثري السادي كالفن كاندي .

ما أسهل الحديث عن حبكة فيلمٍ لكوانتن تارانتينو !! ، أعتقد أننا مع تقدم السنوات و تعاقب الأعمال قد حفظنا تماماً ما الذي ننتظره من كوانتن تارانتينو ، طبعاً دون أن نعرف تفاصيل ما سيفعل أو كيف سيقوم بفعله ، هو هنا مجدداً يسير على خطه المعتاد : افتتاحيةٌ جذابةٌ جداً ، يعقبها مقدمةٌ للإثارة التي سيقودنا فيها ، ثم مرحلةٌ مطولةٌ من اعداد و تهيئة المشاهد لما سيجري ، تليها منعطفاتٌ دمويةٌ عنيفة في مسار تلك الإثارة ، وصولاً الى خاتمةٍ بالطريقة التي لا يجيدها سواه ، كل شيءٍ يسير وفقاً لكتاب كوانتن تارانتينو ، حفظنا ذلك ، و هو يعلم أننا حفظنا ذلك ، لذلك يحاول استفزازنا و تحدينا عندما يدرك أننا بدأنا الاستعداد للتصفيق !

في الثيم العام للنص هو لا يجدد كثيراً قياساً لما فعل في Pulp Fiction أو Kill Bill تحديداً ، افتتاحيته لا تختلف في بنيتها العامة عن الشيء الذي ننتظره منها ، اعداده لشخصية جانغو هنا لا يختلف جوهرياً عن طريقة اعداده للعروس في Kill Bill ، تقديمه لمرحلة العبودية لا يشذ عن الطريقة التي قدم بها فنون القتال الآسيوي في Kill Bill أو حقبة الرايخ الثالث في Inglourious Basterds ، لكن منذ متى كان لمخطط النص قيمة لدى تارانتينو ؟! الرجل لا يهتم كعادته بما سيقول أو بالطريقة التي ستبدو عليها شخصياته أو بالمنحى الذي سيطورها من خلاله ، هو يهتم فقط بكيف سيقدم ذلك للمشاهد ، و في اعتقادي هذا ما يجعل تارانتينو مختلفاً ، تارانتينو مخرجٌ على استعداد لكتابة نصوصٍ كاملة لممثلٍ بعينه ، قادر على اختراع شخصياتٍ جديدة في سيناريو مكتمل من أجل ممثلٍ بعينه ، غرضه السينمائي هو السينما ذاتها و ليس أي شيءٍ آخر ، لا يهتم بالطريقة التي سيبدو فيها النص مكتوباً ، هو يهتم فقط بكيف سيبدو النص الذي كتبه على الشاشة ، في فيلمه هذا على سبيل المثال كتب شخصيتين كاملتين لكيرت راسل و ساشا بارون كوهن ، ثم قام بحذفهما من النص لإنشغال الممثلين بأدوارٍ أخرى !! ، هذا لا يفعله سوى كوانيتن تارانتينو ، و هو فريدٌ جداً  في كل مرةٍ يقوم فيها بذلك .

جمالية نصوص تارانتينو وفقاً لذلك تكمن في الغاءها (المتوقع) و تقديمها (اللامتوقع) على مستوى كيفية السرد ، و ما يحدث في النصف ساعة الأخيرة من هذا العمل يتجاوز هذا المفهوم تماماً ، أعني أنه يتجاوزه حتى بمفهوم كوانتن تارانتينو ذاته ، هو ينهي قصته تقريباً بعقد الصفقة بين الدكتور شولتز و كالفن كاندي لكنه أبى إلا أن يكتب نهايةً جديدةً لها ، خصوصاً لو كان الجزء المتبقي سيشمل شخصيةً يكتبها لنفسه ليقوم بتأديتها بموهبته الأدائية الركيكة و بلهجةٍ غريبةٍ لا أدري ما الداعي لها ، كوانتن تارانتينو (لعّيب) ، هو يعلم أن الخط العام الذي سيسير عليه فيلمه واضحٌ للمشاهد ، يعرف أن المشاهد يشاهد أعماله من أجل تحولات الحبكة و طريقة تقديمها و نوعية التفاصيل التي سيغذيها بها ، لذلك هو يستفزهم جداً في النصف ساعة الأخيرة عندما يتجاوز النهاية المفترضة لتلك الحبكة ، و اصراره على القيام بالـ Ending over ending هو ذروة ذلك الاستفزاز ، و عندما يقول الدكتور شولتز في لحظاته الأخيرة ( أنا آسف ، لم أستطع المقاومة ) تبدو العبارة بالنتيجة و كأنما يقولها تارانتينو ذاته ، هو لا يستطيع الإنهاء هنا و بهذه الطريقة ، يريد أن يسترسل بلعبته تلك غير عابئٍ بما يتوقعه منه مشاهده ، لا فرق لدى الرجل ان تكون جرعةً أكبر من المتوقع حتى بمقاييسه و طقوسه ، و بقدر ما يكون ذلك ممتعاً و حيوياً خصوصاً مع احداث تتمدد على 165 دقيقة ربما هي الأكثر امتاعاً هذا العام ، إلا أنني أرى أن تارانتينو يثبت في النصف ساعة الأخيرة بأنه العدو الأول لنفسه ، تماهيه في صناعة نهايةٍ تعقب النهاية التقليدية يكون قاسياً على مشاهده حتى بمقاييس ولعه بتارانتينو ، يكون قاسياً لأنه يفقد مشاهده الإحساس بأن تارانتينو فعل ذلك أو ترك ذلك أو استخدم اسلوباً معيناً لـ(سبب) معيّن أو لـ(غايةٍ) معيّنة ، أو وفق (سياقٍ) معين كما يفعل على الدوام ، في المشاهد الختامية لهذا الفيلم على المشاهد ان يتفوق حتى على مستوى اعجابه المسوّغ و المبرر بتارانتينو و يتجاوب مع حقيقة ان الرجل صنع نصف ساعةٍ كاملةٍ في نهاية الفيلم من أجل مزاجه الخاص وحده ، يبدو سادياً جداً في ذلك ، سواءً على مستوى ما يقدمه في الصورة ، أو على مستوى ما يفعله بمشاهده من خلال تلك القطعة المتبرعمة من الفيلم ، صحيح أن الأمر لا يبدو غريباً على مخرجٍ قدّم للتو رجلاً تنهشه الكلاب أو آخر يقاتل بيديه العاريتين حتى الموت ، هذا تقليدي جداً بالنسبة لتارانتينو ، لكنه في ذروة عمله يبدو و كأنما يحاول استنزاف الفرصة التي سنحت له هنا في الإقتراب أكثر من أي وقتٍ مضى من الصنف الذي لطالما فتنه و لطالما قاربه في جميع أفلامه تقريباً : الويسترن ، في ثلاثية السباغيتي ويسترن الستينية جلب سيرجيو ليوني علبة بهارات أفلام العصابات الإيطالية و صبها كاملةً في إناء الويسترن الأمريكي لينتج أفلام ويسترن بمذاقٍ غير مسبوق ، تارانتينو هنا يصب علبة البهارات بأكملها في إناءه الخاص هو ، و يطبخ وليمته بشكلٍ جيد ، ينتج مذاقاً لذيذاً كعادته ، ثم يطيل الطبخ ، و يتخلى عن ناره الهادئة ، ثم يقدمها لك على وشك أن تحترق ، لا فرق لديه ، هو يجيد لعبته تلك و الأمر عائدٌ لك وحدك في تقبل ذلك ، لذلك لا عجب أن كان ذلك الجزء المتبرعم من العمل مثاراً للنقاش و الجدال حول قيمته او أهميته أكثر من الفيلم برمّته ، أنت بالنتيجة تشاهد عملاً لكوانتن تارانتينو : Take it or leave it!!

في عمق مشروعه يتلاعب تارانتينو بالصنف السينمائي كما يحلو له ، و هو عظيمٌ جداً في ذلك ، قدرته الإستثنائية على توليف الكوميديا و الإثارة و الرومانسية و الويسترن و الغموض و الأكشن ضمن هذا القالب البصري لأميركا العبودية يبدو قطعةً فريدةً لا يصنعها سواه ، تبدو لي تصريحات سبايك لي عن الفيلم ساذجة أو هي نوعٌ من الغيرة السينمائية أو الجهل لا فرق ، فالرجل الذي فعل ما فعله بهتلر في فيلمه الماضي لن يتوانى عن تناول عبودية الأسلاف بتلك الصورة ، عندما تسترجع قصص عبيد ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية منذ Gone with The Wind و حتى Lincoln تدرك تماماً أن تارانتينو يضرب بكل صورهم النمطية عرض الحائط ، عبده هنا مختلف ، يركب حصاناً ، و يرتدي بدلةً زرقاء من القرون الوسطى ، له هدف ، ذكي ، واسع الحيلة ، شجاع ، و لا يهاب المحن ، و قادرٌ على تجاوز اصعب الظروف التي يوضع بها للدرجة التي قد ينقلب بها من الذل المحض في مشهد الإفتتاح إلى صورةٍ شاذةٍ من العبد السادي المستلذ بالدم في ختام الفيلم ، و عنما يحرر جانغو نفسه من الأسر قرب النهاية و ينظر في شلة العبيد القابعين في المركبة ، يبدو بطل تارانتينو و كأنما يسخر من الصورة النمطية لهم في سائر أفلام عبودية ما قبل الحرب الأهلية ، و سخرية تارانتينو تلك لا تتوقف عند جانغو ، عبده الآخر ستيفن (يؤديه صموئيل إل جاكسون في سادس تعاونٍ له مع تارانتينو و في أكثر أدواره بروزاً منذ سنوات) هو أيضاً عبدٌ مختلف ، صورةٌ غير معتادة لعبدٍ خائنٍ لبني عرقه لم نعتد أن نشاهدها خصوصاً في أفلامٍ تناولت تلك الحقبة ، هو لا يكتفي بان يجعله عبداً يشتري رضا سيده بخيانته تلك ، بل يمعن في بيع روحه و تدميرها حتى بعد مقتل سيده ، تارانتينو – كما كان متوقعاً – لا يكترث لأي صورةٍ نمطية لأفلام تلك الحقبة ، هو يتهكم و يسخر و ينشر البهجة في كل شيءٍ يلامسه في أعماله ، و لا أدري كيف كان سيكون شعور دي دبيلو غريفيث و هو يشاهد الكو كلوكس كلان يظهرون هنا قبل ظهورهم التاريخي الفعلي و يفشلون في مهمتهم الليلية بسبب عدم قدرتهم الرؤية من فتحات الأعين في أغطية رؤوسهم !!! ، استغرقت في نوبةٍ من الضحك و أنا اشاهد سخرية تارانتينو على طريقته من نشأة تلك الجماعة ، الرجل كعادته لا يعترف بأي صورٍ نمطية ، أو مرجعيات ، أو طقوس ، هو يصنع صنفه الخاص الذي يمزج كل شيء و لا يبدو كأي شيء .

في المنظومة العامة لطقوس تارانتينو هناك الكثير من البهجة في هذا الفيلم ، بالنسبة لي اعتبر هذا الفيلم الأكثر ابهاجاً بين سائر ما قدّم اذا ما استثنينا النصف ساعة الأخيرة منه ، و تارانتينو في خلق تلك البهجة يسير وفقاً لتقاليده الخاصة ، لا استطيع بسهولة تذكر اسم مخرجٍ اليوم يستطيع أن يجعل من الدم متعةً كما يفعل ، مشاهد العنف التي يخطّها و يجيد رسمها ممتعة ، و مستفزة ، و تعلق في الذهن ، طقوس تارانتينو تستمر أيضاً في حواراته ، و لو أنها كانت أقل من المأمول هنا ، هي أطول من المعتاد و أقل تأثيراً على غير المعتاد ، يبدو هذا النص بالنسبة لي الأقل قيمةً بين أفلام الرجل على مستوى الحوارات أو حتى العبارات العالقة في الذهن ، ربما استثني من ذلك مشهد (الجمجمة) أو بعض العبارات التي يوزّعها جانغو في المزرعة أو على البار ، و مع ذلك يخفف الأثر السلبي لذلك كثيراً من خلال حفاظ تارانتينو على الثيم العام لشخصياته ، الميزان الخاص بين برودها و ساديتها موجودٌ كما اعتدناه ، خصوصاً في كالفن كاندي أو الدكتور شولتز بفعل أدائين بارعين من ليوناردو ديكابريو - الذي لم يسبق أن شاهدناه في كاراكتر مماثل - و كريستوف فالتز ، مشاهدة كريستوف فالتز – تحديداً – يتكلم أحد حوارات تارانتينو هو متعةً من المتع الصافية التي اخترعت السينما لأجلها ، صحيح أن شعور التكرار و الربط مع هانز لاندا في فيلم تارانتينو السابق لا يخطئك ، لكنه لا يزعجك أيضاً ، هو يقدّم لنا – كحال ما يحدث مع كالفن كاندي أيضاً - ذات الحس الذي قدمه في فيلمه السابق عندما يمزج التهذيب بالإخافة ، هذا الميزان لا يبدو واضحاً في جانغو ذاته الذي لا أجد جيمي فوكس خياراً موفقاً للقيام بأدائه ، و الخيط الرابط بين برود الشخصية المرسومة و الطريقة التي تتحول بها لتفرغ ساديتها لا يبدو خيطاً مشدوداً تماماً ، لذلك لا تغرينا الشخصيةُ بتاتاً بالرغم من كل ما تعرّضت له ، و لذات السبب هي تعجز عن أن تكون البهجة الوحيدة للمشاهد عندما تضطر لإكمال النصف ساعة الأخيرة من الفيلم بمفردها دون جاذبية الدكتور شولتز أو جنون كالفن كاندي .

في الصورة المجملة Django Unchained فيلمٌ ممتاز كان ليكون عظيماً لو تخلى تارانتينو عن أن يكون (لعّيباً) أكثر من اللازم ، انحناءه أكثر من أي وقتٍ مضى لأفلام السباغيتي ويسترن من خلال كاميرا روبرت ريتشاردسون و توظيفها الكادرات غير الاعتيادية لتارانتينو و خلقها قيمةً جمالية – ربما لم تسنح له الفرصة سابقاً لاستنطاقها – من خلال اللقطات الواسعة أو من خلال تعاملها المطوّل مع ضوء الشمس ، الإضاءة غير المعتادة في المشهد الافتتاحي الليلي ، التباين اللوني بين البياض الذي يكتسي به منزل السيد وسط اخضرار المزرعة ، و صورة الدم المتناثر على اشجار القطن ، و الاستراحة البصرية التي يقودنا اليها عندما ينقلنا من ترابية الويسترن الى بياض الثلج ، قبل ان يذهب بنا الى ميسيسيبي حيث المسحة الذهبية التي تصبغ الصورة في منزل كالفن كاندي التي تجعله أقرب الى منزلٍ صيني ، دون أن نغفل التباين اللوني الذي نراه في كل مكان نذهب اليه خصوصاً في ملابس الممثلين ، بهجةٌ بصريةٌ حقّة تلتحم بامتياز مع التوليف الموسيقي الفاتن كالعادة و المقاطع الغنائية التي تتخلل هذا العمل لتثبت كم من الولاء يكنّه تارانتينو للسباغيتي ويسترن ( كفكرةٍ متمردة أكثر من كونها ثيماً بصرياً ) ، و هو ما يؤكده من خلال الـ Extreme Close-ups و جنون القتل و الجثث المتساقطة كالمطر و انهار الدم التي يسيلها موغلاً أيضاً في تحية معلّميه برايان دي بالما و سام باكنباه و دون سيغل خصوصاً في الجزء الأخير من فيلمه ، هذا الرجل فريدٌ من نوعه ، و هو لا يشذ عن فرادته هنا أيضاً .

التقييم من 10 : 8.5