الأربعاء، 16 يناير، 2013

Lincoln

كتب : عماد العذري

بطولة : دانيال داي لويس ، سالي فيلد ، تومي لي جونز
إخراج : ستيفن سبيلبيرغ

يُطلب من ممثل القيام بدور البطولة الرئيسي في فيلمٍ يتناول شخصيةً تاريخيةً ذائعة الصيت في فترةٍ ما من القرن التاسع عشر ، يكون البحث و القراءة مهمّين للإلمام بكافة تفاصيل الدور ، العمل على كاريزما الشخصية و طريقة تصرفها و الغوص في خلفياتها أمورٌ فعالةٌ و مثمرة اذا ما نجحت ، و في غيابٍ حقيقيٍ للصوتيات و المرئيات من تلك الحقبة يكون مجهود الممثل في تقمص الشخصية مقدّراً بالفعل ، و عندما ينفق ممثلٌ ما شهرين كاملين في البحث و التقصي و التدريب فقط لإتقان (صوت) شخصيةٍ لم يسمعه أحدٌ في الواقع فهذا شيء عظيم يحسب دون شك لأي ممثل ، بالنسبة لدانيال داي لويس هذا أمرٌ اعتياديٌ جداً .

بدأت بالحديث عن داي لويس لأنني أعتقد بأن كل حديثٍ عن أي قيمةٍ فنيةٍ في هذا الفيلم سينتهي عند داي لويس ، اثنا عشر عاماً و المشروع يراود سبيلبيرغ ، انتظره طويلاً كما انتظر سكورسيزي ثلاثة عقود كي ينجز فيلماً عن نيويورك (البدايات – العصابات) ، بمرور الوقت صار حلم سبيلبيرغ مضمحلاً جداً ، انتظره ليام نيسن أيضاً ، عقدٌ كاملٌ و الإيرلندي ينتظر أن يعيد اللقاء مجدداً مع المخرج الذي منحه ترشيحه الوحيد للأوسكار ، أصبح ليام نيسن عجوزاً على القيام بالدور الذي أوشك سبيلبيرغ على الإقتناع بأنه لن يبصر النور ،  ثم ظهر التصريح الذي قال فيه سبيلبيرغ بأن هذا المشروع سيصبح حقيقياً فقط إذا ما استطاع أن يجلب دانيال داي لويس للقيام بالدور ، الإيرلندي الآخر رفض القيام به بحجة رهبته من القيام بدورٍ بمثل هذه الأيقونية ، لجأ سبيلبيرغ إلى شريك نجاحه في Catch Me if You Can ليوناردو ديكابريو ليقنع شريك نجاحه في Gangs of New York بقبول الدور ، لا أحد يعلم ما جرى و ما الذي قاله ديكابريو ، لكن داي لويس وافق على الدور !! ، بضعة أشهرٍ من الإختفاء و البحث ، ثم صندوقٌ يصل إلى مكتب ستيفن سبيلبيرغ ، رُسم عليه شعار العظمتين و الجمجمة تحذيراً من فتحه إلا من قبل ستيفن سبيلبيرغ نفسه ، في الصندوق كانت ثمرة شهرين من العمل و التدريب ، التسجيل الأول للصوت المبتكر للرئيس أبراهام لينكولن ، كان المرسل دانيال داي لويس .

داي لويس في العمل السينمائي الحادي و الثلاثين لستيفن سبيلبيرغ يلعب دور ابراهام لينكولن ، الرئيس الأميركي السادس عشر ، يبدأ الفيلم بعد شهرين على اعادة انتخاب أبراهام لينكولن رئيساً لولايةٍ ثانية ، و يتتبع الأشهر الأربعة الأولى من عام 1865 عندما قاد الرجل حملته القوية لتعديل المادة الثالثة عشرة من الدستور الأمريكي بعد عامٍ كامل على اعلانه تحرير العبيد من أجل القتال في الحرب الأهلية التي التهمت فترة ولايته الأولى بأكملها ، التعديل سيؤدي إلى جعل تحرير العبيد امراً أبدياً لا رجعة فيه ، و تعديلٌ كهذا لن يكون من السهل تمريره إذا ما وضعنا بعين الإعتبار الإنقسام الكبير بين الجمهوريين و الديمقراطيين ، و الأدهى الطريقة المختلفة في النظر للأمور ضمن الحزب الجمهوري ذاته ، بين الراديكاليين و المحافظين .

كتب نص هذا الفيلم الكاتب المسرحي الشهير توني كيشنر الفائز بجائزة بوليتزر الأدبية عام 1993 عن عمله الشهير Angels in America الذي قام لاحقاً بكتابة نصه السينمائي لفيلم الـ Mini-Series الشهير الذي أدار فيه مايك نيكولز آل باتشينو و ميريل ستريب و ايما تومسون و اكتسح جوائز الإيمي و الغولدن غلوب عام 2003 ، أحببت توني كيشنر كثيراً في ذلك العمل ، تعاون توني كيشنر الأول مع سبيلبيرغ منحه ترشيحاً للأوسكار في Munich قبل سبعة أعوام ، و هو هنا يعيد الكرّة في هذه الإثارة السياسية ، نص توني كيشنر في هذا الفيلم يقف وراء الكثير من مكامن قوته ، لكنه في الوقت ذاته يتسبب في أهم نقاط ضعفه ، قوة النص الأساسية تكمن في أنه يمزج بحذر الإثارة السياسية مع الدراسة السلوكية للشخصية الرئيسية و أراه ينجح في ذلك إلى حدٍ بعيد بالرغم من أن الخطين لا يسيران مع بعضهما بالتوازي فيتراجع أحدهما على حساب تقدم الآخر ، مع ذلك تكون النتيجة الإجمالية جيدةً إلى حدٍ بعيد .

في دراسته السلوكية يخلط توني كيشنر في لينكولن هاجس المسيرة السياسية الناجحة و الرغبة بالخلود التاريخي و حس الحرص المستقبلي على الوطن و الرغبة في بناء دولةٍ يتساوى مواطنوها في الحقوق بالإضافة إلى قليلٍ من الماكيافيللية السياسية التي تتجلى في الطرق التي لجأ إليها لينكولن لتمرير تعديله ، كل تلك التوجهات الممزوجة بعناية تجعل من الصعب ادراك أي منها تحديداً هو ما كان يحرّك لينكولن ، هذه الصعوبة تلامسنا دون شك و تحسب لنص كيشنر ، لينكولن آمن بالمساواة بين كافة الأمريكيين أمام القانون و لم يؤمن بالمساواة العرقية ، هذا ينسل تحت جلد لينكولن الذي نشاهده على الشاشة دون أن يبدو مباشراً أو فجاً ، يبدو التعديل لدى لينكولن وسيلةً لإنهاء مرحلةٍ عصيبةٍ جداً من التاريخ الأمريكي دون أن يكون لينكولن ذاته متعاطفاً بشكلٍ حقيقي مع السود كقضية وطنية ، هو يخبر المرافقة السوداء لزوجته بأنه لا يعرف شيئاً عنهم ، يبدو محقاً فيما يقول ، يحسب لنص كيشنر أنه جعل هذه الجزئية فعّالة على الشاشة و مفهومة للمشاهد الذي قد تبدو المثالية المفرطة بالنسبة له في تصوير الشخصية التاريخية أمراً مبتذلاً جداً .

على الجانب الآخر ينجح الفيلم بشكلٍ ضئيل في خلق إثارةٍ سياسيةٍ جيدة ، يعاني كثيراً في مرحلة التمهيد لها ، و على الرغم من ذكاءه في تجنب السرد التاريخي الجاف و المباشر للحدث إلا أنه بالمقابل لم يخلق البديل الذي يليق بجعل هذا العمل عالمياً ، صحيح أن غنى النص بالتفاصيل يخدم خلفية الصورة كثيراً حيث المراحل المبكرة لبناء أميركا المعاصرة ، و حيث النسخة القديمة من انقسام الكونغرس ، و بساطة التعامل مع رئيس الدولة الذي يبدو بيته الأبيض هنا أشبه بمعرضٍ أو بحفل عشاء ، خلفية الصورة جيدة ، و هو يغذيها من خلال الجمود العاطفي في الحدث ، هو على خلاف الكثير من أفلام البدايات و حقب التأسيس خالٍ من أي دغدغةٍ عاطفيةٍ أو تبجيلٍ لقائدٍ أو شخصية ، يبدو بالنسبة لي واقعياً جداً و حريصاً على تقديم الأحداث من منظور الحقبة و ليس من منظور التاريخ ، لذلك لا عجب أن تتحول تلك المناورات السياسية إلى ما يمكن أن نسميه بلغة المال و الأعمال Dirty Business و هو في الوقت ذاته لا يتمادى ، و يصر على أن يظهر أن الأمر لم يكن فضائحياً إلى تلك الدرجة ، حتى أن لينكولن ذاته كان يعلم به و يباركه ، كل هذا جميل و مقدّر ، لكن تفاصيل الإثارة السياسية التي يديرها أبراهام لينكولن في الفيلم ليست سهلة الوصول و الفهم خصوصاً لغير الأمريكيين ، و قد تكون صعبة الوصول ربما حتى على المواطن الأمريكي نفسه ، صحيح أن تجنب المباشرة في المرحلة المبكرة من الفيلم يبدو فعالاً في تجاوز صناعةٍ عملٍ تقليدي و هو أمرٌ يخدم الإثارة ككل ، لكنه في الواقع كان بحاجةٍ ليكون أسهل و أبسط مما بدى عليه ، شاهدت العمل مرتين خلال اليومين الماضيين ، و اضطررت لقراءة بعض الأمور التاريخية عن الحقبة بين المشاهدتين ، و وجدت أن توني كيشنر كان بحاجةٍ ليسلك طريقاً اقل وعورةً من العملية الإستنباطية التي يترك المشاهد لها في النصف الاول من الفيلم ، النص مسرحيٌ جداً ، لا يستطيع توني كيشنر تجاوز خلفيته المسرحية كي يمسك بخيوط هذه الإثارة و يجعلها تلامس المشاهد فعلاً ، مسرحيته لا تفيده كثيراً في جعل المشاهد العادي يستوعب تماماً ما يجري ، ينسج كيشنر إثارة فيلمه حول الفترة القصيرة التي واجه فيها أبراهام لينكولن أمّته بمشروع تعديل المادة الثالثة عشرة في الدستور ، من أجل إسقاط العبودية للأبد و ازالة أحد أهم مسببات الحرب الأهلية الأمريكية ، كان سنده الأول في كل ما يجري هو وزير خارجيته وليام سيوارد (يؤديه ديفيد ستراثيرن) ، النص مكثفٌ جداً على صعيد الحدث خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة و هو لا يخطئ في تكثيفه ، لينكولن كان يواجه أولاً الإنقسام البيّن ضمن حزبه الجمهوري بين الجناح الراديكالي بقيادة السيناتور ثيودس ستيفنز (يؤديه تومي لي جونز) و جناح المحافظين يقودهم السياسي واسع النفوذ بريستون بلير (يؤديه هال هولبروك) ، يرى الراديكاليون أن التعديل أقل من طموحاتهم و يرون أنه يجب أن يترافق مع تعويضٍ مستحقٍ للعبيد المحررين و حقوقٍ أكبر من مجرد الغاء عبوديتهم ، و يتخوفون من أن يكون التعديل نهايةً لمطالبهم بهذا الخصوص عوضاً عن أن يكون بدايةً لها ، في حين يرى المحافظون في التعديل بعض السلبيات التي ستنعكس على المجتمع خصوصاً مع تحرير 4 ملايين عبدٍ سيجدون أنفسهم في موقع المساواة القانونية مع السيد الأبيض ، و يرون في مفاوضة الكونفيدراليين على الإستسلام حلاً أفضل من اللجوء للتعديل ، هذه المرحلة التأسيسية المهمة تبدو مشوشةً و غير جلية الملامح حتى في المشاهدة الثانية ، كل ما تستخلصه منها يبدأ في منتصف الفيلم عندما تكتشف أن ثيودس ستيفنز و بريستون بلير هما في الصف ذاته الذي يقوده أبراهام لينكولن ، حتى محاولة ادخال الكونفيدراليين في لب العملية يبدو ساذجاً جداً و لا أدري لماذا يجلب ستيفن سبيلبيرغ ممثلاً بموهبة جاكي إيرل هيلي للقيام بأداء دورٍ كهذا ، الكونفيدراليون يبدون دخلاء بشدة على كل ما يجري ، أمرٌ لا يتناسب مع حقبة الحرب الأهلية الأمريكية التي شكلت أهم مواجهةٍ بين الفيدرالية و الكونفيدرالية في التاريخ ، هذه الأحداث غير الواضحة أو غير المبسطة التي يحاول توني كيشنر و ستيفن سبيلبيرغ جاهدين في النصف الأول جعلها مؤثرةُ و ممتعة لا تتماسك حتى بداية النصف الثاني عندما يتحوّل العمل إلى اثارةٍ سياسيةٍ محورها المهمة الثانية – الأصعب – أمام لينكولن و التي تتمثل في الحصول على العشرين صوتاً من الأعضاء الكونغرس الديمقراطيين من أجل تمرير القرار الأكثر مصيرية في تاريخ النسيج الإجتماعي الأمريكي ، يسند وليام سيوارد هذه المهمة لثلاثة من رجال المطبخ السياسي للرئيس الامريكي (يؤديهم جيمس سبيدر و جون هوكز و تيم بليك نيلسن) اللذين ينجحون في مهمتهم و يقلصون الهدف إلى مجرّد صوتين ، يرفع توني كيشنر هنا من إيقاع النص خلال هذه المرحلة لكنني لا أعتقد بأنه ينجح في خلق القلق الكافي لدى المشاهد بمصيرية هذين الصوتين ، لم يصلني الإحساس المكتمل بأن هذين الصوتين مهمان جداً لإنقاذ حال الملايين ، مقبرة السيقان المبتورة لم توضع لهذا الغرض في النص ، و المعركة الإفتتاحية لا تكفي لصنع ذلك الإحساس ، بل أنها تُنسى مع تقدم الأحداث ، و هذه نقطة ضعفٍ في نص كيشنر ، محاولته أن يكون غير اعتيادي في إثارته السياسية من خلال السرد المعتمد على الإستنباط و عدم المباشرة جعلت فكرة السرد التقليدي المباشر تبدو مهمةً و فعالةً لو تم اللجوء إليها ، بمعنى أدق : مشكلة النص الأساسية من خلال طرفيه (الإثارة السياسية و الدراسة السلوكية للشخصية) هي مشكلة درامية بحتة ، هو ينجح في دراسة لينكولن سلوكياً ، نحن نفهم لينكولن و نستوعبه ، يصنع له مبكراً هدفاً سياسياً ثم يوغل في الحفر – بذكاء يستحق الإشادة – في دوافع الرجل و مبرراته ، لكنه لا ينجح - أثناء بدئه بتحويل ذلك الهدف إلى إثارةٍ سياسية – في ربطنا درامياً بما يجري : مكامن الخلاف الجوهرية في طاقم لينكولن ، مكامن اختلاف قطبي الحزب الجمهوري ، علاقة التعديل بإنهاء الحرب ، و مدى أهمية وجود الكونفيدراليين في معركة لينكولن هذه بالمقارنة مع غيابهم ، و ما الذي يعنيه هذا أساساً لفريق لينكولن ، هذه الجزئيات تصنع مشكلة الفيلم الدرامية ، نراه يخلق شخصياتٍ حقيقية و ثلاثية الأبعاد لكنها تضيع وراء دوافعها و مبرراتها بسبب محلية القصة التي لم يوفّق توني كيشنر - المختبئ وراء مسرحية نصه – في منحها مذاقاً سينمائياً مكتملاً وفعالاً و عالمياً ، خصوصاً مع القلة الملفتة للمشاهد الخارجية للفيلم و التي تخنق الفيلم جداً و تبقيه مسرحياً جداً دون مبرر ، و بالتالي فإن كثرة المشاهد الداخلية و احتجاز المشاهد فيها يجعل من المشاهد الخارجية القليلة – مثل المشهد الخارجي الخاطف للكونغرس مثلاً – نوعاً من التغيير و الإستراحة ليس إلا ، دون ان ترتقي إلى مستوى البهجة المتقصدة و المدروسة كحال نظيراتها في نص بيتر مورغان لفيلم The Queen مثلاً .

ما يصنع من هذا النص المسرحي عملاً سينمائياً مهماً هو ستيفن سبيلبيرغ ، مخرجٌ كبير يقف بكل خبرة السنين وراء تحقيق أحد أحلامه ، المذاق المسرحي الصارخ للنص و المتمثل في المناظرات الحوارية المشبعة و الجذابة و المشاهد الداخلية الكثيرة كان بحاجةٍ لستيفن سبيلبيرغ و طاقمه المعتاد ليخفف كثيراً من فجاجة و جفاف الورق بصرياً ، رجله الاول في ذلك – كالعادة – هو مصوره الاثير يانوش كامينسكي الذي يعمل بجد - من خلال الإضاءة الطبيعية و الإستثمار الممتاز لتصميم الإنتاج الذي وضعه كالعادة ريك كارتر - على جعل المشاهد الداخلية رحبةً و مريحةً للنظر ، ليس أقل منه العمل الممتاز من المونتير مايكل كان الفعال جداً في محاولة التخفيف من هذا المذاق المسرحي ، رجال سبيلبيرغ وصلوا مع الرجل إلى مستوى من التناغم يجعلهم يدركون جيداً ما يحتاجه نصٌ كهذا من وجهة نظر سبيلبيرغ ، و لا أنسى في ذلك طبعاً موسيقى جون ويليامز التي أراها الأكثر تميزاً للموسيقار الأسطوري خلال السنوات القليلة الماضية .

مع ذلك ، فإن ثقل العمل الحقيقي في الواقع يكمن في الأداءات الممتازة لطاقم عمله دون استثناء ، هذا دون شك هو أفضل أفلام سبيلبيرغ أدائياً ، تعرفون التصور الطبيعي عندما أخبركم لأول مرة أن دانيال داي لويس سيقوم بأداء دور أبراهام لينكولن ، قد أسمع عباراتٍ من قبيل ( سيكون أداءاً عظيماً ) ، بقناعةٍ تامة أقول بأن داي لويس يتجاوز هذه الكلمة ، الرجل في ثالثٍ عملٍ يتناول فيه أميركا التحولات العظيمة بعد Gangs of New York و There Will Be Blood يثبت أنه حالةٌ استثناء في اختيار الدور ، و تملّك الشخصية ، و تخليدها في ذاكرة المشاهد لا يضاهيها أي ممثلٍ آخر يعمل في هوليوود اليوم ، دائماً ما يكون هناك ميزان صعب جداً بين تقديم الروح الحقيقية للشخصية الرمز و ابقائها متخشبةً و رهينة للصورة المزخرفة التي هي عليها أساساً لدى الناس ، داي لويس يستحوذ على هذا الميزان ، يستخلص تفاصيل الشخصية ، يكثف كل روحانيتها و جمالها الداخلي ثم يقدّم للمشاهد ما يناسب الإطار الزماني و النفسي الذي تمر به خلال الاشهر الاربعة التي ترويها الأحداث ، هو يقدّمها كشيءٍ مسلّمٍ به للدرجة التي يصعب معها تخيلها في إطارٍ غيره ، عندما أتأمل عمله على مستوى صوت لينكولن مثلاً أفكر كثيراً ، ما الذي دفعه لفعل ذلك مع صوتٍ لم يسمعه أحد ؟! ، و ما المعيار الذي سيحاسب على أساسه داي لويس فيما لو تقمّص أي صوتٍ آخر ؟! ، لماذا هذا البحث الدقيق للوصول للنبرة المناسبة التي تحدثت عنها الكتب ؟! ، و عندما أتذكر أنني أمام الرجل الذي كان يعود لمنزله بالكرسي المتحرك أثناء تصوير My Left Foot ، أو بملابس متسخةٍ بالنفط الخام أثناء تصوير There Will Be Blood تزول دهشتي تلك ، دعكم من اهتمامه العجيب – المعهود – بالتفاصيل ، أدائه أعظم من ذلك ، داي لويس يفعل بنا ما كان يفعله أبراهام لينكولن بمواطنيه ، لا يجعلنا نتساءل لماذا كانوا يحترمونه و لماذا كانوا يهتفون له ، هو جذابٌ جداً بالنسبة لنا كما كان لينكولن بالنسبة لهم ، يجعل – دون أن يشعرنا صراحةً بذلك – من كل خطاباته و كلامه منتظراً و مهماً و بليغاً بالنسبة لنا ، في الواقع هذا ما كان عليه الحال أصلاً تجاه لينكولن نفسه ، و عندما أرى الرجل يستثمر كل لطافته المعهودة ليضخها في شخصية لينكولن أقدر ذلك ، و عندما أراه فوق ذلك يجاهد لكي يظهر لنا بانسيابية عجيبة أن لينكولن ذاته كان يجاهد في اظهار لطافته تلك أقدر ذلك أكثر ، داي لويس يمتلك الشخصية تماماً إلى الدرجة التي سيزيل معها الحاجز بين لطافتها الحقيقية و جهادها تجاه اظهار تلك اللطافة للآخرين دون أن يكسر قيمة الشخصية ، ثم يقلبها بعنف – وبصورة غير مفتعلة و حقيقية جداً - عندما تواجه أمراً شخصياً يخص زوجته أو ابنه ، داي لويس يقدم واحداً من أفضل و أذكى أداءاته على الإطلاق ، عجينة ذهبيةٌ ثمينةٌ جداً من الصورة التقليدية للينكولن و البريق الذي تحمله صورة رئيس الولايات المتحدة و الملمح الإنساني الواضح في التعامل مع زوجةٍ مكلومة أو ابنٍ مندفع ، داي لويس فتاكٌ جداً في الدور ، يذهب أبعد من مجرد شخصٍ يؤدي شخصيةً حقيقية إلى شخصٍ يجعلنا نعيشها كأننا أحد مواطنيها أو أتباعها ، هو روح العمل الحقيقية و قوته النافذة التي لا ينكرها أحد مهما كان تقييمه للعمل ككل .

في الجانب الآخر تتوهج سالي فيلد في دور ماري لينكولن ، الزوجة الحزينة لأبراهام لينكولن ، توفق باقتدار ممثلةٍ كبيرة بين الحزن الهستيري لرحيل الإبن و واجباتها كسيدة أولى و كمناصرةٍ جمهورية ، و مثلها يكون تومي لي جونز قادراً ربما بملامحه وحدها على ترك مبادئ و قيم ثيودس ستيفنز تتجاوز صراعه الخاص ضمن حزبه أو ضمن الكونغرس ، تدرجه احترافي جداً من شخصٍ مبغوض في البداية إلى شخصٍ نؤمن بمبادئه و قيمه في الختام ، أدائه ملفتٌ حتى بين كم الأداءات الرجالية المساندة الكثيرة في الفيلم على الاخص من ديفيد ستراثيرن و هال هولبروك و جيمس سبيدر .

فيلم Lincoln عملٌ سينمائي محترم من مخرجٍ كبير ، في مشاهدتي الثانية له أدركت أن نص توني كيشنر بالرغم من مسرحيته الفجة هو نصٌ ممتاز اتيحت له الفرصة ليكون أعظم من ذلك لو عمل بشكلٍ أفضل على خلق مشتركٍ حقيقيٍ مع المشاهد لتجاوز الفراغ الدارمي الواضح لإثارته السياسية المتمحورة حول شخصيةٍ درسها سلوكياً بشكلٍ جيد ، مع ذلك قد لا تسمح لنا الأداءات الثانوية الممتازة في التفكير في ذلك ملياً ، و قد يجعلنا دانيال داي لويس وحده نتناسى أي شيءٍ آخر لا يروقنا هنا .

التقييم من 10 : 8.5