الأحد، 23 ديسمبر 2012

Oslo, August 31st

كتب : عماد العذري

بطولة : آندرش دانييلسن لاي ، هانز أولاف برينر
إخراج : يواكيم ترير

لا أتذكر في الواقع أنني شاهدت فيلماً نروجياً خالصاً ! ، حتى أهم الأفلام النروجية التي عثرت بها على قلتها كانت في الواقع أفلاماً مختلطة بين أكثر من دولة ، و ربما لتلك القلة يبدو من السهل علي أن أتذكر أسماء مثل Insomnia العمل المشترك بين السويد و النروج و الذي أعاده كريستوفر نولان لاحقاً مديراً ثلاثة أوسكاريين في مقدمته ، أو Trollhunter عمل الإثارة المميز الذي اطلق منذ عامين مستلهماً إحدى أشهر الأساطير النروجية ، أو ملحمة الحرب العالمية الثانية Max Manus عن أسطورة المقاومة النرويجية في وجه الاحتلال النازي ، و بالطبع Reprise ليواكيم ترير الذي يعود مجدداً و بقوة هذا العام من خلال Oslo, August 31st.

في هذا العمل الذي يعيد فيه الرجل اللقاء ببطل فيلمه السابق أندرش دانييلسن لاي - الطبيب النروجي و الممثل غير المحترف في الواقع – يحكي علينا الرجل قصة آندرش الكاتب الشاب ابن الرابعة و الثلاثين و الذي كافح بقوة للخروج من دوامة المخدرات و أصبح على وشك أن يطلق قريباً من مركز التأهيل ، يخرج لقضاء يومٍ في أوسلو حيث يلتقي صديقه القديم و رفيق الإدمان توماس الذي أقلع عن حياته السابقة و اصبح محاضراً أكاديمياً و رباً لأسرة ، آمال آندرش تتعلق بمقابلة لشغل وظيفة محررٍ في مجلةٍ أدبيةٍ في أوسلو ، بينما في الخارج تبدو أوسلو على بعد حواجز كثيرةٍ عن آندرش الذي تركها متوجهاً إلى المصح قبل عشرة أشهر ، أوسلو تغيرت ، المقابلة لا تسير على ما يرام ، شقيقته لا تريد لقائه ، حبيبته السابقة لا ترد على اتصاله ، و آندرش يجد آماله بإستعادة حياته أو البدء من جديد تتقلص أكثر فأكثر .

هذا فيلمٌ عظيم ، من النادر أن يراودني هذا الشعور قبل الفراغ من مشاهدة الفيلم ، لكنني شعرت بهذا الشعور في منتصف الفيلم ، كل ما في هذا العمل يستحق رفع القبعة ، نصه و حواراته و ايقاعه و روحه و اداء بطله و نظرة مخرجه ، توليفةٌ لا تشاهدها بهذه القيمة و بهذه القدرة على الإستيلاء على اهتمامك في عملٍ يتمحور حول شخصيةٍ واحدة بشكلٍ كامل ، ما ان انتصف الفيلم حتى كنت على يقين من أنني سأضع هذا الفيلم على قائمتي لأفضل أفلام العام ، لا شك عندي في ذلك .

يواكيم ترير – المخرج النروجي الشاب الذي تربطه صلة قرابةٍ بعيدة بالدانماركي لارس فون ترير – كتب نص هذا الفيلم بالمشاركة مع إيزكيل فوغت اقتباساً عن روايةٍ لبيير درو لاروشيل بعنوان Le Feu Follet كانت قد ألهمت لوي مال رائعته السينمائية الشهيرة التي حملت الإسم ذاته عام 1983 ، هذا العمل يتقاطع مع عمل لوي مال في القيمة الفنية فقط و يبدو بعيداً جداً عنه على مستوى تفاصيل الحبكة التي استلهمها المخرجان كل بطريقته .

افتتاحية هذا الفيلم سحرتني ، تعرفون بالطبع عقدة (ابن البلد) ، الطريقة التي يتكلم بها المرء عن مدينته الأم مهما صغر شأنها ، كيف يشعر بأنه (ابن البلد) ، مهما كانت حميمية المكان غير مرئيةٍ للغريب ، يحدث هذا لأننا نراها بعين التاريخ و السنوات التي عايشناها فيها ، و المثير للدهشة دوماً أننا نتكلم بذات الطريقة ، بصيغة الماضي و كأن المكان كان أجمل في الماضي (الذي كان حاضراً ممقوتاً حينها !) ، في الواقع نحن عندما نفعل ذلك نستذكر علاقة براءتنا و بساطتنا بمدننا ، و هذا ما يفعله النص تماماً في مشهده الافتتاحي ، أوسلو التي تلتقط فيها الكاميرا تطورها على مدى السنوات القليلة الماضية و نستمع أثناءها لحديث أبنائها عنها هي في الواقع مدينة جامدةٌ بالنسبة للمشاهد ، لم تتغير كثيراً كما سيراها أندرش لاحقاً ، في الواقع أندرش هو من يتغير ، النص يفتتح بذكاء منفذه نحو العلاقة التي تربط شخصيته الرئيسية بمدينته التي يحمل الفيلم اسمها ، ذاكرة ابن البلد تجاه مدينته الأم التي اجبر على مغادرتها لبضع الوقت قبل أن يعود ليتلمس جفاءاً لم يعهده منها .

سرعان ما ينقلنا النص من صوت الراوي الذي يتقمص دور (ابن البلد) إلى التعرف على بطلنا ، آندرش يقوم بمحاولةٍ فاشلةٍ بالإنتحار قد لا يكون من التجاوز القول بأنه ربما قام بها أكثر من مرة ، آندرش يتراجع في اللحظات الأخيرة عن اغراق نفسه ، ربما هذا كافٍ إلى حدٍ بعيد لمعرفة أي نوعٍ من الشخصيات سنشاهد ، ما يهمنا هنا هو أن قرار التراجع هذا قد يعني أن الرجل قرر أن يمنح لنفسه فرصةً ثانية ، سرعان ما نعلم أن الرجل منح يوماً واحداً للذهاب لمدينته - بعد عشرة أشهر متصلة قضاها في مركز التأهيل - للحصول على فرصة اجراء مقابلةٍ لشغل وظيفة محررٍ في مجلةٍ أدبية ، هذه المقابلة - المقدّمة في واحدٍ من افضل مشاهد الفيلم - لا تسير على ما يرام لأن آندرش يضطر للإعتراف بحقيقة الفجوة الزمنية التي تفتقدها مسيرته المهنية ، يعترف أنه قضى عشرة أشهرٍ في مصحٍ للتعافي من الإدمان ، لا ينتظر حتى رد رئيس التحرير على ذلك الإعتراف ، ينفعل و يغادر المقابلة ، تبدو الصورة شبه واضحةٍ لنا ، مشكلة آندرش لا تكمن في الجفاء الذي يظهره المجتمع لأمثاله ، بل في رغبته الذاتية أن يتعافى نفسياً قبل أن يتعافى جسدياً ، رغبته في أن يتابع حياته أو يبدأ واحدةً أخرى لا فرق ، و لا يصعب علينا في لقاء آندرش بصديقه توماس في المنتزه أن ندرك أن تلك الرغبة غير موجودة أو غير حقيقية لدى آندرش ، في لقاءه بتوماس نرى آندرش يعترف لتوماس بأن هواجس الانتحار تراوده منذ زمن ، و أن الاقدام عليه في أي وقت يبقى خياراً مهماً و قابلاً للتنفيذ ، في هذا المشهد ربما تكتمل الصورة ، و بالرغم من الحياة المستقرة التي تحدث عنها توماس لآندرش في منزله و البداية الجديدة التي بدأها ، إلا أن آندرش يتعامى عن رؤية هذا ، نجده مصراً على تلمّس كل النقاط السلبية في حياة توماس الجديدة ، يغريه على الحديث عن ذلك ، لا يرى حياته الجديدة كمحاضرٍ أكاديمي أو كزوجٍ أو كأب ، بل يرى فيها ملله ، و روتينه ، و عجزه عن ايجاد بهجةٍ حقيقيةٍ مكتملة في الحياة التي يعيشها ، تبدو هذه الحقائق و كأنما ترضي آندرش ، هو يحتاج فقط لقليلٍ من التحريض و الدوافع ليقتنع تماماً أن الخارج هناك في أوسلو لم يعد كما كان ، و أن الأمل ببدايةٍ جديدةٍ في مدينته الأم يبدو حلماً افلاطونياً بعد كل ما جرى ، مشكلة آندرش ذاتية قبل أن تكون في العالم الخارجي ، لكنه يبدو مستمتعاً بالإقتناع بالعكس حتى النهاية .

ذلك التحريض يبدأ في الواقع في منزل توماس عندما يتحدث آندرش أن والديه اضطرا لبيع منزل العائلة لسداد ديونه و دفع تكاليف علاجه ، و لـ (منزل العائلة) حميميةٌ و شجنٌ لا يقل في شيء عن ذلك الذي تحمله (المدينة الأم) في نفوسنا ، لذلك هو يشعر بالإحتقار الشديد تجاه نفسه بسبب كونه وراء ذلك ، التحريض يستمر عندما ترفض شقيقته مقابلته و ترسل من ينوب عنها ، تأتيه طعنةٌ من قريب ، تبدو هذه النقطة محوريةً جداً بالنسبة له ، و لا تلبث أن تزداد الفجوة بين ماضيه و حاضره بتجاهل حبيبته السابقة آيسلين لمكالماته ، تصبح الفجوة أكبر من أن يتمكن أندرش من القفز عليها و المرور نحو حياةٍ جديدة ، يشعر – كما نشعر نحن لوهلة – بأن فشله في المقابلة سببه ماضيه ، فشله في رؤية شقيقته سببه ماضيه ، فشله في تقبل أوسلو سببه ماضيه ، لكننا نتأكد عندما نمعن النظر أن الردة موجودةٌ أساساً في آندرش الذي يفتتح الفيلم بمحاولة انتحار ، و لا يلبث أن يبوح برغبته تلك لصديقه المقرب ، هو يرتدي النظارات السوداء منذ البداية ، هو يشعر بردةٍ حتى عند العودة لممارسة الأشياء التي أدمنها بجنون ستة أعوامٍ مضت : أن يذهب إلى الحانة أو يشارك في حفلة ، أو يسهر مع رفاقٍ لا يعرفهم و يحتسي الكثير من الشراب ، أو حتى الذهاب لشراء جرعة مخدرات ، حتى احساسه بهذه الأمور ولى إلى غير رجعة ، يفقد الرجل تواصله مع الآخرين بالرغم من أنهم لا يعيشون حياةً مختلفةً عن تلك التي كان يتوقعها ، كسره ذاتي جداً ، أفلام على هذه الشاكلة ، مثل Rachel Getting Married ، تقول أن شخصياتٍ عانت بمثل هذه الصورة و بقيت صورة ماضيها ماثلةً أمامها تستحق دائماً أن تمنح فرصةً ثانية ، لكن أندرش لا يرى أساساً بأنه يستحق شيئاً كهذا ، و لا يرى أنه مهيأ أصلاً للتأقلم مع ذلك .

مشكلة النص الوحيدة برأيي تأتي بشكلٍ متأخر عندما يلتقي آندرش بشابةٍ حسناء تدعى ريبيكا ، يعطينا النص بعض الأمل بعد سلسلةٍ من احباطات آندرش فيقضي معها ليلةً صاخبة ، و يأخذها في الصباح الباكر جداً إلى (بقعة الصدى) ، ثم يقضيان وقتاً ممتعاً في المسبح ، قبل أن يبتر ذلك بصورةٍ غير مفسرة ليشعل في بطله مجدداً الرغبة في الانتحار ، الرغبة التي تأتي في أكثر المفاصل التي نشعر فيها باستعادته احساسه بالمحيط الذي حوله ، جزئية لم تصلني و لم أستوعب المغزى منها .

في عمق عمله الإخراجي يهتم يواكيم ترير كثيراً بما نشعر به أكثر مما يقال لنا صراحةً ، ينجح بقوة في بدايات العمل في كسب اهتمامنا و جعلنا نتعاطف ، ينجح في جعلنا نرغب برؤية آندرش يشق طريقه و ينجح ، لكنه مع تقدم النص يكثف جهده على جعلنا نشعر – قبل حدوث شيء – بأن المشكلة أعقد مما تبدو عليه ، نلحظ هذا في طريقة التقاطه لتفاصيل أوسلو التي يرى آندرش بأنها تغيرت ، و في طريقة عزله لآندرش في المطعم و تركنا نستمع لتلك الأحاديث التي تدور من حوله ، تشعر قبل أن تتطور الأحداث بأنك فعلاً أمام شخصٍ غريبٍ لم يعد العالم المحيط به يناسبه ، يصنع يواكيم ترير فجوةً بصريةً واضحةً تجاه المكان ، عندما تغيب أو تسافر لفترة ثم تعود لمدينتك الأثيرة ، أنت تعود بشوق ، هذا لا يحدث مع آندرش حتى على مستوى الصورة ، أوسلو تبدو كعادتها بالنسبة للمشاهد و علاقة الكاميرا بها جميلةٌ جداً ، شوارعها و مبانيها و حدائقها و مطاعمها ، يبقى أذكى ما فعله يواكيم ترير بين كل هذا أنه لا يضفي الاكتئاب على الصورة ، يجعلنا على الدوام نشعر بالتفاؤل و بأن هناك أمل ، يكفي أن تشاهد كيف تطل أوسلو على آندرش للمرة الأولى بعد عشرة أشهر أثناء خروج السيارة من النفق ، يواكيم ترير يعمل بجد على الجانب البصري لأوسلو خصوصاً من خلال عمله الممتاز على الكاميرا المحمولة ، و يجعلنا نرى أوسلو جميلةً و قادرةً على منح فرصةٍ أخرى لآندرش ، يكثف بصرياً احساسنا بأن المشكلة و الحل موجودان لدى آندرش ، لكنه يعمل بالمقابل على تبيان رد الفعل بصرياً ، أوسلو ليست كذلك لدى آندرش ، يواكيم ترير يعزل بطله بصرياً عن أوسلو فيبدو غريباً فيها خصوصاً أثناء جولاته فيها في النصف الثاني من الفيلم، بعيداً عن أي تواصلٌ حقيقي بين شخصٍ ما و مدينته الأم ، الفيلم صادقٌ جداً و حقيقي على هذا الصعيد ، يلامسنا في الكثير من جوانبنا و ليس من الضروري أن تكون مدمناً سابقاً كي تشعر بقيمته ، يكفي أن تكون انساناً مر بتلك المرحلة المعينة من حياته عندما شعر بأن كل شيءٍ قد انتهى لسبب ما ، و أن حياته غدت بلا معنى بسبب ذلك ، و أن امكانية الاستمرارية بعد ذلك الحدث هي ضربٌ من الخيال ، فيلمٌ عن تلك المقولة التي تحلو لنا ( لا أستطيع تخيّل الحياة اذا ما حدث كذا ) ، و يحدث !!

ثم يأتي التجلي الحقيقي لعمل يواكيم ترير في ادارة آندرش دانييلسن لاي في الدور الرئيسي ، لاي طبيعيٌ جداً ، نافذٌ في العمق ، و حذرٌ جداً في خلق التوازن المنطقي بين الرغبة في تقبل المجتمع مجدداً ، و عذابات الماضي ، و الهواجس الاستباقية بإنهاء كل هذا ، يحمل الفيلم بالفعل على كتفيه ، أجمل ما في أداءه أن لاي يكون واعياً تماماً لحقيقة أن الإحباط لدى آندرش له منشأ ، لذلك هو يتعامل مع الشخصية وفقاً لذلك ، و بالتالي لا نرى شخصيةً محبطةً بدون مبرر ، نراها مشرقةً دوماً - بالرغم من كل مخاوفها - حتى يثبت العكس ، و ما يحصل لها من تداعياتٍ في ذلك اليوم هو يحبطها أو يزيد من احباطها ، و يواكيم ترير الذي يدير هنا واحداً من أكثر أداءات المدمنين السابقين صدقاً ينقلنا مع بطله إلى مكان الأشخاص المحيطين به ، فنتعاطف معه لكن مع يقيننا بأننا غير قادرون على فعل أي شيءٍ تجاهه أو مساعدته ، وحده هو من يستطيع مساعدة نفسه ، هذا الشعور يصلك بحذافيره ، و عندما تتأمل كيف يصر يواكيم ترير على تقليدية السرد ، و تجنب اللعب على أي وترٍ عاطفي و انما تقديم مادةٍ خام عاطفياً و ترك المشاهد لتقديرها و التفاعل معها و تقبلها ، عندما تتأمل كيف يقدم شخصيته اليائسة و التي تفقد الأمل تماماً قرب الختام ، و عندما تتأمل اصراره على التعامل مع ممثلين غير محترفين ستشم رائحة الفرنسي العظيم روبير بريسون و التأثر الواضح ليواكيم ترير بفن بريسون ، حقيقةً لم أستطع منع نفسي من الشعور بذلك !!

فيلم Oslo, August 31st لوحةٌ سينمائية عن البداية الجديدة و عن كوننا نحن فقط من يقرر الحصول عليها أو التخلي عنها ، قصةٌ مدروسة عن رجلٍ منبعث ، بكل سيءٍ في ماضيه ، و كل مقلقٍ في حاضره ، و كل غامضٍ في مستقبله ، يعيش يوماً واحداً في مدينته الأم ، فيلمٌ عظيم عن الرجل الذي لم يستطع لملمة روحه و استعادة حياته ، و غرق في التساؤل عن نوعية الحياة التي تنتظره في الخارج ، و هل هو يستحقها أم لا ؟ .. صفّقت ؟! نعم صفّقت عند انتهاءه .

التقييم من 10 : 9