الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

Caesar Must Die

كتب : عماد العذري

بطولة : سالفاتوري ستريانو ، كوزيمو ريغا ، جيوفاني آركوري
إخراج : باولو و فيتوريو تافياني

هناك لقطةٌ في منتصف هذا الفيلم تقترب فيها الكاميرا ( بالأبيض و الأسود ) من صورةٍ لجزيرةٍ صغيرةٍ سرعان ما ندرك أنها مجرد ملصقٍ حائطي ، ثم تلوّن الصورة لتشعرنا لوهلةٍ بأن اللقطة امتدت مونتاجياً لتنقلنا إلى تلك الجزيرة فعلاً ، ثم لا نلبث ندرك أنها ذات الملصق ، لكن هذه المرة بالألوان ، في الواقع هذه اللقطة الفريدة جداً في الفيلم تحكي الحكاية كلها .

عندما أعلن عن فوز الفيلم بجائزة الدب الذهبي كبرى جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي قبل عامٍ من الآن لم أشعر بأي شعورٍ من الراحة تجاه قرار لجنة مايك لي ، خصوصاً بعدما قرأت قليلاً عن قصة الفيلم ، توالت عبارات الترحيب به على مدار العام ، و أصبح بالطبع مرشح ايطاليا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي الذي لم يمضِ فيه بعيداً ، لكنني لا أنكر أنني فتنتُ به بعد مشاهدته ، ثم فتنت به مرةً أخرى في مشاهدةٍ ثانية .

في هذا الفيلم يتعامل باولو و فيتوريو تافياني (اللذين لم أشاهد لهما شيئاً من قبل) مع مشروعٍ مسرحيٍ سنوي يديره المخرج المسرحي فابيو كافالي في سجن ريبيبا في العاصمة الإيطالية روما ، في هذا المشروع يتم اختيارُ عددٍ من المساجين للقيام بالمسرحية السنوية التي يقيمها السجن لزواره ، هذا العام سيقوم المشروع بتقديم مسرحية يوليوس قيصر للسير ويليام شكسبير ، تبدأ الإستعدادات و تجارب الأداء و توزيع الأدوار ، و تبدأ منظومة السجن الكبيرة بالتحوّل الى روما القديمة قبل أن يكشف لنا الأخوان تافياني عن ماهية عملهما هذا .

هذا الفيلم يذكرني في بعض تفاصيله بأفلام الفرنسي الكبير روبير بريسون ، أو ان شئتم الدقة بالفكر السينمائي للرجل و ليس بنهجه الاخراجي او ادواته ، أنت لا تشاهد من يؤدي الدور ، أنت تشاهد الدور ذاته ، و هذا التصور الذي يجرد العمل الفني من وسيطه يحقق في الواقع الغرض السينمائي و المسرحي الأول الذي تهنا عنه على مدار السنوات (الفرجة) ، السينما ولدت في الأساس من أجل الفرجة ، التقاط الحياة ، و لأن ذلك الالتقاط تحوّل الى صناعةٍ لابد لها من وقودٍ لتستمر كان لا بد من ايجاد ذلك الوقود الذي لا ينضب ، و للحصول عليه ولدت الحبكة و المعالجة و الأداءات و غيرها ، الفيلم يعيدك إلى جوهر كل شيء ، يلغي كل ذلك ، و يقدم الفرجة الخام المستخرجة من جوهر الغاية السينمائية أو المسرحية و بشكل الخاص الوثائقية ، دون أن يمثل أحدهما دون غيره ، هذا العمل الفني ليس مسرحية ، و ليس فيلماً درامياً ، و ليس فيلماً وثائقياً ، هو يكسر قيودها جميعاً و يعيد الفن إلى أصله في خلق الفرجة في حدثٍ و شخوص و صورة ، يزاوج بعظمة بين المسرح و التوثيق و السينما و يزيل الحاجز بينهم و يخبرك بأنهم قبل كل شيء ( فن ) ، هو مسرحيةٌ لا تستطيع أن تنكر أنها فيلمٌ شاهدته ، و هو فيلمٌ لا تستطيع أن تنكر أنها مسرحية أداها أولئك المساجين ، و هو توثيقٌ مصورٌ لذلك التزاوج قبل كل شيء .

في جوهره ، هذا فيلمٌ انسانيٌ صادقٌ جداً حتى الثمالة ، هو يجلب الأدوار لتتقمص ذاتها ، أو بمعنى آخر هو يلغي التقمص أساساً ، إذا كان جوهر عملٍ سينمائيٍ على هذه الشاكلة يكمن في اظهار كيف أن مجموعةً من المساجين قادرون على كسر حاجز سجنهم و التألق على خشبة المسرح في عرضٍ ليوليوس قيصر ، فإنه يباغتك قبل أن يجعلك تسأل نفسك هل هم نجحوا في عملهم فعلاً أم لا ؟ هل التصفيق مردّه فقط هو تعاطف الحضور معهم كمساجين يؤدون مسرحيتهم السنوية أم أنهم أبدعوا فعلاً في أدائها ؟ هو قبل أن يجعلك تفكّر ملياً في تلك الإجابات يباغتك بإجابته ، يخبرك أنه خدعك ، و أن ما كان يفترض أن يسحرك ضمن تلك الحكاية قد سحرك فعلاً و سحر غيرك بدليل أنك الآن تسأل تلك الاسئلة ، قيمة الفيلم الجوهرية المشروطة بنجاحه أصلاً تكمن في إثبات قدرة أولئك المساجين على كسر قيودهم بأبسط ما يمتلكون ، ليس بإثبات وجودهم كمساجين أدوا أدوارهم المسرحية في يوليوس قيصر و انتزعوا اعجاب الحضور ، بل بإثبات وجودهم كمساجين أدوا شخصياتهم الحقيقية كمساجين يؤدون أدوارهم المسرحية في يوليوس قيصر و ينتزعون اعجاب مشاهدي الفيلم ، كم كان الدب الذهبي نصراً عظيماً لتلك الأرواح الشغوفة القابعة في زنزاناتها ، الفيلم رسالةٌ انسانيةٌ صادقة من خلال خداعه ذاك ، هو مثل تلك الصورة التي تحدثت عنها في بداية حديثي ، مجردُ ملصقٍ نعتقدُ لوهلة بأنه أكثر حقيقيةً عندما يتحوّل الى اللون قبل أن نكتشف أنه ما يزال ملصقاً حائطياً ، ذات الصورة المعممة في المسرحية التي تجري في مسرح السجن و تقدّم لنا مرتين بالألوان ، الأولى مطلع الفيلم و الثانية في نهايته ، و مع أنني لم استسغ ذلك التكرار تماماً خصوصاً و أنه يفصل أساساً بين المسرحية و الفيلم ضارباً جزءاً من العمق الحقيقي للعمل ، إلا أنني أتفهم فيه رغبته بإظهار أن الصورة التي يراودنا شكٌ بأنها ليست كما تبدو عليه ، تكون في الواقع كما تبدو عليه .

عمق العمل الحقيقي يكمن في النهج الذي ينهجه الاخوان تافياني الكاتبان و المخرجان لتوليف أبطالهم مع منظومة العمل ككل ، من النادر أن تكون عملية التوليف ذاتها هي عمق عملٍ ما ، بعيداً عن الحبكة أو الشخصيات أو التطور أو المضمون الحواري أو قيمة الأداءات ذاتها ، و هذا يبدأ في الواقع من اختيار المسرحية ، المسرحية التي اختار فابيو كافالي اخراجها في العرض السنوي للسجن أو من منظورٍ آخر المسرحية التي اختارها الأخوان تافياني لتكون محوراً للحدث ، المسرحية هنا لا تختار عبثاً برأيي ، و على خلاف معظم مسرحيات شكسبير التي تطغى فيها دراسة السلوك الإنساني للشخصيات المحور على أي شيءٍ آخر في الفيلم ، يختلف الوضع هنا ، يوليوس قيصر مسرحيةٌ عن الإنسان ، عن الإنعتاق ، و عن البحث في الجوهر الداخلي لتناقضاته و لماذا يقوم بما يقوم به ، و في خطبتي بروتس و مارك أنطونيو تتوهج الحكاية لتبرز منظورين مختلفين لتصرفات بطليها ، تشعر فعلاً بأن الحكاية وصلت إلى روح المؤدين و وصلت إلى روح الجمهور في السجن ، يتحوّل السجن إلى روما ، روما القديمة في قلب سجنٍ من سجون روما المعاصرة ، المسرحية لا تعبّر عن شيءٍ فيهم بل هي تستنطق - ضمن منطق الوحوش التي تكالبت على روما في عصر يوليوس قيصر كلٌ لغرضه – الحس الإنساني الضائع لدى كل مؤدٍ ، هو لا يدرس شخصياتها سلوكياً بقدر ما يدرس مؤديه ذاتهم ، هذه ليس ماكبث أو هاملت أو عطيل ، هذه مسرحيةٌ عن الخيانة و الشرف و المجد و الحب و التضحية ، كلماتٌ لم يعتد هؤلاء المساجين تداولها كثيراً ، لذلك تشعر بصدق و بساطة أدواتهم في محاولة خلق المشترك بين شخصياتهم و ذواتهم ، نشعر فعلاً بأنهم يجتهدون و يتطورون ، نشعر بإحساسهم بأهمية و غرابة ما يقومون به ، و نشعر بتأثرهم و سعيهم للظهور في أفضل صورةٍ ممكنة ، يشعرونك بأن ما يقومون به هو ربما الأكثر خصوصية و قيمةً طوال حياتهم ، و مع ذلك يبقون هم ، ويبقى احساسنا بحقيقيتهم عالٍ جداً ، و في الوقت ذاته يبقى احساسنا بشكسبير عالٍ أيضاً و لو أنهم يتفوقون على شكسبير ذاته بوضوح و يخطفون السحر من قصته لكن بميزانٍ ذكيٍ جداً ، يوصلك الأخوان تافياني لما يريدونه تماماً : أن تهتم بالتجربة لا بالمسرحية ، و من المثير للإعجاب أن هذا يحدث دون أن نفقد اتصالنا بالمسرحية و أحداثها ، الفيلم يعبّر من خلال توليف أبطاله مع شخصياتهم و جو مسرحيتهم عن الكثير من عمق الفيلم ذاته ، و هو لا يكتفي فقط بأن يجيد اختيار المسرحية لكنه يكون واقعياً عندما يقدم حواراتها بالإيطالية أيضاً ، بل و بالإيطالية العامية و وفقاً للهجة المحلية لك مؤدٍ ، يحاول ان يزيل عن كاهلهم مجهوداً اضافياً من العمل على الدور ، و هذا فعال بالنسبة لهم ، يدخلهم أكثر في العملية و يقربهم أكثر مما يقومون به و سرعان ما تشعر بأنهم نجحوا في ذلك دون أن تستوعب تماماً أن نجاحهم في الواقع كان مزدوجاً : المساجين هنا (يتعلّمون الأداء) ، ثم (يتعلّمون الأداء كمساجين يتعلّمون الأداء) على اعتبار أن هناك نصاً للفيلم في الواقع ، لذلك تبدو مشاهدهم في غرفهم و في الممرات و في باحة السجن حقيقية جداً و مخادعة ، و لا تستطيع أن تنكر أن شعور التشويش جراء تحرير هؤلاء المؤدين في شخصياتهم ينجح في الكثير من المواضع ، تشعر بأن شعور الإلغاء بين ما يقوم به مخرج المسرحية و ما يقوم به مخرجا الفيلم قد حدث ، لا تعرف متى يخرج المؤدون خارج النص المكتوب لهم ، لا تعرف أين هي الكواليس في الواقع ، هناك نصٌ طبعاً لما تشاهده ، و النص قائم على خلق توازٍ بين المسرحية و الفيلم ، لذلك هو يقحم تداخلات الخروج عن النص ليخدم الهدف الأساسي له و هو منح انسانيةٍ أكبر لشخصياته على اعتبار ان شخصياته ليست بروتس و مارك أنطونيو و يوليوس قيصر و إنما هم المساجين أنفسهم ، هو لا يتذاكى ليشعرك بأن الأمر ليس كما يبدو عليه ، هو يترك مخرجه المسرحي فابيو كافالي يتماهى مع تلك التداخلات و يريك ابطاله داخل أدوار المسرحية و خارجها و ينسيك أنهم هم الأدوار قبل كل شيء ، أعظم ما في هذا الفيلم أنه يعمل فقط على توليف ابطاله مع مسرحيتهم وفقاً لنصٍ كتبه هو ، يجعلهم يحاولون ارتداء القناع و ينسيهم للحظة أن القناع هو وجههم في الواقع ، يزيل عنك الحاجز بين (أستعدادهم للمسرحية) و (أدائهم لأنفسهم و هم يستعدون للمسرحية) ، هذا عظيم و يصنع عمق العمل بإمتياز ، و من خلال النتيجة التي تحصل عليها من مشاهدته الآن يتجاوز الفيلم (محاولة اثبات أن تلك الحثالة المجرمة يمكن أن تستخرج أفضل ما فيها بأقل الأدوات الممكنة و في أضيق مساحةٍ من الحرية و تبهرك) ، إلى (ابهارك فعلاً عندما يقودهم الى برلين و يخطف دبها الذهبي) ، هذا تأثير لا يمكن وصفه و إن كان مرهوناً بنجاح العمل أساساً .

مشكلة الفيلم برأيي هي عمقه ذاته ، أنه يجعل قيمته و أهميته مرهونةً بحقيقة ممثليه ، و لا يستند لأي بعدٍ آخر يجعل للقيمة الفنية للعمل ككل مذاقاً اكثر ديمومة ، هو يراهن على ما يريد اثباته بتلك الكومة من المجرمين و القتلة و تجار المخدرات و القيمة الإنسانية التي يستخرجها منهم فعلاً ، لكنه لا يراهن على أي شيءٍ آخر في عمق المسرحية ذاتها التي يحاول توليفها معهم ، صحيح أن نتيجة الرهان فعالة و تصب في صالحه لكنها تترك معضلة الديمومة و قابلية المشاهدة و اعادة المشاهدة أكثر من مرة موضع تساؤل ، و هذه الجزئية غالباً ما تخفف من اعجابي بأي عملٍ سينمائي ، القدرة على الإحساس بقيمةٍ عملٍ ما الآن كما لو أنني اشاهده بعد عشر سنواتٍ مثلاً ، و أشك في ذلك بخصوص هذا الفيلم بالرغم من اقراري بعظمة التجربة السينمائية التي قدمها ، و العوالم المتوازية التي صنعها بين السينما و المسرح و التوثيق .

مدة هذا العمل 76 دقيقةً تبدو مثاليةً لمضمون كذاك ، جل تلك المدة تكون بالأبيض و الأسود ، و هو أبيضٌ و أسودٌ أنيق و مبررٌ درامياً و إن كانت فكرة الفصل غير مستساغةٍ تماماً بالنسبة لي بالنظر للتداخل الذي يستند عليه النص بين السينما و المسرح و التوثيق ، مع ذلك وحده التصوير بالأبيض و الأسود ما يمنح الصورة قيمتها و اختلافها ، و كاميرا سيموني زامباني الثابتة و قليلة الحركة تقضي هنا على ابتذال التوثيق الذي استنزف تماماً استخدام الكاميرا المحمولة ، و هو أيضاً فعالٌ جداً على صعيد شخصية الفيلم ، و الصور التي تعلق في اذهاننا بشدة من هذا الفيلم هي صور أبطاله في هذا الأبيض و الأسود الأنيق ، يرتدون ملابسهم أو ملابس روما القديمة و يتجولون في باحات السجن و ممراته قبل أن يصنع من القطعتين الطرفيتين الملونتين عالماً مسرحياً مختلفاً نبدأ منه و ننتهي اليه .

لم اشاهد في الواقع كل أعمال مهرجان برلين العام الماضي ، و لا أعلم شيئاً عن مدى احقية الفيلم بالتكريم الأكبر هناك ، لكن ما أثق به بأنه يقدم واحدةً من تجارب العام التي لا تنسى و تحقق غرضاً سينمائياً بإمتياز يتمثّل في الفرجة السينمائية بمعناها الخام و الأكثر بدائية ، لقطاته القريبة التي تلتقط وجوه أبطاله أثناء التعريف بهم في مشهد تجارب الأداء البديع يحكي الكثير من الحكاية : كم يبدو أداءاهم سيئاً ، كم تبدو علاقتهم بالكاميرا بدائيةً جداً ، هم الأقنعة و الوجوه في آن ، فيلمٌ ممتاز بحس تعاطف و اعجابٍ قوي لا تملك مقاومته ، مشاهدة تجارب أدائهم أو المونولوجات التي أعقبت مقتل يوليوس قيصر أو مشاهدتم – مرّتين – و هم يعودون إلى زنزاناتهم بعدما استمعوا لـ (تصفيق الجمهور / زئير شعب روما) على خلفية اجمل موسيقى تصويرية لعام 2012 من جوليانو تافياني ابن فيتوريو ، كل هذا يجعلها تجربةً تستحق الإشادة و الإعجاب .

التقييم من 10 : 9