الخميس، 27 ديسمبر، 2012

Holy Motors

كتب : عماد العذري

بطولة : ديني لافان ، إديث سكوب
إخراج : ليوس كاراكس

أعتقد أنه كان عاماً صعباً على جمهور مهرجان كان السينمائي الدولي الذي اضطر لمشاهدة فيلمين هذا العام ضمن مسابقته الرسمية تدور الحبكة المحور لهما ضمن ليموزين فخمة ، و على خلاف ردة الفعل الباردة التي حدثت هناك تجاه فيلم الكندي الكبير ديفيد كرونينبيرغ Cosmopolis حظي فيلم ليوس كاراكس Holy Motors بإستقبال كبير و حفاوةٍ ملفتة ، و كان على بعد بضعة أمتارٍ من خطف السعفة الذهبية أو جائزة لجنة التحكيم الكبرى على أسوأ تقدير .

صحيح أن هذا الأمر لم يحدث ربما بتأثير التصريحات التي فتح بها ليوس كاراكس النار على بعض منتقديه في فترة اقامة المهرجان الامر الذي دفع لجنة ناني موريتي لزحزحة جائزة لجنة التحكيم الكبرى – و بصورةٍ مفاجئة قياساً لإستقبال الفيلمين – إلى فيلم الإيطالي ماتيو غاروني
Reality ، مهما كان ما جرى كنت سعيداً جداً أن اتيحت لي الفرصة لمشاهدة هذا الفيلم تحديداً خلال الفترة التي كنت أحاول فيها حصر قائمتي الشخصية لأعظم 100 فيلمٍ فرنسيٍ عبر العصور و هي إحدى مشاريعي الكتابية التي أطمح أن تبصر النور في المدونة ذات يوم ، حالة شجنٍ رهيبة عشتها و أنا أحاول رسم ملامح القائمة ، ثم شاهدت فيلماً أخرجه ليوس كاراكس جعلني ابتسم في أكثر من موضع .

محركات كاراكس المقدسة تحكي قصة رجلٍ يدعى السيد أوسكار خلال يومٍ واحدٍ من حياته التي لا نعرف عنها الكثير إن لم نقل أننا لا نعرف عنها شيئاً إطلاقاً ، يغادر السيد أوسكار منزله صباحاً مودعاً عائلته و يستقل سيارة ليموزين بيضاء فخمة تقودها مرافقته الدائمة السيدة سيلين ، يلقي نظرةً خاطفةً على ( المواعيد ) التسعة التي تنتظره هذا اليوم و سرعان ما تظهر لنا موهبته الواضحة في وضع الماكياج و تغيير الأزياء التي يرتديها ، مواعيد أوسكار هي عبارةٌ عن شخصياتٍ يقوم بها الرجل في أماكن مختلفةٍ من باريس وفقاً لنسقٍ و خطةٍ مسبقة ، لكن هل هذا فعلاً ما هي عليه ؟!!

ليوس كاراكس في عمله السينمائي الخامس و الاول له منذ ثلاثة عشر عاماً يقودنا في رحلةٍ سرياليةٍ غامضة رفقة بطله أوسكار أثناء تأديته ما يفترض ان يكون عمله اليومي ، يفتتح النص برجلٍ ( يُتقصّد أن يؤديه ليوس كاراكس نفسه ) يستيقظ في منزله ليفتح باباً خفياً في أحد الجدران بواسطة مفتاحٍ من اصبعه الوسطى ليطل على جمهور في صالة سينما يتابعون باهتمام كلاسيكية كينغ فيدور The Crowd ، هذه الإفتتاحية مهمة للغاية ، هي اطلالة ليوس كاراكس على الجمهور من خلال هذا العمل ، هو يفتح باباً سرياً ليطل علينا ، إفتتاحية تعكس النظرة المبهمة للعمل ككل حول الخطوط المتلاشية بين السينما و الواقع اليوم ، و ربما لا يوجد ما هو أفضل من السريالية لمحاولة رسم ذلك ، ينتقل النص بسرعة إلى منزلٍ غريب التصميم لن تراوغ معه المنزل الأبيض الشهير Villa Arpel في كلاسيكية جاك تاتي المتوجة بالأوسكار Mon Onlce ، هنا بالذات شعرت بأن الرجل أبعد بكثير من مجرد شخصٍ يقدم بعض التحايا هنا و هناك لبعض كلاسيكيات السينما ، هذا يحدث كثيراً ، لكن ليوس كاراكس يبدو ابعد من ذلك في فيلمه هذا ، هذا المنزل الذي يقطنه السيد أوسكار – كما يبدو – لن نعود لنراه مجدداً ، نحن نرحل مباشرةً مع ليموزين السيد أوسكار و السيارة المرافقة في رحلةٍ عوليسيةٍ تضاهي رحلة كرونينبيرغ في Cosmopolis حيث العالم بأكمله يختزل في تلك السيارة ، و بالرغم من أنني شاهدت شيئاً مختلفاً منذ اللحظات الأولى في الفيلم إلا أنني سرعان ما وجدت بأن النص تقليدي جداً على مستوى السرد و خطي على مستوى سير الأحداث ، نتسلسل في مواعيد السيد أوسكار التسعة واحداً تلو الآخر ، من السهل تلمس فكرة أن تلك المواعيد التي يقوم السيد أوسكار بتأديتها هي انعكاس للعملية الإبداعية للممثل السينمائي و تنقله ضمن شخصياتٍ مختلفة و تركيباتٍ شكليةٍ مختلفة و مضامين نفسيةٍ مختلفة ، ننتقل معه في تسعة أدوار تتضمن ميلودراما عن امرأةٍ متسولة ، و إثارةً على طريقة الـ Motion-Capture ، و نسخةً باريسيةً للجميلة و الوحش ، و دراما عائلية ، و فيلماً موسيقياً ، و آخر رومانسياً بالإضافة لأفلام الجريمة ، يبدو السيد أوسكار فناناً حقيقياً في كل ما يقوم به ، تؤرقه العملية الإبداعية و نرى أن المسألة تتجاوز قيامه بعمله ، نلحظ تأثره الواضح أثناء جلوسه في الليموزين عقب كل دورٍ يقوم به ، يزوره ما يفترض أن يكون المنتج أو المسيّر أو اليد العليا في كل شيء ( يؤديه العملاق ميشيل بيكولي ) يخبره بأن عمله مؤخراً لا يروق له ، يرى السيد أوسكار أن التطور الحادث في العملية و الكاميرات بالغة الصغر هي السبب في ذلك ، بدأ يفقد الإحساس بوجودها في مسرح الحدث ، أصبح يفقد تفاعله معها ، فقد شعوره كممثل ، هذا المشهد مهم ، انعكاسٌ صريحٌ و مباشر و غير معتاد سيريالياً على الصورة العامة للفيلم و ما يطرحه ، يبدو من هذا المنظور و كأنما هو نظرةٌ رثائية للسينما أو هجائيةٌ مبطّنةٌ لتطورها ( و أتذكر جيداً ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي الدولي عندما تحدث ليوس كاراكس مطولاً عن فكرة أن هذا العمل هو أول عملٍ يصوره رقمياً ، كان – على خلاف معظم صناع السينما اليوم - مستاءاً من ذلك لكنه اضطر للقيام به لأسبابٍ تسويقية ) ، و على الرغم من أن النص لا يفسر و هذا جزء من سحره ، إلا أن إحساسي بنبرته الرثائية كان قوياً خصوصاً في المشهد الأخير للسيارات الناطقة التي ترى أن فترة التقاعد قد اقتربت ، هل هو مرثيةٌ لحال السينما أو للطريق الذي تسير عليه أو حتى للأصناف السينمائية ذاتها ، هذا وارد ، هل هو هجائية للتطور التقني الذي وصلته و الذي أفقدها بعضاً من قيمته الفنية و الثقافية لصالح قيمتها كصنعة أو كتسويق ، هذا واردٌ أيضاً ، و النص يدرك جيداً أن مشاهده سيلتقط هذا بسهولة ، لذلك هو لا يحاول أن يحمله أكثر مما تحتمل النظرة السريالية للفكرة .

برأيي الشخصي الفيلم يذهب أبعد و أعمق من ذلك ، بعد نصف ساعةٍ من العرض نشاهد شخصية ( ميرد ) المتشرّد ذو الشعر الأحمر و العين المبيضّة التي أداها ديني لافان في الجزء الذي أخرجه ليوس كاراكس من فيلم Tokyo ! مع المخرج الفرنسي ميشيل غوندري و الكوري جون هو بونغ قبل أربعة أعوام ، ميرد يعود هذا المرة لينشر الهلع بذات الطريقة و لكن في باريس و ليس في طوكيو ، عندما نشاهد جولته الخاطفة في احدى مقابر باريس ، تلتقط عين الكاميرا بعضاً من شواهد القبور كتب عليها أسفل اسم المتوفى Visit My Website ، هذا مشهدٌ مهمٌ للغاية ، هنا يضعنا ليوس كاراكس على منفذٍ آخر لهذا الفيلم ، العالم الإفتراضي الذي صنعته لنا السينما ، في الواقع ما يجذبنا للسينما هو العالم الإفتراضي الذي تصنعه ، تكثيفها للصور الحياتية التي عايشناها أو عايشها الآخرون و تقديم ذلك بالشكل الإختزالي على الشاشة الكبيرة ، ليوس كاراكس يرى أن قيمة السينما تضمحل لأن ذلك العالم الإفتراضي الذي ولّدته فينا اضمحل ، يرى أن حياتنا برمّتها تحوّلت إلى العالم الإفتراضي الذي كنا ننشده فيها ، أصبحنا سينما مفتوحةً بحق ، نمط العلاقات و الشخصيات التي نرتديها كل يوم ، نحن ممثلون ناجحون جداً يقومون بأكثر من دورٍ في اليوم الواحد ، يرى أن السينما فقدت جاذبيتها لأننا صرنا افتراضيين – كحال شواهد قبورنا أيضاً – أكثر من العالم الإفتراضي الذي تقدمه ، لذلك يفقد السيد أوسكار متعته في التمثيل ، يقول (الكاميرات صارت بالغة الصغر) ، و الكاميرات هنا هي الحاجز الفاصل بين واقعنا و عالمنا الإفتراضي ، و بوجودها يشعر بأنه يمثل ، هو يفقد هذا الشعور هنا ، و عندما يخبره المنتج بأن جمال الأداء في عين المشاهد هو دافع الإستمرارية تبدو العبارة مزدوجة المعنى ، قد يكون أدائنا نحن على مسرح الحياة و أمام عالمنا الخاص من الشخوص هو ما يدفعنا للإستمرارية ، من هذه النقطة أرى قيمة الفيلم مزدوجة : مرثيةً للسينما من خلال حياتنا أو مرثيةً لحياتنا من خلال السينما ، النص يلغي الحدود أو على الأقل يجعلها غير ذات معنى ، هو يتناول بطرحه المزدوج اضمحلال العمل الفني في السينما أو اضمحلال هويتنا في حياتنا الحقيقية ، و مقدار التقلبات ذاتها التي تضرب مهنة السيد أوسكار كممثل أو حياته الحقيقية كإنسان ، كم الأقنعة التي نحن قادرين على ارتدائها كل يوم في حياتنا الطبيعية ، لا تعرف على وجه الدقة لمن يعمل السيد أوسكار ، لمن يؤدي و كيف يعيش ، هل حياته هي عمله أم عمله هو حياته ، الفيلم لا يفسر على هذا الصعيد و هذا جزء من قيمته ، يجعل القصة مفتوحةً من طرفيها ، و بالرغم من جنون الأعمال السريالية إلا أن المشاهد يشعر في البداية بفصلٍ واضحٍ بين حياة السيد أوسكار الشخصية و مواعيده ، لكنه سرعان ما يدرك أن الأمر ليس سهلاً على ذلك النحو الذي يبدو عليه في البداية ، حتى الإفتتاحية التي نشاهدها للسيد أوسكار يغادر منزله قد تبدو أيضاً موعداً سابقاً لرجل أعمالٍ قضى ليلةً مع عائلته ، بدليل أن السيد أوسكار يعود لمنزلٍ مختلفٍ يعيش فيه مع عائلة من القرود في نهاية اليوم التالي علاوةً طبعاً على سيارة الحراسة التي ترافقه أثناء خروجه من المشهد الإفتتاحي و تختفي بمجرد نزوله للقيام بموعده الأول ذلك اليوم ، هل كان رجل الأعمال ذو الحراسة مجرد موعدٍ أيضاً ؟ ، هذا وارد جداً ، بمجرد أن تتوالى المواعيد تدرك تلاعب ليوس كاراكس بمشاهده حول الحقيقي و غير الحقيقي فيما يجري ، و عندما يكون للسيد أوسكار تسعة مواعيد فقط في هذا اليوم فأي صورةٍ تمثّل الحياة الحقيقية له خارج تلك المواعيد : هل هو المنزل ذو العائلة أم منزل القرود ؟! في الواقع النص لا يجيب ، ليس هنا فحسب بل في أكثر من موضع يصر على جعلك تشعر بتلاشي الحواجز بين ما هو حقيقي و أدائي ، و عندما تطل علينا جين ( تؤديها بإمتياز مطربة البوب الأسترالية كيلي مينوغ مع قصة شعرٍ تحيي جين سيبرغ في Breathless ) نشعر بهذا التلاشي صارخاً جداً ، لوهلة نشعر بأن جين هي شخصيةٌ حقيقيةٌ تؤدي نفس عمل السيد أوسكار ، هي تستقل ليموزيناً أبيض اللون بسائق يتكلّم الإنجليزية دلالةً على كونها قادمةً من بلدٍ آخر ، يتعزز هذا الشعور مع حديث جين عن شخصية إيفا غريس التي ارتدت شعرها من أجل أن تؤدي دورها كمضيفة طيران تقع في حب أحدهم ( في إشارةٍ مباشرة لفيلم فرانسوا تروفو La Peau Douc ) أو حديث أوسكار عن شعره الأبيض الخاص بموعده المقبل ، لكننا لا نستطيع أن نراوغ فكرة أن يكون هذا أحد مواعيد أوسكار أيضاً حتى و ان بدى أنه جاء بالصدفة ، و عندما تسأله ( ألديك نصف ساعة ؟ ) لا نجد أي مانعٍ في اعتبار أن يكون ذلك اشارةً لدورٍ خاطفٍ أو لضيف شرف ، النص يقف بين الخطين ، يشعرنا من خلال إيفا غريس بأن جين و أوسكار هما حبيبان سابقان ربما عملا معاً في الماضي و لديهما الآن وقتٌ مستقطعٌ لإستذكار ذلك الماضي ، أو ربما لأغنيةٍ جميلة مثل Who Were We ? ، لكن ذلك سرعان ما يشوّش عندما نشاهد جين تنتحر في شعر إيفا غريس ، بمعنى أنها تنتحر خارج الدور الذي كانت تؤديه مع أوسكار منذ قليل ، النص يمارس هوايته بالتلاعب بالمشاهد و يستلذ بذلك و لا يحاول أن يفسر له شيئاً حتى عندما ينتهي الفيلم ، و مع أن ذلك جزء من قيمة العمل ككل الذي يذهب بعيداً في تحري الحدود التي تلاشت بين العالم الإفتراضي الذي لطالما قدمته لنا السينما و العالم المغرق في الإفتراضية الذي صرنا نعيشه اليوم ، إلا أنني لا أستطيع اخفاء شعوري بالمقت للأفلام التي تذهب بغموضها إلى ما بعد النهاية على اعتبار أن ذلك يمنحها قيمة و طاقةً وهميةً عجيبةً لدى المشاهد الذي يرى المسألة وفقاً لمنظوره الخاص و يذهب في تفسيرها وفقاً لما يرى ، خصوصاً و أنها تذهب بغموضها إلى المرحلة التي يُحرم فيها مُشاهدها من لذة الفهم الكامل أو حتى العثور على مفاتيح لفهم ما يجري بصورةٍ حقيقية .

محركات ليوس كاراكس المقدسة هي المحركات التي تحرك حياتنا ذاتها ، تجاهد على ابقائها حية و مستمرة و ممتعة في وجه انطماس هويتنا و غرقنا في العالم الإفتراضي البديل الذي صنعناه ، بالمجمل هذا فيلمٌ لعشاق السينما ، سيروقهم ربما مشاهدة كل تلك الإشارات المتناثرة هنا و هناك من أفلامٍ فرنسيةٍ عظيمة مثل Mon Oncle أو Beauty and The Beast أو Breathless أو La Peau Douce ، سيروقهم مشاهدة المجاميع في الأنفاق تحيي رائعة فريتز لانغ Metropolis أو مشاهدة إديث سكوب تحيي – من خلال قناعٍ ترتديه قرب النهاية – دورها الشهير في رائعة جورج فرانجو Eyes without Face ، سيستمتعون بالحركة البديعة لكاميرا ليوس كاراكس ( شاهد مثالاً براقاً على ذلك في مشهد لقاء أوسكار و جين ) ، و سيستمتعون أكثر بمشاهدة ممثلٍ مثل ديني لافان يؤدي 11 شخصيةً في فيلمٍ واحد ، الفيلم بهجةٌ سينمائيةٌ حقيقية ، عندما ابتسمت لمشاهدته أثناء اعدادي لقائمتي حول أعظم الأفلام الفرنسية عبر العصور لم يكن فحسب لأنه وجه تحيةً مهمة لمجموعةٍ منها ، بل لأنه من الممكن أيضاً أن يكون واحداً منها .

التقييم من 10 : 9