الثلاثاء، 1 يناير، 2013

Argo

كتب : عماد العذري

بطولة : بن أفليك ، جون غودمان ، آلن آركن
إخراج : بن أفليك

خمسة أعوام تبدو فترةً قياسيةً لإخراج ثلاثة أفلام خصوصاً إذا كانت هي الأفلام الثلاثة الأولى في مسيرتك كمخرج ، منذ ظهوره الأول كمخرج في Gone Baby Gone عام 2007 و على مدى خمسة أعوام ربط الكثيرون بين اسمي بن أفليك و كلينت ايستوود ، كلاهما كان ممثلاً و تحوّل إلى مخرج ، و كلاهما لفت الأنظار بموهبته الإخراجية أكثر مما فعل بموهبته الأدائية بالرغم من عدد الأعمال الجيدة التي قاما ببطولتها ، و كلاهما يبدو جيداً في استنطاق العقد الأخلاقية في شخصيات أفلامه ، اعتبروا أن بن أفليك يمكن أن يصبح النسخة الجديدة من كلينت ايستوود ، و أرى بعد ثلاثة أعمال الآن بأنه سيفضّل بالطبع أن يكون فقط : بن أفليك .

هذا الرجل موهوب وراء الكاميرا أكثر بكثير منه أمامها ، لا أدعي أن أياً من أعماله الثلاثة قد استفزّني أو أسرني بالرغم من اقراري بقيمتها ، لكن عدم حدوث ذلك لا يعني بأي حالٍ من الأحوال انكار القدرة العجيبة لدى هذا الرجل في منح معنى و قيمة حقيقيين للنصوص التي يتعامل معها ، قدّرت فيلمه الأول Gone Baby Gone أكثر من فيلميه اللاحقين ، مع ذلك لم يخيّب الآمال في The Town ، و حقق إثارةً من الطراز الممتاز في Argo ، هذا الرجل يختط لنفسه مساراً مختلفاً بالرغم من تقاطعاته مع كلينت إيستوود ، هي بضعة أعوام و يصبح واحداً من مقاصد نجوم هوليوود الكبار اللذين لم يتمكن حتى الآن من إدارة أيٍ منهم .

في Argo يتناول أول نص يكتبه كريس تريو قصة مهمةٍ سريةٍ نفذتها الإستخبارات الأمريكية في قلب العاصمة الإيرانية طهران عام 1980 عقب اندلاع أزمة الرهائن المحتجزين في مبنى السفارة الأمريكية بغرض إجبار الولايات المتحدة على إعادة شاه إيران رضا بهلوي – اللاجئ السياسي فيها - إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليحاكم و يعدم ، ستةٌ من موظفي السفارة نجحوا في الفرار دون أن يلحظهم احد و وجدوا طريقهم إلى منزل السفير الكندي ، و الإستخبارات الأمريكية بالتعاون مع وزارة الخارجية توكل مهمة استعادة الموظفين الستة إلى أفضل رجالها في هذا المجال أنتوني مينديز الذي يخترع قصة عملية تصوير فيلمٍ سينمائيٍ مزيف لصالح أحد ستوديوهات هوليوود لإختراق السياج الأمني الإيراني و العودة بهم .

يبدأ الفيلم – كما يفترض – بردم الهوة و جعل معرفة المشاهدين على السويّة ذاتها ، يعود ليسرد لنا الخلفية السياسية و التاريخية لإيران وصولاً إلى هذه اللحظة ، الإفتتاحية التي تمزج الرسوم الكرتونية بالأفلام الوثائقية تبدو - أكثر من كونها جميلةً للبصر – مميزةً و غير مألوفةٍ في أفلامٍ من هذا النوع ، ردم الهوة يبدو ضرورياً في البداية على الرغم من مباشرته ، المشكلة أن هذه المباشرة و السرعة لم تنعكس ايجاباً على الجزء التالي لها فتبدو عملية اقتحام السفارة سريعة و خاطفة و مجنونة و بعيدة عن الوصول للمشاهد بالطريقة التي يجب أن تكون عليها ، و نمط الإستعجال الذي تبدو عليه وصولاً للنقطة الأساسية (وهي احتلال السفارة) لا تجعل النص يبدو أكثر من كونه نصاً تقليدياً لفيلم إثارة و لا يتمكن حجم الجنون الذي يضخه بن أفليك في الصورة من التخفيف من ذلك .

عندما تبدأ الأحداث في التقدم يعاني النص من بعض المشاكل و يقع أسيراً لبعض الكليشيهات التي يمكنك أن تتصالح معها اذا كنت راغباً بذلك ، ما لفت انتباهي و لم اتصالح معه هو مقدار الربط بين أنتوني مينديز و هذه القضية ، أنتوني مينديز كما يصوّره النص هو رجل الإستخبارات الأمريكية الذي سحبت القضية من تحت يدها و أوكلت للخارجية الأمريكية على اعتبار الموضوع أزمةً سياسية ، يخبره رئيسه أنهم مجرد مستشارين لرفع العتب ، لكننا سرعان ما نجده يصبح واجهة القضية كلها و برغبةٍ ذاتيةٍ منه بالرغم من تناقض هذا مع صراع المؤسسات الأمريكية التقليدي خصوصاً و أن لدى الخارجية الأمريكية ما يمكن أن نعتبره حلولاً بديلة ، بدى النص بالنسبة لي سطحياً جداً في التعامل مع هذا الجانب ، مجرد رغبةٍ في التأسيس السريع لإثارةٍ تستند لقصةٍ حقيقيةٍ ، و أعتقد أن قليلاً من النار الهادئة كان سيكون كفيلاً بجعله أفضل في مرحلته التأسيسية .

النص يصبح أفضل في المرحلة التالية ، عندما توكل مهماً إخراج الرهائن رسمياً لتوني مينديز ، يمارس النص ألاعيبه علينا من خلال حس الإستعجال الواضح في هذه المرحلة ، إلى الدرجة التي يشعر فيها المشاهد بأن هذه المرحلة (مسلوقة) ، و على العكس يبدو لي بأن هذا من أفضل ما فعله النص ، حس الإستعجال هنا معمولٌ جداً ، مينديز أساساً يعترف بأنها (أفضل فكرةٍ سيئةٍ متاحة) ، لذلك يصر النص على الإبتعاد عن التركيز على المباشرة في الحديث عن الوقت الضيق أمام مينديز لإنجاز المهمة و يكثف جهوده على السرعة الفعلية للحدث ، و عندما تشعر بأن الوقت أمام مينديز و صديقيه في هوليوود لم يكن كافياً للإعتناء بالتفاصيل و التماهي في نسج خيوط الكذبة بحيث تنطلي على الجميع يكون هذا هو الشعور المقصود تماماً من ذلك ، و بالطبع يمنح لنفسه بعض الوقت أيضاً لانتقاد هوليوود او هجاء نقابة الكتاب ، يجدها فرصةً جيدة لتصوير مصنع الأكاذيب الأكبر في العالم من داخله لكنه لا يسترسل في ذلك بحيث يحرف العمل عن محوره ، هو جيدٌ في رحلته الهوليوودية (المسلوقة) ، يمنحنا ذات الشعور الذي عاشه مينديز و هو يشاهد حبكته غير متقنةٍ تماماً و غير مقنعةٍ تماماً ، لكنها أفضل ما يمكن حالياً بالنظر للحاجز الزمني المتاح أمامه .

هذا التعمد قد لا يكون كافياً بمفرده لإقناعنا بمنطقية ما حدث ، يدرك الكاتب و المخرج أن نصاً يقوم على خدعةٍ ساذجةٍ تقوم بها شخصيته الرئيسية بالمخاطرة مع خصمٍ بمثل هذه القوة و في عقر داره قد يبدو نوعاً من الهزل ، لذلك يعمل الكاتب و المخرج على توجيه المشاهد بإصرار تجاه حالة الفوضى التي تعيشها إيران في تلك الفترة ، و كأنما يقول بأنه ربما في ظروفٍ اخرى كان كشف أمر هذه العملية سهلاً – و قد كادت أن تكشف فعلاً – لكن نص كريس تريو و إخراج بن أفليك يشعرك فعلاً - من خلال تصويرٍ فعّال لرودريغو بريتو و مونتاجٍ حيوي لويليام غولدنبيرغ و تصميم انتاج عظيم من شارون سيمور – بحجم التخبط الذي ساد إيران في فترة التطهير تلك عقب الثورة الإسلامية ، قليل من برود الأعصاب و الثقة بالنفس يمكن أن يجعل الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لمينديز ، هذا فعال و يستحق التنويه .

في النصف الثاني من الفيلم تبدأ العملية ذاتها ، و فيها تبدأ إثارة الفيلم الحقيقية بمجرد وصول مينديز لإيران ، نقلة الإيقاع هنا معمولة بإمتياز من بن أفليك ، بعد مرحلة هوليوود المرحة يكون على عاتق بن أفليك جعلنا نشعر بخصوصية المرحلة ، يبدو تغير إيقاع العمل و كأنما يقول : دع كل ما كنت تشاهده في النص الأول جانباً ، الرجل أصبح في إيران ، و هنا بالفعل لا يساوي هذا الرجل و لا من يتبع لهم أكثر من ثمن الرصاصة التي ستستقر في رأسه ، يرتفع الإيقاع بإمتياز ليتناسب مع مستوى الإثارة العالي التي يفترض أن يسير عليه الحدث في النصف الثاني ، إثارة الفيلم لديها إيقاع داخلي ممتاز و بعيد عن أي بهرجةٍ ظاهرية ، لا وجود للغموض و لا للحظات الأكشن ، لكن هناك الكثير من الخوف و التشويق و الترقب ، ليس هذا فحسب بل أن الضغط على إثارة الفيلم يكون مضاعفاً هنا على اعتبار أن الكثيرين يعرفون اساساً بأن أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران قد مرت بسلام ، تبدو إثارته على الورق خاليةً من المعنى بالنسبة للمشاهد لكن بن أفليك يتفوق على نفسه و يصل بمشاهده إلى مستوى الترقب الحقيقي و التوق لمعرفة إلى أين ستسير الأمور ، و قيمته الحقيقية كمخرجٍ هنا تكمن في وضع مشاهده في صورة الكماشة التي وضع فيها المحتجزون الستة بين عجلة الزمن الذي طال و طال حتى بلغ ثلاثة أشهر و بين المرتقب الغامض الذي سيحصلون عليه لو فكروا بتغيير واقعهم هذا ، بن أفليك يدرك أن هذا مكمن إثارة الفيلم و يجعلنا ندرك نحن أيضاً أنه كذلك .

في عمق النص لا توجد شخصياتٌ مبنيةٌ في هذا الفيلم و لا توجد أبعادٌ عاطفيةٌ كذلك ، حتى الخلفية التي يريد أن يمنحها للمشاهد عن حياة مينديز الخاصة لا تعنينا في شيء بالرغم من أنها لا تبتذل النص كذلك ، يبدو بن أفليك في أفلامه الثلاثة و كأن يتدرج تنازلياً في منسوب العاطفة التي كانت في أعلى حالاتها لدى المشاهد في فيلمه الأول ، في الواقع هي لا وجود لها هنا بالمعنى الحقيقي المكتمل ، لا يوجد أي توجيهٍ حقيقي مكتمل الملامح تجاه تشكيل أي نوعٍ من التعاطف الغامر مع أي شخصية ، و مع أن طبيعة العمل ذاتها لا تحتمل ذلك النوع من التعاطف ، إلا أن القليل منه كان ليكون فعّالاً خصوصاً و أن المشاهد الذي يتأمل في قصة حصار ستة اشخاصٍ لمدة ثلاثة اشهر في مكانٍ واحدٍ و رغبة الحياة و الإنعتاق لديهم قد يعنيه الإحساس بأي شعورٍ إيجابيٍ تجاههم ، لكن للأسف لم اشعر بأي شيٍ من هذا القبيل ، تعاطفي مع المحتجزين كان هشاً بالفعل و لم تخدمه اطلاقاً أزمة الثقة بين مينديز و المحتجزين ، هذه الأزمة تبدو مفتعلة بطريقةٍ مستهلكة و لا تتناسب مع حجم الضغط النفسي الذي مورس عليهم و إدراكهم أنها مجرد مسألة وقت قبل العثور عليهم ، الثقة بعميلٍ أستخباراتي ترسله بلادهم بعد ثلاثة أشهرٍ من العذاب تبدو بالنسبة لي أسهل من أن يتم تعقيدها بتلك الصورة .

أسوأ ما في النص في نصفه الثاني هو الكليشيهات التي تزداد عدداً ، صحيح أنه في جوهره يبدو أساساً مزيجاً من Wag The Dog و The Producers مع ثيمٍ بصريٍ مشابهٍ لذلك الذي شاهدناه في Munich ، هذا لا يهم لو كان لدى النص الإستعداد ليبدو براقاً و مختلفاً و جديداً على مستوى التفاصيل ، لكنه يتمادى في جعلنا نشاهد ابتذالاته في مرحلة الذروة ، خصوصاً في احتجاز مينديز و رفاقه في لحظتهم الحاسمة ، و طريقة التواصل الخاطفة بين موظفة المطار و المسئول في CIA و رئيس الإستخبارات و الرئيس الأمريكي و الطيران السويسري ، كل تلك الشبكة من الإتصالات تدار خلال المدة التي يقضيها مينديز أمام موظفة المطار للتأكد من وصوله حجزه في الثانية الأخيرة !!! ، أمرٌ يبدو نكتةً سمجةً خصوصاً و نحن نتحدث على الأقل عن تقنيات الإتصال مطلع الثمانينيات ، ليس هذا فحسب بل أن النص يبدو تقليدياً جداً في التعامل مع صورة الشرق الشرير و الغاضب في مشهد البازار ، أو الشرق الساذج في مشهد موظفي أمن المطار المفتونين بلوحات تصميم الإنتاج الخاص بالفيلم ، بالرغم من مجاهدة النص أن يبدو مختلفاً و ممتازاً على مستوى إثارته ، إلا أنه يتدنى كثيراً من خلال إصراره على التعامل مع هذه التفاصيل التي عفى عليها الزمن .

في جميع أفلام الرجل تبدو الاهمية الأدائية للفيلم قادمةً من الممثلين الثانويين ، إد هاريس و إيمي رايان في Gone Baby Gone و ريبيكا هول و جيرمي رينر في The Town و جون غودمان و آلن آركن اللذين يسرقان كل مشاهدهما في Argo ، و بالرغم من قصر دوريهما إلا أنك تغادر الفيلم دون أن تنساهما ، بعيداً عنهما لا أدري إذا ما كان بن أفليك قد وفق فعلاً في اللجوء لممثلين مجهولين لأداء دور المحتجزين ، ما أنا متأكدٌ منه بهذا الخصوص أن الرجل لا يستفيد من هذه الجزئية كما فعل بول غرينغراس في United 93 حيث قدرة التعاطف و الوصول بلغت مداها بالرغم من الأسماء المجهولة التي قامت ببطولته ، بينما يتابع الرجل هوايته في الادوار الرئيسية ، أدار الرجل شقيقه كيسي في فيلمه الأول ، ثم قام ببطولة فيلميه اللاحقين بنفسه ، و حقيقةً فإن بن أفليك لا يضيف شيئاً للدور و لا ينتقصه أيضاً ، ذلك النوع من الأداءات الذي لا تجد ما يمكن أن تقوله عنها ، طبعاً دون أن أغفل أنني أجده اختياراً جيداً للدور – و ربما من باب الصدفة - على اعتبار أن ملامح بن أفليك أساساً (لا تتكلم) و تبدو قناعاً ممتازاً لموظفٍ في الإستخبارات الأمريكية .

في الصورة الختامية هذا فيلمٌ مهمٌ عن الخبايا ، عن الصفحات المنسية التي ربما هي تشكل التاريخ أكثر بكثير من تلك الصفحات الظاهرة و المعلنة و المروّج لها ، Argo بالنتيجة هو فيلمٌ لا يختلف عن فيلم آرغو الذي يتكلم عنه ، عمليتا انتاجهما تعملان على تحويل ما هو (زائف) إلى شيءٍ (حقيقي) ، و بن أفليك ينجح إلى حدٍ بعيد في التلاعب بإثارةٍ نعرف أنا و أنت و كثيرون غيرنا بأنها إثارةٌ (زائفةٌ) ستمر بسلام لتصبح بالصورة الختامية إثارة (حقيقية) بدرجة امتياز ، يقولون دائماً بأن (الثالثة ثابتة) ، و الثالثة مرّت بنجاحٍ أيضاً ، الآن يمكننا القول بقناعة أن بن أفليك مخرجٌ يعرف من اين تؤكل الكتف ، و هو يستحق المتابعة فعلاً .

التقييم من 10 : 8