الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

The Nightmare Before Christmas

كتب : عماد العذري

بأصوات : كريس ساراندون ، كاثرين أوهارا ، داني إلفمان
إخراج : هنري سيليك

الميزة الرئيسية للأفلام الخالدة برأيي لا يكمن في قيمتها الفنية المجردة ، بل في قدرتها على الحفاظ على تلك القيمة متجددةً و حيويةً بمرور الزمن ، و لو افترضنا بأن الجزء الأكبر من القيمة الفنية تنبع في الأساس من مقدار ما يمكن أن يضعه العمل ضمن قالب الصنف الذي يقدمه ، فإن أفلام الخيال العلمي و الفانتازيا و الأفلام الرسومية تبقى أكثر الأفلام قابليةً للتبديد بالنظر لمقدار الأثر الذي تحدثه السينما – كصناعة – في تطور هذه النوعية من الأعمال ، الأمر الذي من الصعب معه أن تبقى براقةً و مؤثرة بمرور الزمن ، من أجل ذلك يقدر الناس 2001: A Space Odyssey ، و من أجل ذلك يعشقون The Nightmare Before Christmas .

بنظرة أقرب ، تبقى أفلام الـ Stop-Motion برأيي و رأي الكثيرين العملية الرسومية الإبداعية الأكثر تعقيداً ، ليس بسبب الصعوبات الكبيرة التي تتضمنها عملية انتاجها و التفاصيل بالغة الدقة الواجب مراعاتها ، بل ربما لأنها الأقرب إلى النفس بين سائر الأعمال الرسومية ، ذلك الرابط الخفي المزروع من طفولتنا بين بهجة القصص التي تروى علينا ، و الدمى التي روينا من خلالها تلك القصص التي سمعناها ، يبدو رابطنا مع الـ Stop-Motion أكثر وثاقة من رابطنا مع الرسوم المتحركة ، هذه الأهمية و الخصوصية هي ما تجعل هذه النوعية من الأعمال صعبة المنال و لكن في الوقت ذاته بالغة التأثير و النفاذ ، و بالرغم من قلتها إلا أن ذاكرتنا تلتقط بوضوح أسماء Wallace and Gromit و Chicken Run و Mary and Max و Coraline بمجرد مرورنا بها ، إنتاجات على قلتها إلا أنها علقت بنا بطريقةٍ لا نستطيع نكرانها .

في رائعة تيم بيرتن هذه التي رسم ملامحها إستلهاماً من قصيدةٍ كتبها أثناء عمله المتواضع في ستديوهات ديزني في بداية مشواره يحكي علينا الرجل حكايةً من زمنٍ كان فيه لكل عيدٍ من الاعياد بلدته الخاصة ، نزور بلدة عيد القديسين أو الهالوين بعد يومٍ من انتهاء الحدث الذي تعيش من أجله ، حيث أهم رجالها جاك سكلينغتون الشهير بسيد القرع قاد أبناء البلدة لنشر الرعب و الهلع الذي يميز طقوس عيد الهالويين ، بعد المناسبة يشعر جاك بفراغٍ كبيرٍ في حياته ، نوعٌ من الروتين و التكرار الذي اعتاده مع كل عيد ، لا يستطيع ربما أن يتلمس العواطف التي تحملها له فتاةٌ مصنّعةٌ تدعى سالي تعيش على الإزدراء و العبودية التي صنعها من أجلها مخترعها الدكتور فنكلشتاين ، ذات يومٍ في جولاته الملولة يخطيء جاك الطريق ليجد نفسه في بلدة عيد الميلاد ، حيث بدأ الناس استعداداتهم للمناسبة ، يبهر جاك بالمظاهر الفاتنة ، و تروق له شخصية السانتا كلوز التي تنتقل من منزلٍ لآخر من أجل رسم البهجة على وجوه الصغار ، يعود جاك لبلدته ليعبر عن انبهاره بما جرى و يفكر في صناعة مناسبةٍ مختلفةٍ هذه المرة ، فيختطف السانتا كلوز و يتكفل بطريقته الخاصة بصناعة عيد الميلاد الخاص هذا العام .

يفتتح هذا الفيلم بواحدة من أخلد الأغنيات في تاريخ السينما ، This is Halloween ، التي تحوّلت إلى ما يشبه الأيقونة الخاصة و النشيد القومي لعيد الهالوين و أعاد مارلين مانسون غنائها بمناسبة إطلاق النسخة ثلاثية الأبعاد من الفيلم العام الماضي ، هذه الأغنية كفيلةٌ بمفردها بوضع المشاهد في جو الفيلم منذ اللحظة الأولى و دون الحاجة لأي مقدمات ، نحن في بلدة الهالويين ، حيث كل عقد الخوف التي يعيشها الصغار متجسدةٌ هنا ، القرع ، و الرجل المختبىء أسفل الدرج أو ذلك القابع تحت السرير ، و الفزاعة و غيرها الكثير ، تجد نفسك مباشرةً مغموراً ضمن بيئة جاك و دون الحاجة لتمهيدٍ مطول ، البيئة التي نجد أنفسنا فيها ليست جذابة بالمرة ، فيها كل ما يمكن للإنسان ان يخاف منه ، و لا عجب فهي بيئة العيد الذي خصص لهذا الشيء ، جاك يستمتع بعمله ، يبدو الرجل الذي لا يجارى في هذه المهنة كما يظهر لنا من التبجيل الذي تقدمه له البلدة في الأغنية الإفتتاحية ، لكن هذا الإستمتاع يبدو حالةً مؤقتة يشعر بها جاك أثناء مهمته السنوية ، و بعيداً عنها لا يجد أي متعة ، لا يجد من يتقبله أو يستوعب أفكاره ، لذلك تبدو صورة عيد الميلاد براقة جداً بالنسبة له ، تبهره و تغريه و تدفعه لتبنيها و محاولة تطبيقها ، نوايا جاك حسنة ، يبدو هنا نسخةً معتادةً من شخصيات تيم بيرتن المعروفة ، المؤطرة اجتماعياً ، و الغنية بأفكارها و الذكية في رؤاها ، لكنها موضوعةٌ ضمن قالبٍ إجتماعي محدود ناجمٍ عن عدم تلاؤم نظرة محيطها مع ما هي عليه في الواقع ، مزيج من Edward في Edward Scissorhands و Charlie في Charlie and The Chocolate Factory ، و Victor في Corpse Bride .

بالمقابل تبدو شخصية سالي بطيبتها و إنكسارها صورةً لطيفةً لوحش فرانكنشتاين الواقع أسير الرغبة الإستحواذية لدى صانعه في التقليل من قيمته و إبقاءه في حياة السخرة و الأسر بالرغم من كم الذكاء و الحس الذي تمتلكه ، و بين سالي و جاك يقدم النص نوعاً من العاطفة المنسلة التي لا تنفجر على الشاشة و لا تظهر حتى بملامح كاملة لكنك من الصعب أن تتجاهلها أو تنكرها ، تبقى مشكلة شخصية جاك هنا أن عواطفها ليست واضحة ، النص من خلال شخصية جاك يفتقر قليلاً لعاطفةٍ تبدو في المتناول ، الأمر الذي يخلق فجوةً صريحة بيننا و بين فهم كافة أركان الشخصية ، فنتوه بين نواياها البريئة و تصرفاتها التي لا تعكس تلك البراءة ، تبدو الشخصية في كثير من الأحيان تجسيداً واضحاً لمن يحاول أن يستكشف شخصيةً بلا عينين !! ، فلا يضع يده تماماً على المعنى الحقيقي لروح الشخصية المختبئة وراء عينين لا وجود لهما ، هذه الفجوة هي ما تجعل جاك أقل قرباً من نفسي بالمقارنة مع فيكتور أو شارلي أو إدوارد في أفلام تيم بيرتن الأخرى بالرغم من قيمته المجردة كشخصية .

في العمق يقدم النص عملاً جميلاً و قيّماً عن الفطرة ، عن عدم القدرة على تغيير الأشياء التي ولدت معنا ، و نشأنا برفقتها ، و استعمرت أفكارنا ، و وجهت تصرفاتنا و أفعالنا ، في الفيلم يحاول جاك أن يتمرد على ما اعتاد أن يفعله ، و يحاول أن يغير من فطرة سكان بلدته التي جبلوا عليها ، لكن العالم الجديد الذي يحاول أخذهم إليه يبقى عالماً غريباً و لا يمثل أي انعكاسٍ لفطرتهم ، لذلك يتعاملون معه بطريقتهم ، و عندما يقررون الإحتفال مع جاك بعيد الميلاد يقدمون للناس أسوأ عيدٍ ميلادٍ في حياتهم ، ليس لأنهم سيئون ، لكن لأنهم لم يجدوا أنفسهم في فعل ذلك ، و عندما يدرك جاك ذلك يوقن أن جمالنا يكمن في قدرتنا على تلمس الجميل في ما فطرنا عليه و ليس في تغييره أو ارتداء ما لم يصنع لنا ، ذلك كفيلٌ بجعلنا ندرك قيمة أنفسنا و غناها بدلاً من ارتداء أقنعة غيرنا التي قد تعود علينا بنتائج كارثية .

فاتنٌ جداً عالم تيم بيرتن هنا ، مئة شخصٍ عملوا على مدى 3 سنواتٍ كاملة لصنع 12 حركةً مصورةً في الثانية لإنتاج فيلمٍ بتقنية الـ Stop-Motion مدته 76 دقيقة ، يصعب تخيل إلى أي مدى كان عليهم أن يهتموا بالتفاصيل كي يقدموا لنا ذلك العالم الساحر الذي أبدعه خيال تيم بيرتن ، الفيلم غني جداً على الصعيد البصري إلى درجة التخمة ، و مقدار التباين البصري الرهيب الذي يصنعه بين عالمي عيد الهالوين و عيد الميلاد مثيرٌ بالفعل ، و النتيجة كانت بدعةً حقيقيةً قياساً لسنة إنتاجه ، هنري سيليك يوظف بطريقةٍ غير معتادة الظلال و الضوء و يستخدمها بكثرة – على خلاف دورها المحدود أساساً في أفلام الـ Stop-Motion – من أجل تجسيد الصورة التي لطالما عشقها تيم بيرتن في الرعب القوطي ، لذلك يبدو المزيج الذي يصنعه من اللون و الضوء و الظلال و مجسمات الدمى شيئاً عظيماً و لا جدال فيه ، و عندما يوضع هذا لترجمة القصة الجميلة التي جاد بها خيال تيم بيرتن ، و العمق الواضح الذي أراد من خلاله تفسير علاقتنا بالفطرة و الغريزة التي جبلنا عليها ، إلى جوار موسيقى داني إلفمان التي لا تمل ، و أغنيتيه العظيمتين This is Halloween و What’s This ? ، تحصل بالنتيجة على نوعٍ من المذاق الذي لا يلفظ من فمك بمجرد إنتهاء مشاهدتك بل يدوم و يدوم لسنواتٍ و سنوات ، ذلك المذاق الذي لا يجعلني أكتفي بالإقرار بأن هذا العمل هو واحدٌ من أكثر أفلام الـ Muppets صعوبةً قياساً للفترة التي ظهر فيها ، بل هو برأيي أعظم أفلام الـ Stop-Motion على الإطلاق .

التقييم من 10 : 9