الأربعاء، 27 فبراير 2013

Barbara

كتب : عماد العذري

بطولة : نينا هوس ، رونالد تسيرفيلد
إخراج : كريستيان بيتسولد

قد يكون رأيي غريباً لكنني لا أخفيكم بأنني افضّل نوعية القصص التي قّدمتها الأفلام الألمانية التي تناولت فترة الستار الحديدي لألمانيا الشرقية و حقبة جدار برلين و التباين الحضاري و الاجتماعي و السياسي التي ولدت على جانبيه ، على القصص التي تناولت ألمانيا النازية و ألمانيا الحرب العالمية الثانية ، أشعر بأن السينما الألمانية – وغيرها في أوروبا و العالم - قد استنزفت تماماً النوع الثاني و استثمرته أكثر مما ينبغي .

صحيح أن الثيم العام لقصص النوعين يبدو متقارباً على الصعيد الدرامي ، حيث الناشطون و المعارضون و حتى عامة الناس يجاهدون للفرار من بطش القبضة الجبارة للستار الحديدي في النوع الأول ( أتكلم طبعاً بعيداً عن أفلام الـ Ostalgie أو أفلام الحنين لتلك الحقبة ) ، و حيث وطأة الحرب التي تعيي كاهل من يعيشونها – و في جزءٍ كبير هم يهود - و تدفعهم للفرار بحياتهم و الحصول على انعتاقهم خارج ألمانيا النازية في النوع الثاني ، و مع ذلك تبدو النوعية الأولى الأقل بهرجةً على الصعيد البصري ، و الأقل دموية ، و الأبعد عن صورة الحرب أكثر جاذبيةً و قرباً من نفسي ، أتذكر كثيراً افلام النوع الأول و بالتأكيد سأتذكر طويلاً هذا الفيلم.

في عمله السينمائي السادس - الذي مثّل ألمانيا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي و فاز بالدب الفضي لأفضل إخراج في برلين العام الماضي - يحكي لنا كريستيان بيتسولد في هذا النص الذي كتبه بنفسه قصة باربارا وولف ، الطبيبة الألمانية التي تتعرض للعقاب بسبب تقديمها طلباً للحصول على تأشيرةٍ لمغادرة ألمانيا الشرقية ، يتم العفو عنها لكن مع ارسالها إلى (مستشفىً / منفىً) ريفي لتكمل مسيرتها الطبية هناك ، تتعلق كل آمالها بخطةٍ سريةٍ تعدها مع حبيبها يورغ الذي يعيش في ألمانيا الغربية لتأمين هروبها إلى الدنمارك حيث سيكملان حياتهما هناك ، لكن الأمور لن تكون بهذه السهولة بوجود الضابط كلاوس شوتز الذي يحيل حياتها الى جحيم من حينٍ لآخر ، و زميلها الطبيب أندريه الذي تدرك مباشرةً بأنه الطبيب المكلّف بمراقبتها في عملها و تسليم التقارير الدورية عن حياتها الجديدة .

في فيلمٍ Jerichow قدم كريستيان بيتسولد صيغةً مدروسةً و غير مستهلكةٍ عن أناسٍ طبيعيين يمرّون بمراحل صعبةٍ نفسياً و حياتياً من غير ان يغفل الخلفية السياسية المعقدة التي تضرب في عمق التحولات التي تسيّر حياتهم و دون أن يفقد شخصياته طابعها الإنساني و دون أن يجرد الصورة ككل من ذلك ، و هي صيغةٌ لا تستدعي عملاً مكثفاً على التحولات الدرامية لتلك الشخصيات بقدر ما تستدعي عملاً جاداً على التفاصيل التي تغني تلك الشخصيات و ترسم صورةً واضحةً و دقيقةً لكل ما يجري ، هي في الواقع صيغةٌ فعالةٌ أجادها بيتسولد في Jerichow و يعيد ممارستها بفعاليةٍ تستحق التقدير فعلاً في Barbara .

النص يتمحور بالطبع كما هو اسم الفيلم حول باربارا ، لكنه على خلاف الكثير من الأفلام التي تناولت هذه المرحلة الحساسة من تاريخ ألمانيا لا يقدّم شخصيةً فريدةً أو غريبةً يمكن أن توضع محوراً لعملٍ كهذا ، شخصيته المحور ليست ناشطةً سياسيةً أو معارضة مقموعة الرأي ، هي إنسانةٌ عاديةٌ من أولئك الذين نلتقيهم كل يوم ، جريمتها الوحيدة أنها رغبت في أن تعيش حياةً طبيعيةً في بلدٍ لا يقدّمها ، حاولت الحصول على تأشيرة مغادرة فنفيت من حياتها ، وجدت نفسها في بلدةٍ صغيرة ، في مستشفى أقرب إلى منفى ، و عليها أن تبقي عينيها حذرةً تجاه كل تصرفاتها ، جمال النص هنا أنه لا يستنزف من وقته أي شيءٍ تقريباً للتأسيس لشخصية باربارا و هذا شيءٌ مذهل ، مشهدٌ واحدٌ في افتتاحيته لرجلين يتناقشان في أمر امرأةٍ يتأملانها من نافذةٍ علويةٍ تجلس على مقعدٍ في الشارع ، تدخّن سيجارةً حتى يحين الوقت تماماً لدخولها المبنى لمقابلتهم ، لا يحتاج بيتسولد لأكثر من ذلك التقديم قبل أن يسلّم الشخصية بالكامل للقليل فقط من الحوارات و الكثير و الكثير من التفاصيل و التخمة من نينا هوس ، تفاصيل النص التي على المشاهد ان يلتقطها تكون فعّالةً جداً في تصوير البيئة الخانقةٍ التي تعيش فيها باربارا الآن ، لكن هذا هو ما يتعمد النص أن يجعله يبدو لنا ، هو في الواقع لا يقدّم باربارا و كأنها كانت تعيش في جنة طردت منها ، لذلك لا يحاول كثيراً أن يبدو مصطنعاً في تقديمها و كأنما هي تحاول أن تتأقلم مع وضعها الجديد ، تبدو لنا بحذرها و صمتها و هدوئها المريب و كأنما ولدت وعاشت في تلك البيئة الخانقة أساساً و لن يحدث هذا المنفى الكثير من الفارق في حياتها ، هذا معمولٌ جداً و ينساب دون أن ندري ، ليس هذا فحسب بل أنه يتماهى مع صدقه و رغبته من خلال التفاصيل في صناعة واقعٍ حقيقي فيصنع أفضل صورةٍ سينمائيةٍ شاهدتها للعمل ضمن المستشفيات ، في جميع الأفلام التي تقدم المستشفى يبقى حاجز الإنفعال موجوداً ، في الإحساس بالملبس و بطبيعة العمل و بالعلاقة مع المريض و في شعور التخدير الذي يعيشه الطبيب في عمله ، هذا الفيلم يقدّم الوجبة الأكثر دقةً و حقيقيةً على هذا الصعيد أيضاً ، و يخلق بيئةً متوازنة و منطقية و سهلة القبول لدى المشاهد ، نحن نلتقط واقع باربارا من خلال التفاصيل فعلاً .

ما يحسب للنص عقب ثلثه الأول الذي يمكننا أن نقول فيه بأننا تعرفنا الى باربارا أنه يشغل نفسه في صنع تدرجٍ حقيقيٍ موزونٍ جداً في بناء شخصيتها ، دون أن ينهج النهج التقليدي في ذلك ، هو يسلّم شخصيته لمشاهده و ينثر من حولها أيضاً كل التفاصيل التي تحتاجها دون أن ينهج أي نهجٍ حواريٍ أو تلقينيٍ في جعلنا نتواصل معها ، هو فقط يتركنا لتفاصيله الغنية التي تتناثر من حول باربارا ، و بالرغم من أنه يقدم شخصيةً حذرةً و هادئةً و مريبة لكنه لا يصعّب علينا المهمة في التقاط كم الإنسانية التي تمتلئ بها ، يجعل باربارا أشبه ببركةٍ راكدةٍ يرقد تحت سطحها كوكتيلٌ عجيبٌ من العواطف و الأحاسيس التي لا يحاول النص أن يبتذلها من خلال اخراجها و اظهارها لنا بطريقةٍ قد لا تتناسب و جو التوتر و التكتم الذي يجب أن تعيشه باربارا في بيئتها الخانقةٍ تلك ، علاقاتها بالرغم من قلتها تبدو مدروسةً جداً ، علاقتها الأكثر بروزاً هي علاقتها اليومية بدراجتها ، مشاهدها معها تصنع صورةً تعلق بالذهن كثيراً بعد انتهاء الفيلم ، و تكرارها على مدار ساعتي الفيلم يبدو أشبه بترسيخ صورةٍ أيقونيةٍ للفيلم كله ، تماماً مثل الصورة الأيقونية لمالينا تسير في بلدتها الإيطالية الصغيرة في فيلم جيوزيبي تورناتوري ، علاقاتها البشرية متباينة و مصنوعةٌ بحذر ، نكاد نلمح الإبتسامة الأولى على وجه باربارا عند لقائها حبيبها ، لكن ليس هذا ملمح الإنسانية الوحيد في الشخصية ، هي على الأقل تكره الضابط كلاوس شوتز ، يبدو هذا جلياً من استهجانها أن يقوم زميلها أندريه بمعالجة زوجته ، هذا لا يعني أنها تخون مهنتها ، على العكس تماماً تبقى أجمل علاقةٍ تشكلها هي تلك التي تنشأ مع مرضاها ، تهتم لأمر أحدهم عندما يحاول الإنتحار بسبب حبيبته ، و تصنع أول بهجةٍ منذ زمن في عيني مراهقةٍ محكومةٍ بالأشغال الشاقة تدعى ستيلا ، هذا الكوكتيل من المشاعر الراكدة لا يتوقف ، علاقة باربارا الأهم تكون مع زميلها أندريه ، و هي برأيي اذكى ما في الفيلم ، تبدو مزيجاً من الزمالة ، و تشابه الحال ، و اللطف الذي يبدو مصطنعاً أحياناً من الطرفين ، دون ان يخفى على المشاهد انجذاب باربارا تجاهه بفعل ثقافته و استنارته و تفانيه في عمله ، مع ذلك هي لا تحبه ، أو على الأقل لا يمكن أن تقنع نفسها بأنها فعلت ، يبدو في الصورة الرسمية لها نوعاً من الوقوع في ثنائية (الجاسوس الطيب و الجاسوس السيء) ، نظرياً هو لا يختلف في مراقبته لها عن كلاوس شوتز ، لكن سابقته التي وضعته في هذا المكان تجعل منه بالنسبة لباربارا خصماً أليفاً بالرغم من كل محاولاته ألا يظهر بصورة الخصم أساساً ، تبقي نفسها على احتمالٍ دائمٍ بأن كل تصرفٍ ودودٍ منه قد يحتمل أن يكون وسيلةً لكسب ثقتها تجاهه و هذا ما لا تستسيغه ، هذا يبقى فعالاً طوال الفيلم ، و النص في هذه الجزئية لا يحاول أن يخرج بعيداً عن الرتم الذي سار عليه ، لذلك هو يجعل مشاعر باربارا تجاهه راكدةً و غائصةً تحت السطح ، لا يمكننا أن نحدد ماهيتها بسهولة بطريقةٍ قد تفقد رتم الفيلم العام القائم على شخصيةٍ كتومةٍ و حذرةٍ جداً منطقيته و اقناعه ، حتى و هي تقبّله في منزله تبدو من خلال تلك القبلة و كأنما هي تحرر نفسها من ذلك الشعور أكثر من كونها تؤكده ، و أنا أقدّر النص كثيراً على ما فعله هنا .

اهتمام النص بالتفاصيل يزيده منطقيةً و قدرةً على التأثير ، لك أن تلاحظ مثلاً أن باربارا التي تتجنب الجلوس مع زملائها أثناء الطعام تبدأ بالجلوس معهم عندما يعتقد المشاهد فعلاً بأن الوقت قد حان لتجلس ، لا يحاول النص من خلال هذه التفاصيل أن يجعل شخصيته تعيش على ايقاعٍ ثابتٍ بالرغم من كل الجمود و الغموض الذي يلفها به ، يبقي كعادة نصوص بيتسولد أمله بإنسانية الإنسان حياً و يقظاً ، ليس على مستوى باربارا فحسب بل هو يمد ذلك إلى أندريه الذي يقدمه كمزيجٍ من الشخصية الجذابة و المتفانية في عملها و المغلوبة على واقعها أيضاً بالرغم من الإبتسامة التي لا تكاد تفارق وجهه ، هو في الواقع لا يختلف كثيراً عن باربارا و إن كان يتعامل مع وضعه بطريقةٍ تتناسب و شخصيته و بناءه النفسي ، حتى الضابط كلوس شوتز لا يبدو شخصيةً احادية المسار ، يتعمد النص أن يجعلنا نراه يبكي في أحد المشاهد بسبب ما جرى لزوجته المريضة ، نصوص بيتسولد لا تجرّد أحداً من إنسانيته و إنما تضع ضغط الخلفية السياسية وكل تبعاتها فاعلاً جداً في إحداث التباين الإنساني بين شخصيةٍ و أخرى بناءً على طريقة تفاعل و تقبل كل شخصيةٍ على حدة .

و مع أن بيستولد يتألق كثيراً ككاتب نص ، إلا أن عمله هذا كان بحاجةٍ ماسةٍ لمخرجٍ يستطيع أن يجسده في صورةٍ تعلق بالبال ، و هذا ما يحدث ، إمتيازه الأول يكمن في نقله حس الإختناق لمشاهده دون مشاهدة شيءٍ حقيقيٍ فعلاً عن قسوة النظام و استبداده ، ينجح في جعلنا نكتفي بمشاهدة العزلة التي تعيشها باربارا في منزلها ، إنفصالها عن زملائها ، نظراتها المتلصصة في كل مرةٍ تقود فيها دراجتها ، و بحثها عن لقاء من تحب في غابةٍ أو فندقٍ بعيد ، كاميرا بيتسولد تجعل كل ذلك مخنوقاً بالفعل ، و هو لا يكتفي بذلك بل ينجح في خلق إيقاعٍ متصاعدٍ من التوتر يجعل مشاهده ينتظر أن يتحول الفيلم إلى عملٍ هيتشكوكي في ذروته – كما فعل في Jerichow  و Yella من قبل - دون أن يجعل ذلك التصاعد يفلت منه فيما لو تحوّل الفيلم في ذروته إلى لوحةٍ تأمليةٍ لصراع الإنسان مع واقعه ، هذا يحسب لبيتسولد دون شك .

مع ذلك فروح كل هذا هي نينا هوس التي تقدّم برأيي أفضل أداءٍ نسائيٍ رئيسيٍ في عام 2012 ، لا يمكن تخيّل قوة هذا الفيلم بدون أداء نينا هوس ، نينا في ظهورها الخامس في ستة أفلامٍ أخرجها بيتسولد تقدم ذلك النوع من الأدوار قليلة الحوارات قليلة الإنفعال كثيرة التعبير كثيرة الصدق و تتفوق على نفسها في ذلك ، ردود فعلها هنا مضبوطةٌ بأدق وحدة قياس ، تنجذب لها و تحاول معرفة أي شيءٍ عنها ، تغريك عزلتها و خوفها و حذرها و عواطفها المكبوتة و رغبتها بالخلاص ، و إنسانيتها المنسلة وراء ذلك كله ، وجهها تحفةٌ أدائيةٌ بحد ذاته ، لوحةٌ قادرةٌ على التشكل و التعبير عن كل شيءٍ بأقل الإنطباعات الممكنة ، لا يتغير كثيراً لكنك تشعر به مباشرةً عندما يستاء ، عندما يحذر ، عندما يخاف ، عندما ينجذب لأحد ، و بالتأكيد عندما يشفق على أحد ، تدرجها عظيمٌ في الدور ، ميزانٌ حساسٌ جداً في الإنتقال بين المرأة الباردة برود الثلج عندما نلتقيها أول مرة و تلك الدافئة جداً عندما نراها في مشهد الشاطيء العظيم عندما تنقذ ستيلا من مصيرها الأسود على حساب حلمٍ أنتظرته لفترةٍ طويلة ( بالرغم من أنني لم أستوعب أساساً كيف وصلت ستيلا إلى منزل باربارا ) ، جمالية هذا التدرج يكمن في أن نينا هوس لا تشعرنا لوهلةٍ بأن باربارا قد تغيّرت بقدر ما تشعرنا بأنها كشفت بعضاً من دواخلها لنا ، هذا يضرب في عمق الشخصية و قيمتها و في عمق النص الذي يتأمل في الضغط النفسي الشنيع الذي تمارسه الأنظمة الإستبدادية على قيمة الإنسان و إحساسه بإنسانيته ، بيتسولد يصنع أفضل تعاونٍ له مع ممثلته الأثيرة و يستثمر الثيم البصري الممتاز الذي يخلقه مدير التصوير هانز فروم و يزاوجه مع أداء هوس الحساس جداً لصناعة جوٍ خانقٍ بأقل قدرٍ ممكنٍ من الأدوات و بأقل كميةٍ من الشحن السلبي تجاه ممارسات الستار الحديدي لألمانيا الشرقية ، هذه المزاوجة الفعالة جداً بين الصورة و الأداء الرئيسي هي أعظم ما في هذا الفيلم .

لا أنكر أنني لم أتحمس لمشاهدة الفيلم لسببٍ لا أعلمه ، احتفظت به لفترةٍ دون أن امتلك الرغبة بمشاهدته ، و عندما شاهدته شعرت بالأسى ، Barbara فيلمٌ عظيمٌ عن الواقع القاسي الذي يدوم طويلاً إلى الدرجة التي تكون فيها مقاومة تجفيف منابع إنسانيتنا الخاضعة له منجزاً بحد ذاتها ، فيلمٌ عن رغبة الإنعتاق و التحرر من خلال ( الآخر ) في اللحظة التي نعتقد فيها بأن ( الأنا ) هي سيدة الموقف ، واحدٌ من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9