السبت، 20 أكتوبر، 2012

The Lost Weekend

كتب : عماد العذري

بطولة : راي ميلاند ، جين وايمان
إخراج : بيلي وايلدر

دائماً ما يقال بأن السينما هي ابنة بيئتها ، تستقي موضوعاتها منها ، لكنها تبقى مع ذلك مؤطرةً ضمن القالب الذي يسمح به العرف السينمائي لتلك البيئة ، لذلك لم نشاهد أفلاماً دموية في الأربعينيات و الخمسينيات ، أو أفلاماً عن الشذوذ في تلك البيئة الزمنية ، على الرغم من أن ذلك لا يعني بأي حالٍ من الأحوال أن تلك البيئة الزمنية لم تكن تحوي مواضيع كهذه ، دائماً كان العرف السينمائي لكل بيئة قيداً ثقيلاً على صناع السينما حتى المتمردين منهم ، لذلك لنا أن تخيل حجم الضغوطات التي مورست على المخرج الكبير بيلي وايلدر لثنيه عن إخراج فيلمٍ يتناول منذ بدايته و حتى ختامه رحلة رجلٍ مع الإدمان على الكحول .

كان بيلي وايلدر حينها قد خرج للتو من نجاحٍ ساحقٍ حققته كلاسيكية النوار الشهيرة Double Indemnity و كان الرجل من الجرأة أن استغل ذلك النجاح في طرح مشروعٍ على منتجيه في بارامونت لتمويلٍ فيلمٍ يتناول قصة التجربة المريرة التي يعيشها مدمن الخمور عن كتابٍ لتشارلز آر جاكسون ، كتب بيلي وايلدر النص رفقة شريكه تشارلز إم براكيت ، و ذهب به إلى ستديوهات بارامونت التي تقبلت الأمر على مضض ، كان من الصعب جداً المراهنة على مشروعٍ كهذا في تلك الفترة ، و من يتأمل بوضوح أفلام النصف الأول من الأربعينيات يدرك كم كانت مادة الفيلم غريبةً جداً على مواضيع حقبةٍ قدمت Mrs. Minniver  و Casablanca و How Green was My Valley و غيرها ، موضوع الإدمان على الخمور كان أصعب من أن يكون محور اهتمامٍ لبلدٍ على وشك الخروج من أتون اكبر حربٍ في التاريخ ، لكن عزيمة بيلي وايلدر التي لا تلين جعلت ذلك الأمر واقعاً ، كان هذا الفيلم صورةً نادرةً جداً لتناول الإدمان كمادةٍ لفيلم قبل أن يصبح ذلك أمراً إعتيادياً بعد ذلك بعقود ، و ربما ريادته تلك هي ما ولدت له كل ذلك الكم من المشاكل خصوصاً مع شركات تصنيع الكحوليات التي ضغطت كثيراً على منتجيه في بارامونت من أجل التخلي عنه ، لكنها أيضاً ما ولدت ذلك النجاح الكبير الذي حققه الفيلم في شباك التذاكر ، و ولّدت اربع جوائز أوسكار قام بحصدها بما في ذلك أوسكار أفضل فيلم لعام 1945 الذي جعله واحداً من فيلمين فقط (الآخر هو Marty) ينال التكريم الأكبر من قبل الأكاديمية بعدما حظي بالتكريم الأكبر في مهرجان كان السينمائي الدولي ، كان الفيلم قبلها ببضعة أشهر قد نال الجائزة الكبرى في المهرجان رفقة تسعة أفلامٍ اخرى ، طبعاً قبل عقدٍ كامل على السعفة الذهبية الأولى و التي كانت – للمصادفة – من نصيب Marty .

يراقب الفيلم حياة دون بيرنام ، الكاتب الكحولي المغمور الذي يستهلك ولعه بالخمور كل حياته تقريباً ، يدمر مسيرته المهنية الوليدة و يضرب في عمق علاقاته بمن يحب ، دون بدأ يتعافى من ست سنواتٍ قضاها مع الشراب ، و هو يُعد الآن مع شقيقه ويك لقضاء إجازةٍ لمدة خمسة أيام بعيداً عن شقتهم في نيويورك ، ويك حريصٌ جداً على منع شقيقه من العودة للشراب إلى درجة الرقابة الشديدة ، حبيبة دون هيلين سانت جيمس تحضر قبل رحيلهم مع بطاقتي دعوة إلى حفلةٍ موسيقية على أمل أن يتمكن دون من مرافقتها قبل رحيله ، لكن دون يقترح ذهاب ويك بدلاً عنه فقط من اجل رغبةٍ خفية : قنينة الشراب المتدلية أسفل نافذة غرفته ، خطته تفشل و أيامه القليلة المقبلة وحيداً في المنزل ستصبح جحيماً لا يطاق .

برأيي ما هو أهم من جرأة الفيلم على طرق موضوعٍ كهذا في فترةٍ كتلك هو تمكنه أساساً من عملية الطرق ، يبدو الفيلم سبراً عميقاً و ذكياً و حيوياً في فلسفة الإدمان ، نتأمل مع نص وايلدر و براكيت دون بيرنام المحطم ، فاقد المعنويات ، الذي يدمر ذاته و مسيرته المهنية الناشئة ، و الذي يبدو قريباً من تدمير علاقة حبه أيضاً ، كل هذه الأمور هي الجزء الظاهري من العملية ، في العمق يظهر لنا النص شيئاً آخر ، تبدو لحظات دون مع الكأس هي الأكثر حميمية ، شعوره الغريب بالحرية ، متعته في رؤية تلك الدوائر التي يرسمها الكأس على الطاولة ، الإحساس الداخلي غير المفسر بالإنعتاق من كل قيوده فجأة ، نتأمل ولعه و جنونه في سبيل حصوله على الشراب ، يبدو أشبه بكلبٍ مسعور و هو يقلب منزله رأساً على عقب بحثاً عن قطراتٍ بقيت في قنينةٍ ما ، ثم ذلك الإحساس بالفراغ الذي يعقب كل هذا ، هذه الفلسفة الإنعتاقية يصر النص على إيصالها لنا ، لا يبدو دون بيرنام مجرد شخصٍ يشرب لمجرد الشرب ، هو يشرب لأنه يشعر بشعور لا يصله من أي شيء آخر من حياته ، عظمة هذا النص برأيي تكمن في الدراسة السلوكية للشخصية التي يقوم بها بطريقةٍ تعد من الأعمق و الأذكى التي قدمتها الشاشة الكبيرة يوماً ، كيف بدأت الرحلة مع دون الكاتب ، كيف سيطر عليه العقم الأدبي و حول حياته إلى فراغٍ لا معنى له ، كيف حاول فك طلاسم ذلك العقم من خلال كأس ، ثم كأسٍ اخرى أصبحت كؤوساً بعد ذلك ، إحساسه اللحظي الذي رافقه مع كل كأس و منحه نوعاً من الرضا الغريب تجاه ما يجري ، إحساسه بالإنعتاق من كل شيء ، و جنونه عندما يفتقد للوسيلة التي حققت له ذلك الإحساس ، إنهياره ، خسارته التدريجية للكثيرٍ من قيمه كإنسانٍ محترم : نراه يحتال ، و يراوغ ، و يكذب ، و يسرق ، و يتوسّل من أجل كأس شراب ، بل و يكرر ذلك كل مرةٍ دون أي رادعٍ أخلاقي ، نراه يطردُ من مطعمٍ أمام الجميع بسبب سرقته لحقيبة سيدة كانت إلى جواره ، و لا يتورع عن التجوال في نيويورك بحثاً عن محلٍ يرهن فيه الآلة الكاتبة – مصدر رزقه في الأساس – بعدما بلغت عزيمته على العودة منتهى تدميرها ، و الأجمل من كل ذلك هو أن النص لا يحاول تصوير ذلك الإحساس بالإنعتاق على أنه احساسٌ دائمٌ قد يفقد الشخصية منطقيتها ، دون بيرنام بالرغم من كل هوسه و بحثه الدائم عن تلك اللحظات القصيرة من النشوة يبقى انساناً مدركاً لمأزقه ، يصر على جعل حبيبته هيلين تبتعد عن شخصٍ فاشلٍ مثله بالرغم من أنها لا تفعل ، هو يدرك جيداً حجم ورطته - و هذا أهم مافي الأمر كله – لكنه لا يستطيع فعل أي شيٍ تجاه ذلك ، و السبب في ذلك كما يراه النص هو الحاجز الذي يخلقه المدمن ذاتياً تجاه فكرة الإقلاع عن ادمانه ، نرى دون بيرنام عندما يستنفذ كافة فرصه في العودة إلى الحياة الطبيعية يبحث عن رصاصةٍ في الرأس تنهي كل ذلك ، لكنه في لحظة الصفاء الذهني تلك يجد نفسه بعيداً تماماً عن أي رغبةٍ في الشراب – بالرغم من أنها قد لا تصنع فارقاً – رافضاً توسلات هيلين له بتناول كأسٍ واحدة ، النص بالرغم من أنه يأتي في الأربعينيات حيث الكوميديا الرومانسية و أفلام النوار و أفلام الويسترن تسود على كل شيء يبدو أكبر بكثير من مجرد فيلمٍ يحاول تحقيق ريادةٍ في شيء ما ، هو لا يكتفي فقط بأن يكون واحداً من الأعمال المبكرة التي تناولت فلسفة الإدمان بل أنه يعالجها و يدرسها بعمقٍ ملفت ، و جماله في هذا الخصوص يكمن في مباشرته ، هو لا يرمّز ، لا يسقط شيئاً على شيء ، لا يبدي أي ملاحظاتٍ أخلاقيةٍ على الموضوع ، و لا يبوح لنا بأي عبر ، هو يجعل كل ذلك محمولاً على عاتق الحدث وحده ، و مع ذلك يلامسنا تماماً في كل ما يقدمه ، و هذا هو سحره الذي جعله عظيماً بقدر ريادته و سبقه .

لكن ما كان لكل هذا الحفر في شخصية و سيكولوجية المدمن أن يتحقق و يصل لولا العمل البديع من راي ميلاند على هذه الشخصية ، راي ميلاند يقدم في هذا الفيلم ادائه الخالد الذي لم يحقق مثيلاً له قبلاً أو بعداً ، الكوكتيل الذي كتبه وايلدر و براكيت في هذه الشخصية صعّب كثيراً من مهمة راي ميلاند في التصدي لها ، هي قبل كل شيء شخصيةٌ متوقدة ، وسيمة ، بشوشة ، ممتعةٌ في أحاديثها ، ذكيةٌ في علاقاتها الإجتماعية ، ذكيةٌ حتى في رومانسيتها ، لكنها – فجأة – تصبح دونيةً جداً بمجرد أن تشرب ، و برأيي أهم ما في ميلاند – الذي قضى يوماً كاملاً كمريضٍ في مصحٍ للإدمان على الكحول أثناء استعداده للدور – ليس فقط قدرته على صناعة ذلك الكوكتيل بمرونةٍ مدهشة ، بل أيضاً عدم خوفه من إظهار ذل الشخصية بالرغم من كل الجمال الذي فيها ، من النادر أن تشاهد ذلاً يحمل كل هذا الكم من الثقة دون أن يهز أركان الشخصية ، يبدو واثقاً مما يفعل ثقة دون بيرنام ذاته بما يفعل ، يتوحد راي ميلاند إلى حدٍ بعيد مع هذه الشخصية ، أمرٌ يزداد تقديرنا له اذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن تلك الحقبة لم تعتد على تقديم شخصياتٍ كهذه ، لم تعتد على مشاهدة شخصياتٍ خائرة العزيمة و ذليلةٍ بهذا القدر ، ضعيفةٍ امام شهواتها ، مفرّطةٍ بحبها ، و عاجزةٍ عن فعل أي شيٍ لإيقاف حياتها من الإنهيار ، و براعة ميلاند فوق ذلك تتجلى في قدرته على كسب تعاطفنا بالرغم من شناعته المتكررة و أخطائه التي لا تتوقف ، ميلاند هنا يبدو ابعد ما يكون عن المدرسة الكلاسيكية في الأداء ، في واحدةٍ من الحالات القليلة التي سبقت ظهور الأسلوبية بعد قرابة عقد ، ميلاند لا يبدو اطلاقاً كمن يؤدي وفقاً للورق و كيف يرى الورق هذه الشخصية ، هو يتشرب الورق أولاً ثم يؤدي بطريقة فهمه هو للنص ، يؤدي وفقاً لما يراه ، صحيح أن الأمر هنا يبدو بدائياً قياساً لقواعد المدرسة الأسلوبية و لا يمضي على أسسها ، لكنه كان أحد الأداءات المبكرة التي انعتقت إلى درجةٍ كبيرةٍ من جمود المدرسة الكلاسيكية ، و نظرةٌ سريعةٌ على أبرز الأداءات التي قدمها نجوم تلك الحقبة كفيلٌ بإيصال ما أريد قوله .

و فوق كل هذه العظمة في كتابة الشخصية و سبر عالمها و من ثم تقديمها أدائياً ، يتفوق بيلي وايلدر على نفسه من خلال عظمته الإخراجية المعتادة ، استاذٌ كبير يقدم هنا واحداً من أفضل انجازاته الإخراجية ، الأداءات الممتازة الأخرى التي حصل عليها من جين وايمان و فرانك فايلن و هوارد داسيلفا و دولوريس داولينغ ، اهتمامه بالتفاصيل و عمله المكثف على التصوير و الإضاءة و الجو الخانق الذي يعيشه دون بيرنام ، محاولته حصر كل ما نشاهد – بصرياً – بين دون بيرنام و الكاس الذي ينتظره كان بديعاً و مقدراً بحق ، و موسيقى ميكلوش روشا التي تبدو فريدةً جداً قياساً لحقبتها اعطت العمل جزء من جمال هلوسته البصرية ، و اللحظات الهستيرية التي يصنعها وايلدر في مصحة الإدمان أو في مشهد الخفاش و الفأر هي واحدةٌ من أعظمها و أكثرها تفرداً ، كل تلك الجزئيات خلقت بالنتيجة عملاً سينمائياً صلباً وحقيقياً وغير مصطنع على خلاف الكثير من أفلام حقبته ، و عندما ترتد إلى الوراء قليلاً لمشاهدة مقدار الجرأة في تقديم موضوعٍ كهذا ، من خلال صورةٍ هلوسيةٍ كهذه ، و عبر أداءٍ عظيمٍ كهذا ، و في عام 1945 ، لا تملك إلا أن ترفع القبعة !

التقييم من 10 : 10