الاثنين، 26 نوفمبر 2012

Looper

كتب : عماد العذري

بطولة : جوزيف غوردون ليفيت ، بروس ويليس ، إيميلي بلنت
إخراج : رايان جونسون

لطالما كانت فكرة السفر عبر الزمن فكرةً مغريةً بالنسبة للكثيرين منا ، بُعدٌ زمنيٌ مختلف ، و أحداث مختلفة ، و طريقةٌ تفكيرٍ مختلفة ، و شخصياتٌ لا نعرف الكثير عنها ، و عادات و تقاليد و ضوابط و مفاهيم من الصعب أن نعيشها و نتأقلم معها بسهولة ، لكننا مع ذلك ننجذب لفكرة ان نعيشها و لو على سبيل التجربة بالرغم من إستحالة حدوثها عملياً ، لذلك كانت هذه الفكرة مغريةً للسينمائيين اللذين تناولوها في أكثر من مناسبة ، دائماً ما يقال بأن أسوأ خصمٍ يمكن أن يواجهه الإنسان هو ذاته ، رايان جونسون يحوّل تلك المقولة إلى حقيقةٍ واقعة .

في الفيلم الثالث لمخرج Brick و The Brothers Bloom يعرض لنا رايان جونسون قصةً من عالمٍ مختلف ، كانساس 2044 ، حيث لم يكن السفر عبر الزمن قد اخترع بعد ، بينما كان حقيقةً واقعةً بعد ذلك بثلاثين عاماً حيث سرعان ما أصبحَ محظوراً من قبل الحكومات ، الأمر الذي دفع العصابات لمحاولة الحصول على هذه التقنية الفريدة من أجل توظيفها في التخلص من خصومها في حقبةٍ باتت تقنيات التعرف على هويات الجثث غايةً في التطور ، العصابات ترسل عبر الزمن خصومها المقيّدين إلى قتلةٍ مختصين في عام 2044 يدعون The Loopers يقومون بتصفية هذا الجسد و التخلص منه بسهولة على اعتبار أنه غير الموجود رسمياً في تلك الحقبة ، ينفذون مهمتهم و يحصلون فوراً على مكافئتهم من الفضة مربوطةً إلى جسد الخصم ، أحد أبرع هؤلاء هو جو ، الذي يجد ذات يومٍ حياته على وشك الإنهيار عندما يكتشف أن مهمته الجديدة هي تصفية النسخة المستقبلية منه شخصياً .

هناك بضعة تفاصيل في هذا النص تجعله أصيلاً بالرغم من عدم كون فكرته جديدةً أو مبتكرة ، يتناول النص فكرة السفر عبر الزمن لكن بطريقةٍ غير اعتيادية ، من هذه التفاصيل النظرة التي يقدمها هذا الفيلم لفكرة السفر عبر الزمن ذاتها ، يبدو إلى حدٍ ما و كأنما يجرّدها من بعدها الحالم ، لا يجعلها عند إختراعها شيئاً متاحاً أو متوفراً ، يتعامل معها بالصورة التي يمكن أن توضع فيها فعلاً في حال وجودها على أرض الواقع ، لذلك تصبح محظورة ، و لذلك تصبح هدفاً للعصابات في المستقبل ، و المستقبل بحد ذاته أيضاً هو أحد تلك التفاصيل التي لا يبدو فيها النص تقليدياً ، نظرته لعام 2044 تبدو واقعيةً إلى حدٍ ما ، بيئةٌ يتزاوج فيها التطور التقني و البؤس الحياتي ، المستقبل وفقاً لهذا النص هو صورةٌ من طبقةٍ ثريةٍ تتداخل – في الخلفية البعيدة للصورة – مع الأعمال الإجرامية المنتشرة هنا و هناك ، و طبقة فقيرةٍ مكافحة يفترش أبنائها الطرقات ، الطبقة المتوسطة غير واضحة المعالم هنا بالرغم من انتماء أبطالنا إليها ، لا يبدو المستقبل صورةً متقدمةً من أحلامنا ، بل هو صورةٌ مشوهةٌ تماماً من واقعنا ، النص يكثف صورةً قاتمةً جداً للمستقبل القريب كنتيجةٍ طبيعيةٍ للفجوة الاقتصادية و التطور التقني ، و الأجمل أن هذه الصورة القاتمة التي يقدمها لا تنتج عن معركة آخر الزمان أو نتيجة فناءٍ نوويٍ أو شيءٍ من هذا القبيل ، يرى أن تقنيات الإنسان و جنونه كافيين بحد ذاتهما لوصولنا إلى هذه المرحلة ، تبدو صورته Post-Apocalyptic دون حدوث الـ Apocalypse أصلاً ، هذه الجزئية أساسيةٌ جداً في تقدير الإختلاف و التميز الذي يقدمه النص في تناوله المستقبل أولاً .

على صعيد الحبكة ثانياً يبدو النص (محكماً) ، و المثير أن هذا الإحكام كان يمكن ألا يكون كافياً لو خسر النص وضوحه أمام جمهوره بسبب التعقيد الذي تمتلك هذه الحبكة ، لكنني أعتقد أنها واحدة من الحالات القليلة التي يوازن فيها نصٌ ما بين تعقيد حبكته و وضوحها ، يتفهم أن حقيقة أن تكون معقداً في سير الحدث لا تتعارض و امكانية أن تكون واضحاً في وصول ذلك التعقيد للمشاهد ، لذلك من النادر جداً أن تشعر بعدم وضوح ما يجري ، محور الحدث في هذا النص هو تردد جو في تنفيذه لمهمته ، جو لا يقدم على قتل نسخته المستقبلية لأي سببٍ عاطفي ، هو فقط يتردد في ذلك فتبدأ مشاكله ، على أرض الواقع كان إغلاق حلقته شيئاً جيداً بالنسبة له ، لديه ما يكفيه من المال ، و التقاعد المبكر سيسمح له بالذهاب إلى حيث يريد ، خصوصاً إلى فرنسا ، تردده أمام شخصٍ محتقن بسبب مقتل زوجته و لديه ما يكفي من العزيمة ليفلت من ذلك المصير الأسود يجعل جو الصغير يخسر السيطرة و يحاول من جرّاء ذلك لملمة الأمور ، لكن تسلسل الأحداث و تقدمها لا تجعله يتردد لاحقاً عن قتل نفسه ربما بدافع عاطفته تجاه سارة و إبنها ، هناك إنسيابية ممتازة في تغيير هذه المعادلة شاعرياً ، و جمالية النص هنا أنه لا يجعلنا نفكر بشكلٍ جدي في تغيُّر ذلك الدافع .

هذا يحدث في الواقع لأن النص يعمل بشكلٍ جيد على تصميم شخصياتٍ حقيقية ، و ليس من السهل أن تعمل على تصميم الشخصيات في فيلم خيالٍ علمي يمتلك حبكةً بمثل هذا التعقيد ، لكن هذا يحدث هنا ، أجمل ما في تصميمه لشخصياته هو أنه يزيل الحاجز بين المعضلات العاطفية و الأخلاقية لدى شخصياته ، دائماً ما يكون هناك فاصلٌ واضحٌ – خصوصاً في أفلام الخيال العلمي – بين الجزئين اللذين يسيران تلك الشخصيات ، هنا يتداخل البعدان العاطفي و الأخلاقي بشكلٍ واضحٍ لدى الشخصيات ، جو الصغير يتحرك بالتزامٍ عاطفيٍ تجاه نفسه في محاولةٍ لتخليصها من مأزقها من خلال قتل ذاته المستقبلية ، لكنه يقع رهن المعضلة الاخلاقية التي تكمن في حمايته أيضاً لسارة و ابنها ، على الأقل هم لا ذنبَ لهم فيما يجري ، و عندما يواجه ذاته المستقبلية في الختام لا يبدو واضحاً تماماً هل هو يواجهها لتخليص نفسه أو لإيقافها مما تريد فعله ، ذات الشيء ينطبق على جو الكبير الذي يقع فريسة التزامٍ عاطفيٍ تجاه زوجته المقتولة ، و التزامٍ أخلاقي لتسببه بمقتل طفلين بريئين على الأقل (حتى بمنظوره هو) ، هذا الإنقسام الذي يحدث بين الالتزام العاطفي و الأخلاقي لدى كلا الشخصيتين يبقي النهاية مشوشةً و مفتوحةً على كل الإحتمالات في الختام ، حتى عندما يواجه جو ذاته المستقبلية يدرك تماماً بأنه قادرٌ على قتله بينما العكس لن يحدث ، و بالتالي فأريحية جو الصغير في حسم المسألة تبدو أوضح و أسهل ، لكن المثير في الموضوع أن جو الكبير يقوم بكل ما يقوم به في الاساس من أجل ذاته الشابة و ليس من أجله هو !! ، هو يعلم جيداً أنه حتى بقتله لصانع المطر سيكون عاجزاً عن استعادة زوجته على اعتبار أنه يعيش الآن في زمانٍ لا وجود فيه للسفر عبر الزمن ، هو يقوم بكل هذا بدافعٍ من التزامه تجاه زوجته ، و بدافعٍ من رغبته - إذا ما حمى زوجته من الموت مستقبلاً -  في انقاذ جو الشاب ، ذلك الذي يطارده الآن و يريد القضاء عليه !! ، النص يفتك بعقل مشاهده قرب الختام و يفتح الذروة على جميع الإحتمالات الممكنة ، يجسّد الفيلم في هذه المواجهة نظرية أن (أسوأ خصمٍ يمكن أن يواجهه الإنسان هو ذاته) ، ليس على مستوى المواجهة التقليدية بين الشخصيتين التي تجري قرب الختام ، بل أيضاً على مستوى الصراع الفكري بين الشخصيتين حول رؤيتهما المختلفة لحياتهما و الذي يختزله المشهد الممتاز لغدائهما في المطعم ، لكن الصورة الصريحة لهذا الصراع تتجلى بالطبع في الذروة حينما تصبح شخصياته واقفةً امام خيارين يمكن لأيٍ منهم من خلالها أن يقتل لكي يغير المستقبل ، و قيمته على هذا الصعيد تكمن في قدرته على إبقاء كافة الدوافع حية حتى آخر لحظة و بالتالي ترك مشاهده في حيرة حتى لحظة الختام ، حيث يمكننا أن نشاهد وفقاً لهذا : جو الكبير يقتل الأم ، أو نشاهده يقتل الطفل ، أو نشاهده يقتل ذاته الشابة بالخطأ ، و يمكن أن نشاهد ذاته الشابة تقوم بذات الشيء ، و يمكننا أن نشاهد الأم تقوم بفعلٍ بطوليٍ لحماية ابنها ، و يمكن أن نشاهد سيد يثور فيفنيهم جميعاً !! ، و ما يقدم عليه جو الشاب في اللحظات الأخيرة هو رؤيا لما قد يمكن أن يصبح عليه سيد في المستقبل ، لذلك يعمد لتغيير ذلك المستقبل ، ذات الرؤيا التي قصها عليه إيب عن طفولته البائسة قبل أن يغيرها و ينقذه و يضع بندقيةً في يده ، القصة ذاتها التي عاشها ذات يوم و حكاها لسيد في الملجأ ، النص بارعٌ جداً و انسيابيٌ جداً على هذا الصعيد ، لا يكتفي بأن يضخ الإثارة في كل دقيقةٍ من دقائقه ، بل هو يجعلها حيةً ، و منطقيةً ، و مبررةً في كل مرحلة ، لأنه يُعدّ لها بشكلٍ ممتاز ، و نحن لا نشاهد في العادة شيئاً كهذا كل يوم .

و مع أن مواجهة الذات المنسوجة هنا مميزةٌ و تستحق الإطراء ، إلا أنها لم ترقني في جزئيةٍ بعينها تكمن في رد الفعل الذي يبديه جو الشاب تجاه قصة جو الكبير ، جو الشاب في الواقع شخصٌ مولعٌ جداً بمستقبله ، يتعلم الفرنسية ، و يفكر في التقاعد ذات يوم و الذهاب لفرنسا ، ليس شخصاً رهيناً لحاضره يعيشُ يومه فحسب ، الأمر الذي يجعل عدم اكتراثه نهائياً بقصة جو و مقتل ما يفترض أن تصبح زوجته و منقذته أمراً غير منطقيٍ بالنسبة لي بعيداً عن الطريقة التي سيتصرف بها لاحقاً ، جو لا يكترث و لا يهتم بتاتاً ، بل أنه يهين تلك المرأة ، النص يبدو حدياً جداً على هذا الصعيد ربما لخلق دافعٍ قوي لتلك المواجهة بالرغم من أنه لا يحتاجُ إلى ذلك فهي ستحدث على أية حال طالما أن مستقبل جو الشاب أصبح على وشك أن يدمر .

في الصورة الكبيرة يصنع رايان جونسون واحداً من أفضل افلام الخيال العلمي التي شاهدناها مؤخراً ، لا ادري لماذا أصبح هذا الصنف عقيماً إلى هذه الدرجة ، شخصياً لا أتذكر سوى The Matrix و Minority Report و Avatar و Inception خلال الأعوام الخمسة عشرة الماضية ، هذا الفيلم يضاف لها بجدارة ، رايان جونسون يأخذ الكثير من العناصر و التفاصيل من أفلامٍ أخرى ناجحة لكنه يصنع بها توليفةً ناجحةً جداً ، يبدو من هذا المنظور أفضل فيلمٍ يتناول السفر عبر الزمن منذ رائعتي The Terminator و هو بهذا يتفوق من وجهة نظري على فيلم تيري غيليام 12 Monkeys الذي يقوم ببطولته بروس ويليس أيضاً ، يتقاطع بشكلٍ واضحٍ مع The Terminator على صعيد حبكته لكن بدون روبوتاتٍ آلية هذه المرة ، و يكثف عمله البصري على صناعة مستقبلٍ قاتم من خلال اخراجٍ فنيٍ ممتاز لمدنٍ لم تتغير ، بسياراتها و حافلاتها و شوارعها و مشرديها و حقولها ، يخدم صورته التشاؤمية للمستقبل التي تصنع خلفية العمل ، و يمازج هذا مع الكثير مما يقدمه نوار الخيال العلمي أو ما يعرف بالنوار التقني أو Tech Noir مما ينعكس بوضوحٍ على المستوى البصري للفيلم خصوصاً في المرحلة المتوسطةٍ منه ، و هو في توظيف هذه الجزئية أفضل فيلمٍ أشاهده منذ زمن .

بالنتيجة : صحيح ان هناك بعض التفاصيل التي ستجعلك تفكر فيها و الأسئلة التي ستشعر ان الفيلم كان قاصراً عن سد فراغها ، مثل : هل لإيب نسخةٌ شابةٌ منه ؟ كيف تصل معلوماتُ كل مهمةٍ يراد تنفيذها ؟ و ما الذي يستفيده إيب من كل ما يجري ؟ و ما هو الخطر الحقيقي على عصابات المستقبل الذي يمكن أن يشكله وجود نسختين من نفس الشخص في الزمان نفسه طالما أنه قد تم التخلص منها مستقبلياً ؟ لماذا لم تقتل العصابة سيث الشاب ( يؤديه بول دانو ) و هو في حوزتها بدلاً من استدعاء نسخته المستقبلية بتلك الطريقة المرعبة طالما أن قتل الشاب سينهي حياة النسخة المستقبلية ؟ و لماذا تقدم العصابات المستقبلية على قتل زوجة جو بكل دمٍ باردٍ و بكل سهولة طالما أن محور الفيلم كله يرتكز حول استحالة ذلك بفعل تقنيات كشف الهوية المستقبلية الأمر الذي من أجله تم إيجاد الـ Loopers لتصفية البشر ؟ أسئلة أقر بأنني لم أستطع أن اتجاوزها بسهولة و سلبتني قليلاً من استمتاعي بالفيلم حتى و إن أمكن الإجابة عليها ، لكن توليفة رايان جونسون في تقديم هذه الصورة المختلفة لفيلم الخيال العلمي تستحق التقدير ، ليس فحسب على مستوى حبكته المعقدة ، و البناء الممتاز لدوافع شخصياته ، و التقديم العميق لمواجهة الإنسان لذاته النابع من الإختلاف الذي يولده الزمن في رؤية الإنسان و طموحاته مع تقدم العمر ، ليس فحسب على مستوى المشاهد الكثيرة التي تعلق في البال من هذه التحولات الكثيرة التي نشاهدها ، بل أيضاً لأداءات نجومه ، و لا أعتقد أننا نتكلم كثيراً عن الاداءات في أفلام الخيال العلمي ، لكنني أجد هذا ملائماً مع Looper ، بروس ويليس يقدم واحداً من اكثر أداءاته حساسيةً و تفهماً و عمقاً ، و بضعة أداءاتٍ فقط في مسيرة الرجل يمكن أن ينطبق عليها هذا الوصف ، جوزيف غوردون ليفيت الذي يثبت مرةً بعد أخرى أنه أفضل ابناء جيله لا يؤدي دور جو الشاب و إنما يؤدي دور (بروس ويليس و هو يؤدي دور جو) ، يؤديه دون أن يقلده ، و هذا ليس يسيراً كما يعتقد ، هو يبدو كنسخةٍ قديمةٍ من جو ، لها روحها و كيانها و حياتها الخاصة و طموحاتها المختلفة ، و لديها الأساس لتنمو و تصبح بروس ويليس لاحقاً ، هذا ممتاز و يستحق التحية ، أفضل أداءات الفيلم تأتي تحديداً من جيف دانييلز الذي يصنع من خلال ظهوره المحدود شخصيةً مرعبةً في إيب ، تشعر بالرغم من كل تساؤلاتك بأن هذه الشخصية تجيد فعلاً اللعبة التي تلعبها و هي ماهرةٌ جداً فيما تقوم به ، و ليس اقل منه تبدو إيميلي بلنت التي تولّف بيسر صلابة المرأة الوحيدة و عاطفة الأمومة و جاذبية الأنثى ، البريطانية الحسناء ممتازةٌ في الدور ، دون أن ننسى طبعاً بيرس غاغنون الطفل الذي يصنع من طفولة سيد طفولةً مرعبةً و مؤلمةُ بحق ، و من أجل كل ما تقدّم أقول بأن هذا الفيلم هو واحدٌ من أفضل أفلام أكشن الخيال العلمي على الإطلاق .

التقييم من 10 : 9