السبت، 26 يناير 2013

Life of Pi

كتب : عماد العذري

بطولة : سراج شارما ، عرفان خان ، ريف سبال
إخراج : آنغ لي

بين جميع المخرجين اللذين اتابع اعمالهم باستمرار هناك اسمان فقط تثيرني فيهما قدرتهم الفذة على التنقل بمرونة ضمن الأصناف السينمائية ، كبار مخرجي السينما في العالم لا يجيدون اللعبة كما يجيدها التايواني آنغ لي و الاسترالي بيتر وير ، عندما اتأمل كيف تنقل الرجل عبر مسيرته من بداياته في The Wedding Banquet و Sense and Sensibility مروراً بـ The Ice Storm و Crouching Tiger, Hidden Dragon و Hulk و Brokeback Mountain وصولاً إلى Lust, Caution و Taking Woodstock و أخيراً Life of Pi أقف عاجزاً عن ادراك الرابط التصنيفي أو البصري الذي يجمعها ، وحده آنغ لي يقف ورائها جميعاً .

العمل الإخراجي الثاني عشر للتايواني الكبير يقتبس رواية الأديب الكندي يان مارتل الحائزة على البوكر البريطانية عام 2001 ، القصة تبدأ مع كاتبٍ كندي شاب يسافر من بلاده إلى الهند باحثاً عن مادةٍ لكتابه المقبل ، يلتقي هناك سباحاً هندياً يدعى مامجي يخبره أن مجيئه إلى الهند يبدو عبثاً فيما لو قارنه بالعودة إلى كندا حيث تنتظره قصةٌ يعرفها مامجي جيداً عن باي باتيل الشاب الهندي الذي اضطرته الظروف ذات يومٍ ليعيش سبعة أشهرٍ في قارب نجاةٍ في عرض المحيط الهادي رفقة نمرٍ بنغاليٍ ضخم .

إلى حدٍ بعيد يخبرنا نص ديفيد ماغي مبكراً بأنه نصٌ ذكيٌ و متماسك ، رؤية باي يحكي علينا القصة منذ اللحظات الأولى كفيلةٌ بالقضاء على إثارة النهاية ، سنعلم باكراً جداً أن باي سيعيش حياته بكامل صحته ، و مع ذلك يبقى شوقنا لسماع القصة يقظاً لأن ديفيد ماغي ينجح من خلال التمهيد الحواري في جعلنا نلجأ في فضولنا لـ ( كيف ؟ ) عوضاً عن ( هل ؟ ) ، ثم يجذبنا مباشرةً بعد ذلك ليضعنا في عمق حكايته ، قصته التمهيدية ممتازةٌ بالنظر لما سيطرحه لاحقاً ، رغبة التجريب و روح المغامرة اللتين يرسمهما في باي أثناء نشأته محاولاً البحث عن هوية عقائدية له في بونديشيري ( الجزء الفرنسي من الهند ) ، ثم بهجة الحب الأول التي تفلت من بين يديه فجأةً بسبب قرار العائلة الرحيل عن الهند ، حتى هذه اللحظة تكون القصة جذابةً و ممتعةً و قابلةً للذهاب بعيداً بمفردها ، شعرت بأنني قادرٌ على الإستمرار بها كقصةٍ عائلية ، و لا أخفيكم بأن صورة The Namesake رافقتني كثيراً في هذه الحكاية ، جمالية النص على هذا الصعيد تكمن في أنه لا يخلق فترةً تمهيدية مؤطرة في الغرض المحدود الذي ستُخدم به الحبكة الكلية لاحقاً ، بل يبنيها بصورةٍ تجعلها جذابةً و ممتعةً و واضحة للمشاهد ، يمكن له أن يتذكرها بمفردها و بتفاصيلها مع ختام الفيلم.

في الثلثين الآخرين في الفيلم يواجه النص تحديه الأصعب ، النصوص الأكثر صعوبةً على مستوى تطور الشخصية هي نصوص الشخصية الواحدة أو كما تعرف بالـ One Man Show حيث افتقار الحكاية للشخصيات الرديفة و للتفاعل مع الآخرين يعيق عملية التطور النفسي للشخصية الرئيسية ، عملياً يكتب ديفيد ماغي شخصية باي بشكلٍ جيد ، و سراج شارما في الدور الأول في مسيرته يستحوذ عليها تماماً و يملأ الشاشة بها ، إنتقاله سلسٌ و فعالٌ من الشاب عديم التجربة الذي اختبر كل أنواع المعتقدات الدينية في صغره إلى الرجل الذي يوضع فجأةً رهناً لأكبر ضغطٍ يعيشه المرء في حياته ، ديفيد ماغي ممتازٌ إذا ما أخذنا نصّه من هذا المنظور ، لا يفقدك الإحساس بالشخصية ، و لا بالطريقة التي تتغير بها ، و لا يعيق تواصلك مع أيٍ من الدوافع التي تحركها ، هذا مقدّر جداً بالنظر لغياب الشخصيات المساعدة.

و على خلاف ما تصر نصوصٌ مشابهةٌ على توليده فينا من خلال تناسخ الأحداث و تكرارها لخلق احساسٍ حقيقي بحالة الملل و الضياع التي يعيشها البطل ، لا ينهج نص ديفيد ماغي هذا بتاتاً ، أحداثه غير مكررة ، هو يكثف لنا فقط المفاصل الأهم في رحلة الأشهر السبعة تلك دون اعادةٍ أو تكرار أو املال ، و المثير أن احساسنا بصعوبة و قسوة ما عاشه البطل يصلنا دون أن نشعر بأي حاجةٍ لمشاهدة ذلك الروتين على الشاشة ، هذا عظيم و يستحق الإشادة.

العلاقة الوحيدة التي تتشكل و تتطور في الفيلم هي العلاقة بين باي و ريتشارد باركر ، تطور هذه العلاقة حذر ، من السذاجة أن يجعل نص ديفيد ماغي من ريتشارد باركر صديقاً لباي ، هذه علاقة الحاجة ، و النص يدرك ذلك جيداً و يتعامل معه بحذر ، يحترم تلك العلاقة و يبقيها في حدودها الطبيعية - الدنيا بالنسبة لعلاقة صداقة - حيث المحنة التي تضطرك للتعامل ما من شأنه قتل ذلك الظرف الذي وضعت به ، تماماً مثل كاميرا آرون رالستون في 127 Hours أو كرة تشوك نولاند في Cast Away أو غيرها من قصص النجاة ، ابقانا ديفيد ماغي ضمن مجالٍ ضيق في علاقة باي بالنمر ، تطورت العلاقة تدريجياً ، صحيح إلى الدرجة التي نسي بها ريتشارد باركر أن يتعامل مع باي كعدو ، لكن دون الوصول لجعله صديقاً أيضاً ، و صحيح إلى الدرجة التي جعلت ريتشارد باركر يحتاج فعلاً لباي ، لكن دون الوصول لجعله عبداً أو تابعاً له ، العلاقة تبنى بحذر و لا تستفز أو تنجرف في أي مرحلةٍ من المراحل لتهتك هذا الحذر ، عبارة ( خوفي منه أبقاني يقظاً ) تبقى يقظةً طوال الفيلم ، منذ اللقاء الأول لباي بريتشارد باركر عندما لقنه والده درساً في حقيقة هذا الوحش المفترس وصولاً إلى اللحظة التي غادره فيها للأبد و اختبأ في تلك الغابة ، هذا أيضاً يستحق الإشادة.

ما ساءني إلى حدٍ ما على مستوى هذه العلاقة هو اختلال الإيقاع النصي في التعامل مع المعاناة ذاتها ، تبدو المرحلة الأولى من رحلة باي على القارب أكثر لطافةً و متعةً من النصف الثاني من الرحلة الذي يستخلص فيه النص صورة المعاناة بشكلها الصارخ ، في الواقع هذا الإيقاع الداخلي ليس حقيقياً أو منطقياً  و لا يبدو لي صادقاً تماماً على اعتبار ان يوماً واحداً عاشه باي على القارب كفيلٌ تماماً بتصوير كم كانت معاناته كبيرةً للغاية ، السلاسة بين نصفي مرحلة المركب غير معمولة كما يفترض لها أن تكون ، و ايقاع المعاناة يتسارع بشكلٍ لا تخطئه العين عند الإنتقال بينهما.

بالمقابل فإن تطور الإطار القصصي ككل يبدو مدروساً بذكاء ، تتطور القصة و يزداد تعلقنا بها بمرور الوقت ، و مع زيادة ذلك التعلق و الاهتمام يخفف ديفيد ماغي من مقاطعات باي الذي يحكي القصة للكاتب الكندي ، تخف تلك المقاطعات حتى يوشك الفيلم على الإنتهاء عندما يضع باي الرتوش النهائية لقصته ، هذا يخدم كثيراً التدفق و التتالي السردي للقصة ، و مع ذلك إلا أن الختام لم يحقق لي حالة الإشباع التي طمحت اليها و أنا اشاهد الفيلم في المرة الثانية ، تكون هالة الصدمة مُعميةً في المشاهدة الأولى ، في الثانية سألت نفسي : ماذا لو عمد النص إلى تقديم القصة البديلة ( الحقيقية ) تمثيلياً عوضاً عن أن تكون روايةً على لسان باي ، لغرضٍ دراميٍ بحت شعرت بأن هذه الإضافة كانت لتكون عظيمةً جداً فيما لو حدثت ، خصوصاً و أنني رغبت بمشاهدة جيرار ديبارديو في مساحةٍ أكبر لدوره ، أعتقد بأن تقديم القصة الثانية تمثيلياً كان ليمنح ثنائية الحقيقي و الزائف صورةً اعظم تأثيراً و أشد عمقاً للدرجة التي تجعل قرار الكاتب باختيار القصة ذات النمر البنغالي قراراً منطقياً نكاد ندفعه نحن المشاهدين - اللذين شاهدنا كلا القصتين على الشاشة – لاختياره ، اعتقد بعد المشاهدة الثانية بأن العمل على القصة البديلة بشكلٍ مختلف على مستوى النص كان ليمنح الحكاية مذاقاً للذكرى أكثر مما بدت عليه في الختام.

في عمقه يستفز الفيلم العلاقة الأزلية بين الإيمان بالخالق و رغبة البقاء و الإستمرارية ، كيف تتجلى الأولى عند اختبار الثانية ، هو لا يخبرنا الكثير بين سطوره لكنه يجعلنا نعيش التجربة بإدهاش ، نتأمل فعلاً – دون تحريض أو افتعال – كيف أن وجود ريتشارد باركر ( الوحش الذي كانه باي على القارب أثناء تلك المحنة ) كان دافعاً لباي ليستمر و يبقى و يتمسك بخيوط الأمل عوضاً عن الإستسلام لمصير فتىً طري العود يعيش وحيداً في قلب المحيط ، نتأمل – ببهجة هذه المرة – سرب الأسماك الطائرة الذي يضرب المركب عندما بدأ باي يدرك أن الجوع يمكنه أن يجعلك انساناً لم تعرفه من قبل ، ثم نتأمل – بتوجس و ريبة – كيف كان الضرس الذي وجده الفتى في ذلك النبات اللاحم على سطح الجزيرة دافعاً له ( سعياً نحو البقاء طبعاً ) لمغادرة الجزيرة فوراً بناءاً على ما اعتبره ( إشارةً إلهية ) ، النص عظيم على مستوى العمق الذي ينشده في قصة باي ( المتعدد الديانات أصلاً ) ، يفرض نفسه في الختام تأملاً شاعرياً في الحياة و الإيمان ، الخالص و الصافي و البعيد عن أي معتقد بعينه.

وراء هذا النص كانت خبرة مخرج كبير اسمه آنغ لي ، لا أدري كيف يتمكن الرجل كل مرةٍ يقف فيها وراء الكاميرا من صنع ذلك الكم من الخصوصية لكل فيلمٍ يصنعه ، أفلامه لا تتشابه ، لا في قصصها و لا في تصنيفها و لا في ثيماتها العامة و لا حتى في رؤيتها البصرية ، هذا مدهش ، و هذا لا يختلف في شيءٍ عما يقدمه الرجل في Life of Pi ، أحد أفضل الإنجازات البصرية التي جادت بها الأعوام الثلاثة من هذا العقد ، جماله قبل كل شيء يكمن في التوليفة الناجحة التي يصنعها بين فيلم المغامرة و أفلام التأمل الروحي ، هو فعالٌ جداً على الصعيدين معاً ، و يمكنه أن يجعل أياً منهما هدفاً لشريحةٍ من المشاهدين ، و الأجمل أن هذا يحدث دون أن يطغى أحدهما على الآخر ، و الأهم دون ان يفصل احدهما عن الآخر ، حس المغامرة يبقى حياً في كل ثناياه ، كما هو التأمل الروحي – المغذى بصرياً بشكلٍ مسرف – الذي يرافقنا في كل لحظةٍ في الفيلم.

ما راقني كثيراً في عمل آنغ لي هنا هو توفيقه تماماً في صنع احساس للمشاهد بالمكان – مسرح الحدث – حيث نصدق و نقتنع – بصرياً – بقدرة باي على الاختباء من ريتشارد باركر ، و بعجز ريتشارد باركر فعلاً عن بلوغ باي ، نشعر – بصرياً – بحاجتهما لبعضهما البعض حتى و لو بشكلٍ مؤقت ، نصدّق فعلاً كيف تبدو تلك الطوافة عالماً مستقلاً لباي و ملاذاً آمناً له ، و كثيرةٌ تلك الأفلام التي تسقط في فخ الإقناع البصري / التقني على هذا المستوى ، لكن ذلك لا يحدث هنا.

رجل آنغ لي الاول في هذا الفيلم هو مدير التصوير كلاوديو ميراندا ، الصورة الساحر و الآسرة التي تضاهي أعظم ما جادت به عين الكاميرا الوثائقية في أجمل أفلامها عن عالم الحيوان أو عالم البحار ، يخدمه في ذلك دون شك الفضاء الذي يصنعه النص للمكان ، الأمر الذي جعل أمام ميراندا مساحةً أوسع لجعل التصوير نجماً في هذا العمل ، كادراته و حركة الكاميرا ، الطريقة التي يخنق بها باي ضمن المركب الصغير ، أو تلك التي يحرره بها على الطوافة ، الفضاء الذي يولّده في المكان (بالرغم من كونه فضاءاً تخيلياً في موقع التصوير) يعطي بالتقاطه الرحابة الساحرة في خلفية الصورة احساساً بنقص الحيلة أمام ذلك المصير المحتوم ، مشاهدة السفينة و هي تتعرض لتلك العاصفة ، أو مشاهدة باي و هو يعلن انعتاقه في مشهد العاصفة الثانية أو مشاهدة باي وهو يغرق على خلفية أضواء السفينة هي مشاهد من الصعوبة جداً أن تفارق ذاكرتك ، شيء لا يمكن الحديث عنه.

مع ذلك فالعيد البصري لا يتوقف هناك ، طاقم آنغ لي يقدم واحدةً من أفضل انجازات الـ CGI التي قد تشاهدها في حياتك ، تصميم الحيوانات شيءٌ اشبه بالخرافة المحضة ، يدهشك ريتشارد باركر و هو يتحرك ضمن ذلك القارب ، يدهشك الضبع ، تفتن بالمشهد الساحر للحوت ، أو بالمشهد الاحتفالي للأسماك الطائرة ، آنغ لي عظيم في توليفته تلك ، عندما تتأمل أن الرجل صنع كل هذا في حوضٍ صغير في قاربٍ بلاستيكي و ممثلٍ واحد و كاميرا تدور من حوله تقدّر جداً عظمة النتيجة الختامية ، و تقدّر كثيراً الرؤية الممتازة للممثل الشاب سراج شارما الذي يقوم بالدور الأول في حياته و يثبت أنه المخرج الثاني لهذا العمل ، سراج يبتكر عالماً كاملاً بكل تفاصيل رؤيته البصرية و هو يؤدي كل تلك المشاهد في ذلك الحوض الصغير و كل شيءٍ آخر موجود في مخيلته وحده ، يتخيّل الأمواج و العواصف و النمر و الضبع و الحوت و الأسماك الطائرة ، شيءٌ يستحق الإعجاب ما قام به الممثل الشاب في أولى خطواته السينمائية.

بالنتيجة النهائية ستبقى موسيقى الكندي ميكايل دانا في ذاكرتك ، و سيبقى العيد البصري المذهل الذي يقدمه آنغ لي من خلال عمله هذا ، عندما اريد الحديث عن هذا الفيلم باختصار أقول بأنه فيلمٌ ذو شخصية ، شخصيته قويةُ جداً و روحه طاغيةً جداً ، لا أدري كم عملاً يمكن أن تشاهد في حياتك له هذه الخصوصية البصرية و الروحية التي تفرض احترامها بقوة ، و تجعله متفرداً عن أي شيءٍ آخر ، اتذكر أنني قرأت مسبقاً أن إم نايت شيامالان كان مرشحاً للقيام بإخراج هذه الرواية ، و مع مشاهدتي لنتيجة آنغ لي أحمد الله كثيراً أن ذلك لم يحدث.

التقييم من 10 : 9