الأحد، 4 نوفمبر، 2012

The Intouchables

كتب : عماد العذري

بطولة : فرانسوا كلوزيت ، عمر سي
إخراج : أوليفييه نقاش ، إريك توليدانو

بالرغم من كم التحولات التي طرأت على السينما الفرنسية عبر تاريخها ، أسماء المخرجين العظام الذين قدمتهم ، الكلاسيكات الخالدة التي جادت بها ، إلا أنها لم تكن بالرغم من كل ذلك سينما جماهيرية ، صحيح أن أفلامها تحقق نجاحاتٍ مهمةً على الصعيد المحلي أو على الصعيد الفرانكفوني ان صح التعبير ، لكنه من النادر أن فرضت وجودها الجماهيري على مستوى العالم ككل ، و مع ذلك يفلت فيلمٌ ما من هذه القاعدة من حينٍ لآخر ، قبل 11 عاماً تحول Amelie إلى ما يشبه العاصفة الجماهيرية في الولايات المتحدة قبل أن يرشح لخمس جوائز أوسكار ، و أواخر العام الماضي قدمت السينما الفرنسية الفيلم الأنجح على الإطلاق في دنيا الأفلام غير الناطقة بالإنجليزية .

هذا فيلمٌ مبهج ، ستختلف معه أو ستتفق ، سيبقى في ذاكرتك أو سيزول منها ، ستقدره كثيراً أو ستراه مجرد عملٍ جيد ، لكن من الصعب أن تلتف على فكرة أنه فيلمٌ مبهجٌ فعلاً تماماً كما كان Amelie قبل أحد عشر عاماً ، هذه النوعية من الأعمال يحبها الجمهور و يقدرها ، ليس لأنها بسيطة أو قريبة من القلب ، بقدر ما هو الشعور بالإرتياح و التفاؤل الذي تحصل عليه أثناء إنفاقك هاتين الساعتين في مشاهدته ، لذلك لا يبدو من الصعب تقبل حقيقة أن يصبح فيلمٌ كهذا – و بـ 364 مليون دولار - العمل السينمائي الأنجح بين كل الأفلام غير الناطقة بالإنجليزية حول العالم و في جميع الأزمان ، اصبح أقرب إلى الظاهرة في بلده الأم و في البلدان الأوروبية المجاورة ، حقق إيراداتٍ في شباك التذاكر الفرنسي لم يتفوق عليه فيها سوى فيلمٍ فرنسيٍ واحدٍ فقط ، رشح لتسع جوائز سيزار العام الماضي ، و جعل من بهجته الحقيقية ، الممثل عمر سي ، أول فرنسي أسود يفوز بسيزار أفضل ممثل طوال تاريخ الجائزة ، قبل أن تعلنه فرنسا ممثلها الرسمي في سباق الترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي ، و يرشح يوم أمس لجوائز الأوسكار الأوروبي ، قصة سيندريلا حقيقية حققها هذا الفيلم غير المكلف ، غير المبهرج ، و البسيط جداً ، مستخدماً سلاحه الفتاك الوحيد : الكثير و الكثير و الكثير من البهجة .

روح قصة الفيلم بسيط و مكرور و غير مبهر ، فيليب ثريٌ فرنسيٌ مصابٌ بالشلل الرباعي ، يعيش حياته مداراً من قبل ثلاثة أشخاص : سكرتيرة ، و ممرضة ، و مرافق ، و لأن الوظيفة الأخيرة تبدو الأصعب بالنظر لصعوبة شخصية فيليب و صعوبة حالته الصحية أيضاً ، يبدو أنه ما من أحدٍ قادرٍ على تحمل البقاء فيها لأسبوعين كاملين ، المرافق الحالي ترك عمله و فيليب يجري مقابلاتٍ الآن باحثاً عن مرافق ، دريس شابٌ بمشاكل عديدة قادمٍ من عائلة مهاجرة مكافحة يتقدم لهذه الوظيفة بحثاً فقط عن توقيعٍ يفيده في الحصول على الضمان الإجتماعي ، لكن فظاظته و عدم مبالاته بالوظيفة يجعلان فيليب يفضله على غيره ، ربما من باب التغيير ، لكن سرعان ما ينسج الرجلان بينهما صداقةً غريبةً و غير متوقعة بالنظر للتباين الواضح بين الشخصيتين .

كتب مخرجا الفيلم أوليفييه نقاش و إريك توليدانو نص هذا الفيلم الذي ذكرني في بعض تفاصيله بفيلم جوليا روبرتس و ريتشارد غير Pretty Woman ، ينتمي نص الفيلم إلى نوعية النصوص التي يمكن أن نطلق عليه إسم النصوص المريحة ، ذلك النوع الذي يأخذ حبكة تقليديةً يمكن لأي مشاهدٍ عادي أن يتوقع إلى حدٍ بعيد كيف ستمضي ، يحاول أن يمنحها بعض العمق ، و يكثف جهوده بشكلٍ أكبر على خلق توليفةٍ مريحةٍ ، و محفزةٍ ، و ملهمةٍ و الأهم مبهجة للمشاهد ، هذا يحدث بإمتياز ، لكن هذه النوعية من الأفلام تحتاج في الواقع لما هو أكثر من ترك انطباعٍ حسن أو اشعارك بالإرتياح ، و النص لا يبذل الكثير من الجهود على هذا المستوى ، فيبدو في الكثير من مراحله أقل واقعيةً مما يفترض أن يكون من نصٍ يستند إلى قصةٍ حقيقية ، يبقى أصعب من تقبله كفيلمٍ واقعي ، و جزء من براعة الأفلام الملهمة أو المريحة يكمن في عدم وقوفها عند الإرتياح الذي تصنعه و تجاوز ذلك نحو جعل تلك البهجة و ذلك الإرتياح واقعياً و حقيقياً ، النص جميل على مستوى القيمة التي يريد تقديمها عن حياة الروح ، هو بالنسبة لي سهلٌ ممتنع على هذا الصعيد ، يقدم الكثير عن استمرارية الحياة بالرغم من كل القيود التي تحيط بها ، لكنه يقدمها بطريقة تبدو مفرطةً في الحلم ، في بداية الفيلم يكون المشترك بين الشخصيتين محدوداً جداً ، لا يكاد يتجاوز ربما عشقهما للموسيقى ، لكن دريس يروق لفيليب ربما لإختلافه عن جميع من عملوا معه ، على جانبي المشترك المحدود الذي يجمعهما نرى فيليب الذي يحاول تجاوز رحيل زوجته من خلال بدء حياةٍ جديدةٍ عبر المراسلة ، و دريس الذي يحاول مراقبة شقيقه و عائلته بحذر دون معرفة والدته ، نرى هذا على جانبي المشترك المحدود نوعاً ما ، لكننا سرعان ما نشاهد ذلك المشترك يتمدد بسرعةٍ رهيبة ، فيبدو تحول دريس أسرع من أن يصدّق ، و تبدو جدية فيليب أوضح من أن تُهتك بهذه السرعة ، ليس هذا فحسب ، بل أن النص لا يحاول إطلاقاً أن يجعل لمنشأ دريس أو بيئته أو لونه أي تأثيرٍ على مدى تقبله في بيئة فيليب الجديدة بالنسبة له ، و هذه تبدو نظرةً أفلاطونيةً إلى حدٍ بعيد ، صحيح أن النص يلعب على وترٍ مهم يمنح شخصية دريس تميزها ضمن هذه البيئة الجديدة تكمن في (حقيقية) دريس ، فيبدو دريس لنا شخصية حقيقيةً جداً ، حيويةً و مبهجةً و مريحة جداً ، لكن النص يقع في تناقض غير مفسر عندما يظهر ازدواجية الشخصية في نشرها هذه البهجة من حولها ، دريس لا يفعل ذلك لعائلته ، يبدو مقيتاً و بغيضاً و غير مريحٍ في منزله بالرغم من كونها الجزء الأكثر حقيقيةً في حياته ، و يظهر على النقيض في البيئة الجديدة التي تدفع له ليعمل فيها ، إنفصامٌ لا يبدو مبرراً ، دريس لا يظهر بمظهر الشخص المريح الذي ينشر البهجة من حوله أينما ذهب بغض النظر عن الظروف السيئة التي تمر بها عائلته ، هذا لا يحدث ، و إزدواجية الشخصية على هذا المستوى تبدو صارخةً جداً و لا يمكن الإلتفاف عليها ، صحيح أن نوعية نصوصٍ كهذه لا تلتزم الحفر العميق في نفوس شخصياتها ، لكنها تبقى ملزمةً على الأقل بجعلها مقنعةً بالنسبة للمشاهد ، و الكلام هنا ليس على مستوى بنية الشخصية فقط ، بل أيضاً على مستوى الحدث ، و مواقف من قبيل جنون دريس أثناء الغناء في السيارة مطلع الفيلم ، أو موقفه الحاد من إبنة فيليب و تصرفه مع حبيبها ، أو موقفه في الاوبرا ، كلها مواقف يتقبلها المشاهد فقط بفعل الأدائين البراقين لنجمي العمل أكثر من تقبلها لواقعيتها أو منطقيتها ، و هنا مكمن القصور في النص .

بعيداً عن ذلك يبقى أقوى ما في النص أنه لا يتفرع مطلقاً ، يجعلنا نعرف شيئاً عن علاقات فيليب بالمراسلة ، و عن علاقة دريس بعائلته ، و عن ولع دريس بالسكرتيرة ، و عن مشاكل إبنة فيليب ، يمر على تلك النقاط بطريقةٍ تبقيها في الهامش و تقدم فقط ما يراد منها لخدمة محور العلاقة بين دريس و فيليب دون أن تتحول إلى أحداثٍ بحد ذاتها ، و هذا ما يجعل تكثيف النص على رسم تفاصيل هذه العلاقة قوياً و يستحق التقدير .

و على خلاف أفلامٍ أخرى مماثلة لا يعتمد الفيلم كثيراً على الصورة الكبيرة ، و التي تبدو عاديةً عند الإرتداد للوراء و تأمل ما شاهدنا ، هو يعتمد بشكلٍ واضح على المشاهد أو اللحظات أو التفاصيل الصغيرة المرصوفة إلى جوار بعضها البعض ، لذلك هو ممتعٌ أثناء المشاهدة و ليس من الضروري أن يضمن الديمومة على هذا الصعيد ، صحيح أن كوميديا الفيلم تحاول كثيراً إبقاء حيويته حيةً في ذاكرتنا ، إلا أن أفلاماً كهذه تحتاج في الواقع لما هو أعمق و أكثر تأثيراً في مشاهده ، كوميديا الفيلم صعبة ، ذلك النمط الذي يحاول أن يجد لنفسه مكاناً ثابتاً بين عمق النص و العاطفة التي يحاول توليدها فينا عن الأرواح التي لا تموت ، لكنها بطريقةٍ ما تتفوق على الجزئيتين معاً و تطغى عليهما و لا تكون كافية لاحقاً لحفر مكانٍ واضحٍ للفيلم في الذاكرة .

و بالرغم من قصور نصهما إلا أن نقاش و توليدانو يتمكنان بالنتيجة من تجسيد صورةٍ مبهجة و منعشةٍ فعلاً للمشاهد ، خصوصاً من خلال التركيز على المشاهد النهارية التي تمنح كثرتها العمل إشراقاً بصرياً مهماً ، و حتى تلك المشاهد الليلية القليلة – كمشهد الإفتتاح مثلاً – تبقى مشاهد مبهجةً للبصر ، لكن بهجة الإخراج الحقيقية تكمن في إطلاق العنان لنجمي العمل فرانسوا كلوزيت و عمر سي لقيادة ذلك كله ، و من الصعب تخيل كم كان الأمر صعباً بدونهما ، عمر سي كتلة مندفعة من الحيوية و الفرح و البهجة تعم أرجاء المكان بطريقةٍ لا تستطيع تجاهلها أوغض الطرف عنها ، و كلوزيت – الذي يحاكي داستن هوفمان كثيراً على المستوى الشكلي هنا - ينهار بفيليب بطريقةٍ مكابرة و أنيقةٍ جداً و يدخله بتدريجٍ محنك في عالم دريس الساحر ، و الكيمياء التي يصنعانها معاً تبدو أقوى و اكثر فعاليةً بكثير من قيمة كل أداءٍ بمفرده ، و هناك في أدائهما وحده يكمن الفيلم كله ، ذكاء هذا العمل أنه لا يجعلنا نرفضه مهما قدّم ، و نتقبل منه كل ما نراه ، و نتفاعل معه بالطريقة التي يريد ، لا يبحث كثيراً عن أي شيءٍ قد يمنحه ما هو أعمق أو أكثر نفاذاً ، هو يحاول فحسب أن يكون منعشاً و مبهجاً و مريحاً للمشاهد ، و قد تحقق له ما أراد .

التقييم من 10 : 7