الخميس، 29 نوفمبر، 2012

Amadeus

كتب : عماد العذري

بطولة : ف. ميري أبراهام , توم هالس , إليزابيث بريدج
إخراج : ميلوش فورمان

(( لو تصفحت قبل عشرين عاماً معجماً نمساوياً بحثاً عن معنى لهذه الكلمة فستجد لها معنيين لا ثالث لهما :

1- في اللغة تعني : محبوب الرب .
2- في الأعلام : الإسم الثاني لعبقرية الموسيقى النمساوية ( فولفغانغ أماديوس موزارت ) .

منذ عشرين عاماً أضافوا لها معنى ثالثاً :
3- في السينما : تحفة سينمائية خالدة ! ))

بهذه الفقرة المجازية افتتحت مراجعتي عن الفيلم قبل ثمانية أعوام ..

في الفيلم الذي منحه جائزة الأوسكار الثانية كأفضل مخرج يعود المخرج التشيكي الكبير ميلوش فورمان مجدداً إلى مدينة براغ مسقط رأسه التي غادرها مع رفيق دربه المصور التشيكي ميروسلاف أوندرسيك عقب الأزمة السياسية التشيكية عام 1968 ليقدم إقتباساً شديد الجمال لمسرحية بيتر شيفر المقدمة على مسارح برودواي الشهيرة ، جاء الفيلم بعد تسع سنوات على الإحتفاء الهوليوودي الأكبر بميلوش فورمان عندما خطف جوائز الأوسكار الخمس الرئيسية بفيلمه الشهير One Flew Over The Cuckoo’s Nest عام 1975 ، كان ميلوش فورمان في كامل نضجه السينمائي و نفوذه الهوليوودي ليقدم مسرحيةً فتنته من مسرحيات بيتر شيفر ، عكف وقتها أربعة أشهر رفقة بيتر شيفر نفسه لإعادة ترويض و تحوير هذه المسرحية الناجحة كي تتلائم و الملحمة السينمائية التي ينشدها فورمان حول إحدى الإشاعات التي رافقت وفاة عبقرية الموسيقى النمساوية عبر العصور فولفغانغ موزارت في الخامسة والثلاثين من عمره ، النتيجة كانت مبهرةً بحق ، نجاحٌ نقديٌ و جماهيريٌ ملفت ترجم بجدارة إلى اكتساحية الفيلم لجوائز الأوسكار عام 1984 التي جعلت الأصل الأدبي واحداً من أربع مسرحياتٍ فقط توّجت بجائزة التوني لأفضل مسرحية و جائزة الأوسكار لأفضل فيلم .

في الحقيقة أن ما جعل أماديوس فيلماً خالداً ، ينظر إليه الكثيرون على أنه تحفة صنعت لتخلد رغم مرور قرابة ثلاثة عقود على تصويره هو كونه خليطاً مميزاً للعبقرية النادرة في كل شيء ، عبقرية السيناريو ، عبقرية الإخراج ، عبقرية الحوار ، عبقرية الصورة ، عبقرية الأداء ، مع موسيقى تملأ الفيلم لمن يعتبره الكثيرون أهم عبقرية مرت في تاريخ الموسيقى ، فولفغانغ أماديوس موزارت ، هذه العبقرية - التي من الصعب والنادر أن تشاهدها مجتمعةً بهذه الطريقة - إستطاعت أن تحفظ فيلماً تصل مدته لقرابة الساعات الثلاث دون أن تجعلك ترفع عينيك عن الشاشة ، تعيش خلالها لحظات من التأمل ، من الصفاء الروحي ، من الإندماج العقلي ، من الجدل الفلسفي ، من المرح المهذب ، و من الموسيقى كأجمل ما تكون الموسيقى .

الفيلم يرويه لنا في مأوى للمجانين – وعبر إعترافه لقس – موسيقار البلاط النمساوي المعمر أنتونيو سالييري والذي نجا للتو من محاولة إنتحار ، يسترجع فيه وقائع تعود لأربع عقود خلت ، عندما نال موزارت عناية وإهتمام بلاط الإمبراطور جوزيف الثاني إمبراطور النمسا وسحب البساط من تحت أقدام الكثيرين ، ويحكي لنا كيف كان إعتراضه على منح ذلك الكائن الذميم الحقير كل تلك العبقرية ، ولماذا أبتلي بكل ذلك الشغف بالموسيقى والولع بفن موزارت دون أن يمنح موهبته ، مقابل ذلك إستغل سالييري نفوذه في البلاط النمساوي للقضاء على تقدم موزارت ، قبل أن يستغل الضغط النفسي الهائل الذي يعيشه موزارت عقب وفاة والده - صاحب الفضل الكبير فيما وصل إليه - مبتكراً دور معجبٍ مجهول يطلب من موزارت كتابة قداس جنازة ينهك موزارت ويقضي على صحته وثروته وحياته .

إفتتاحية هذا الفيلم فاتنة ، سالييري يقدم على محاولة انتحار ، عقدة الذنب ترافق تمتماته الأخيرة ، و منظره يعزف الموسيقى بالشفرة التي استخدمها في حزّ عنقه يحكي الكثير ، في اعترافه لاحقاً أمام القس تتضح الصورة باكراً ، عندما يقول له الأب (الجميع متساوون عند الرب ) ، فيرد سالييري وقد سحب كرسيه : ( حقاً !! ) ، نمط الإستغراب الذي يطلقه سالييري وحركته العجيبة عندما يفاجئنا ساحباً كرسيه تشعرك بأنه نطق الكلمة التي قلبت حياته رأساً على عقب ( حقاً ) ، قالها بإندهاش ساخر ، ( حقاً ) كلنا متساوون ؟ ، لماذا لم أكن كذلك مع موزارت ، لماذا ذكره العالم كله ونسيني بعد ذلك ، و بمجرد أن ينتهي سالييري من نقاشه العقيم مع الأب ينقلب الفيلم رأساً على عقب على صوت الموسيقى التي تبدعها أنامل الصغير موزارت ، وفي تداخل مدروس نشاهد موزارت الصغير وسالييري الصغير وقد عصب كل منهما عصابة على عينيه تحجب عنه الرؤية ، وشتان بين من عصبها ليعزف أمام البابا ، ومن عصبها ليلعب لعبة التخفي ، لقطتان متتاليتان تحكيان كل شيء ، أي موهبةٍ امتلكها موزارت ، و أي بونٍ شاسع باعد بينها و موهبة سالييري ، هنا نصبح تماماً مغمورين في القصة ، لا يستنزف النص الكثير ليقول لنا ذلك ، و لا يفعلها الكثيرون ببراعة ميلوش فورمان .

في مشهد لاحق يبحث سالييري عن موزارت بين كوم من الشباب الطامح ، تتحرك الكاميرا في البهو لتجعلك تنظر له بعيني سالييري الباحث عن صيده ، وأنت عندما تشاهد الفيلم لأول مرة – خصوصاً إذا كنت لا تعرف توم هالس وأغلبنا كنا كذلك – تعيش جو الحيرة الذي يعيشه سالييري ، وعندما يدخل موزارت فجأة ليطارد فتاته في البهو تتحرك عينا سالييري وكاميرا أوندرسيك لوهلة لمشاهدته ، ثم تعود لمتابعة البحث بأسلوب يجعلك تشعر بأن ما حدث هو مشهد عابر قبل أن تصدم بذلك لاحقاً ، موزارت رغم قذارته في المشهد نجده يستعرض لنا أذنه الموسيقية العبقرية التي طوعها منذ الصغر على حفظ الجمل معكوسة في دمج بارع للقذارة والعبقرية في مشهد واحد ممهد لجملة سالييري الشهيرة ( ذلك كان موزارت , ذلك الكائن المضحك ذو النفس القذرة الذي شاهدته للتو يزحف على الأرضية ) .

أعتقد أن تلك الفترة التمهيدية كانت عظيمةً بالفعل ، عندما تعود بذاكرتك السينمائية لتستعرض كلاسيكيات السينما ستجد الكثير من الأعمال التي تضاهي هذا الفيلم في عظمته و جودته ، لكنك ستجد القليل فقط من الفترات التمهيدية التي حفرت في ذاكرتك حد الإلتصاق الدائم كما تفعل الفترة التمهيدية لهذا العمل ، أنت لن تكتفي بتقدير قيمتها التمهيدية للنص ، أراهن أنك ستعشقها و تفتن بها ، بل و ستحفظ سطورها كذلك ، بعد هذه الفترة ينحّي النص اهتمامه بموزارت و يجعل نظرة سالييري لموزارت بمفردها محوراً حقيقياً له  في معالجة هي في رأيي أكثر الأشياء أحقية بالإشادة في هذا الفيلم ، سحر النص و عظمته تتجلى في المعالجة العبقرية التي يمنحها لشخصية أنتونيو سالييري موسيقار البلاط النمساوي ، إنسان تملكته روح التفرد ، وغريزة الجشع الإنساني ، وعدم الرضا بما هو فيه ، هذه الأمور سيلتقطها المشاهد بسهولة ، عظمة المعالجة تكمن في الثقل الكبير الذي يرميه النص على كفتي الميزان لدى سالييري ، محاولة خلق توازن - شبه مستحيل - بين كره سالييري لموزارت و عشقه الهوسي لموسيقاه ، عندما تمعن التأمل في هذا التوزان على الشاشة لا تجد الكلمات الكافية لتوصيفه ، أقول هذا بعد سبع مشاهداتٍ كاملةٍ للفيلم ، لا أتذكر أنني شاهدت نصاً قادراً على خلق هذا الإنقسام الكامل ، و الواضح ، و المبرر ، و المقنع في وجهتين عاطفيتين يحملهما شخصٌ واحد تجاه شخصٍ آخر ، كلما أتأمل هذه الجزئية في كل مشاهدة أشعر بذلك جداً ، أستمتع بذلك ، لكنني أعجز عن وصف التوليفة التي عمل من خلالها بيتر شيفر و ميلوش فورمان على جعل ذلك الإنقسام عظيماً إلى تلك الدرجة ، النص قبل كل شيء يجعلنا نتشرب سالييري أولاً ، نفهمه و نفهم طريقة تفكيره الآنية و الآلية التي أوصلته إليها ، باكراً جداً ، منذ مشهد الإعتراف في افتتاحية الفيلم نعرف تماماً اننا أمام شخصٍ عارفٍ بالموسيقى ، و هنا تكمن العقدة ، شخصيتنا الرئيسية بكل حنقها و غضبها مما آلت إليه على مدى أربعة عقود تدرك تماماً – و تجعلنا ندرك أيضاً – أن مشكلتها و عذابها نابعةٌ في الواقع من قلة موهبتها الموسيقية و ليس من جهلها بالموسيقى ، سالييري على النقيض تماماً من ذلك شخصيةٌ عارفةٌ تماماً بالموسيقى و لديه من الدراية ما يجعله يميز تماماً العظيم من الاعتيادي ، و من هنا أتت مأساته ، عندما نشاهد الإمبراطور جوزيف الثاني على المسرح بعد انتهاء عرض زواج فيغارو و جملته الإنتقادية الساذجة ( هناك الكثير من النوتات ) ، ندرك من جهل الإمبراطور الواضح بالموسيقى أن مشكلة موزارت الأساسية مع المحيطين به لم تكن نابعةً من جهلهم ، بل من درايتهم و علمهم ، إدراكهم المطلق أن هذا الكائن الفاحش البذيء لا يستحق كل تلك الموهبة العظيمة التي يمتلكها ، إدراكهم أنهم في أفضل حالاتهم لن يبلغوا الجزء اليسير من مستوى أقل أعماله قيمة ، هنا تحديداً كان انقسام سالييري ، شعوره المزدوج العنيف جداً بأن موهبة هذا ( المخلوق ) لا يمكن أن تندثر أو تتوقف ، لذلك لا يكون موت موزارت نعيماً بالنسبة لسالييري – كما يمكن أن يعتقد – بل كان عذاباً شنيعاً لإحساسه بأن ذلك الفن العظيم قد انقطع ، يعترف سالييري بأنه عاش بعد موت موزارت 32 عاماً من العذاب الذي لا ينقطع ، النص عظيمٌ جداً هنا ، يبدو النص و كأنما يستوحي سالييري الموجود في كل منا ، لذلك هو ينجح تماماً في أسر اهتمامنا و تركيز انتباهنا حول بطله ، يربطنا به ، يستخرج منا سالييري القابع في زاوية مظلمة من دهاليز النفس البشرية ، سالييري المنتظر الفرصة لينقض على براءتنا وليفرض علينا طرح سؤاله الأزلي ( ما مدى أحقية المرء بما يملك ؟! ) ، السؤال الذي ولد بولادة البشرية مع ولدي آدم ، و بولادة إعتراضنا السافر على ما نحن فيه ، و بمقتل القناعة في نفوسنا ، ذات السؤال الذي هز جنبات هذا الفيلم وجعل منه لوحة مثيرة للدهشة ، الفيلم ينطلق منّا قبل كل شيء ليجعلنا نقع في فلك سالييري الحنق ، بكل انهياره ، و غضبه ، و أسفه ، و شماتته ، و مبرراته ، و قناعاته .

ميلوش فورمان وراء الكاميرا عظيمٌ كأفضل ما تكون العظمة السينمائية ، مصوره الأثير أوندرسيك يجعلنا شاهدين على كل التفاصيل بكاميراته الحيوية رغم جمودها الظاهر ، و بلقطات الـ Close-up على وجه سالييري ، و بالروحانية العجيبة التي يمنحها لمشهد الإحتضار العظيم ، و بتوظيفه الممتاز للتصوير بالإضاءة الطبيعية ليمنح الصورة في الفيلم درجةً من الحقيقية الكافية لتأطير المحاكمة التي يقيمها النص هنا للنفس البشرية المختزلة في سالييري ، دون أن ننسى مقدار الحيوية التي يبتدعها أوندرسيك أثناء تصوير سائر الأوبرات ثم الجمود المفاجيء في تصويره لأوبرا ( دون جيوفاني ) و الذي منحها خصوصية بين البقية على إعتبارها الأكثر كآبة بين ما قدم ، كل ذلك يثبت لنا أي مصورٍ عبقري كان الرجل هنا ، ليس اقل منه العظمة التي يستمدها الفيلم هنا من موسيقى موزارت ذاتها ، من الصعب أن نتخيل أن نشاهد عملاً كهذا دون الكثير – حد التخمة – من موسيقى موزارت ، الفيلم يتناول في جزء من عمقه الموسيقى و عبقرية الموهبة الموسيقية التي كانها موزارت ، يبدو بذلك - و من خلال التوليف الموسيقي البديع من السير نيفيل مارينر – ترويجاً عظيماً جداً للموسيقى ، أفخر دعايةٍ ممكنةٍ للفن الموسيقي ، فاتنٌ بذات المقدار لعشاق السينما كما هو لعشاق الموسيقى أيضاً ، و لا أتذكر أي فيلمٍ عن الموسيقى بعظمة تحفة ميلوش فورمان هذه ، لكن حتى ذلك الإبداع التصويري و ذلك التوليف الموسيقي الساحر و المتخم في الفيلم ما كان ليتجلى و يبلغ مجده لولا العمل المونتاجي العظيم من مايكل تشاندلر ، مونتاج هذا الفيلم هو واحدٌ من الأقوى تأثيراً على الإطلاق في قيمة العمل الذي يخدمه ، يتجاوز بكثير تقليدية وظيفته كتحرير و رصف المشاهد إلى جوار بعضها ، إلى الغوض و التأثير في عمق العمل ذاته حول العملية الإبداعية و ولادة العمل الإبداعي و قسوة ذلك العمل على شخصيةٍ حاسدةٍ مثل سالييري ، مونتاج الفيلم يذهب بعيداً في استثمار قيمة الصورة التي يقدمها أوندرسيك و قيمة الصوت الذي يقدمه مارينر لصناعة توليفةٍ مبهرةٍ للحالة التي يعيشها سالييري ، أنت تحس مع سالييري بقسوة ما يحدث عند الإستماع لمقطوعةٍ عظيمةٍ كتبها موزارت ، أنت تلتقط كل نغمة موسيقيةٍ أصابته في مقتل ، أنت تعيش و تستمع و تتخيل و تسحر و تقهر و تذل و تتألم و تثار و تشعر بالإحباط تماماً كما يفعل سالييري ، المونتاج يضرب في عمق دراما الفيلم ، واحدٌ من اعظم انجازات المونتاج التي قد تحصل عليها في حياتك .

فوق ذلك يكفي أن تعلم أن هذا الفيلم هو واحدٌ من 13 عملاً كوفئت بترشيحين للأوسكار في فئة افضل ممثل و آخر من فعلها لتدرك أي نوعٍ من الأداءات ينتظرك هنا ، توم هالس عظيم في دور موزارت ، الآلية التي يوازن بها بين عبقرية موزارت و فحشه لا تكتفي بأن تبدو غير مبتذلة فقط ، بل هي فعالةُ و مؤثرةٌ ايضاً ، تشعر بها نابعةً من صميم روحه ، و تدرجه – على مدى عقدٍ من الأحداث المتعاقبة و العنيفة – من العبث و الطيش عندما قدم إلى فيينا وصولاً إلى الإستحواذ الجنوني الذي أصابه عقب وفاة والده هو تدرجٌ مقدر بالرغم من صعوبته ، خصوصاً و أنت تحاول أن تتخيل كيف تحول ذلك الفتى الفاحش ذو الضحكة المثيرة للسخرية إلى رجلٍ شبه فاقدٍ لعقله ، يحمل على عاتقه ذنب رحيل والده ، و وطأة الدين ، و مخاض العملية الإبداعية ، ليس هذا فحسب ، بل أن الساعات الأربع التي قضاها يومياً أثناء التصوير في تعلم دروس البيانو و اتقانها ، و تفانيه في اجادة دور الموسيقار – تقنياً و ليس أدائياً فحسب – صنعا تجاوباً حقيقياً جداً مع الأنغام و الأصوات و الآلات التي تحيط به ، بطريقةٍ تجعلك تقول بثقة أنه التجاوب الأصدق من نوعه الذي شاهدته في فيلم .

علاوةً على عظمة ما فعله هالس كان من حسنات هذا النص أنه ترك الزمام لسالييري ليقود العمل كله لدرجة بتنا معها ننتظر تعليقاً من سالييري على كل ما نشاهده ، و ف. ميري أبراهام كان في الموعد ولم يخيب الظنون مطلقاً ، فالأسلوب الفريد الذي لعب به شخصية سالييري جعلته صورة مجسدة للضغينة البشرية ( و لا أنكر مطلقاً أن الماكياج المميز ساهم في طغيان الشخصية على الفيلم كله ) ، كما أن أبراهام نجح تماماً في جعلنا نتعاطف حين يريدنا أن نتعاطف ، ونبغض حين يريدنا أن نبغض ، وأسلوبه المبهر في تقديم التأثر الموسيقي سيظل علامة مسجلة بإسمه : كل إيماءة ، كل علامة جسدية ، كل حركة حاجب أو رفة رمش ، يده التي تمتد من حين لآخر لتحسس عنقه الذي أصابه في محاولة الإنتحار ، إلتفاتاته المفاجئة نحو الأب ، الإنتقال المفاجيء بين : البغض والكراهية حين يتحدث عن موزارت , والمثالية حين يتحدث عن موسيقاه ، تأثره وخيبة أمله حين يحضر أوبرات موزارت ، نشوة النصر البادية في عينيه حين بدأ يسرد خطته للقضاء على موزارت ، أو تلك التي تتلو إنتهاءه من إعترافه ، كل شيء تم بإتقان متناه ، قد لا يعلم أبراهام نفسه كيف فعل كل ذلك ! ، هو بلا شك واحد من أعظم الأداءات السينمائية التي قد تشاهدها في حياتك .

بالنسبة لي أماديوس هو المثال الأبسط على جودة الفيلم الفائز بالأوسكار ، و سيمفونيةٌ ناقصةٌ في مسيرة موزارت !! ، أمرٌ مثير تلك الديمومة التي استمر بها هذا العمل في سحري كل مرة اشاهده فيها ، عندما اشاهد جاك ليمون في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 1984 يعلن عن مقدم جائزة أوسكار أفضل فيلم السير لورانس أوليفييه الذي حياه الجمهور وقوفاً قبل أن يعلن إسم Amadeus ، أقول لنفسي بأن تلك المصادفة تليق جداً بهذا الفيلم ، أسطورة يقدّم أسطورة يقدّم أسطورة ، الآن بعد ثلاثة عقود أشعر بذلك تماماً ، لكن هل كان ميلوش فورمان يشعر - حين بدأ العمل على هذا الفيلم - بأنه سيصبح هكذا ؟! ، هل كان يدرك وقتها بأنه - من خلال عجوزٍ يدعى سالييري يحكي ذكرياته عن موسيقارٍ يدعى موزارت - سيصنع واحداً من أعظم الأفلام التي تناولت العبقرية على الإطلاق ؟! ، هل كان يحس بأن عمله القادم سيغدو أعظم فيلمٍ ربما عن ولادة العملية الإبداعية ؟! ، حقيقةً لا أعلم ، لكنني أتذكر أنه في مطلع هذا الفيلم يدعو أنتونيو سالييري ربه بأن يجعل إسمه مخلداً ، أنا متأكدٌ الآن أنه و بعد قرنين كاملين - و من خلال هذا الفيلم - تحققت أمنيته تلك .

التقييم من 10 : 10