الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

The Conformist

كتب : عماد العذري

بطولة : جان لوي ترانتينيان ، دومينيك ساندا ، ستيفانيا ساندريللي
إخراج : بيرناردو بيرتولوتشي

هناك نوعيةٌ ما من المخرجين اللذين لا تجد الكثير من الأعمال في مسيرتهم تستحق الوقوف طويلاً عندها ، ربما لأنها لا تقدم للجمهور الكثير مما يفضله أو ينتظره ، لكنهم بالرغم من ذلك يجبرون الجميع على الإعتراف بأهمية و خصوصية الفن الذي يقدمونه كبنيةٍ مكتملة الملامح ، و بضعة أعمالٍ مميزة فقط في مسيرة هؤلاء لا تكون كافيةً فقط لنيل اعجاب الجماهير و النقاد على السواء بل تذهب أبعد من ذلك في حفر إسمها ككلاسيكياتٍ خالدةٍ جداً في ذاكرة السينما ، من هؤلاء البريطاني جون بورمان ، و من هؤلاء الإيطالي بيرناردو بيرتولوتشي .

أخرج بيرتولوتشي فيلمه هذا الذي يقتبس روايةً للأديب الإيطالي الكبير ألبرتو مورافيا بعد خمسة أعمالٍ متوسطة القيمة و لا تكاد تذكر ، و كان هذا الفيلم بمثابة القنبلة التي انفجرت مطلع السبعينيات عندما كانت السينما في أوج مرحلة تحولها و انعتاقها من القديم في أوروبا و أميركا على السواء ، كتب بيرتولوتشي نص الفيلم بمفرده و جلب جان لوي ترانتينيان للقيام بدور البطولة إثر النجاحات المهمة التي حققها الرجل في أفلام Z و A Man and a Woman .

يحكي العمل قصة مارشيلو كليريسي ، شابٌ إيطالي في حقبة الثلاثينيات الموسولينية ، يوكل كنتيجةٍ لإنضمامه للشرطة السرية الإيطالية بتصفية بروفسور جامعي يساري لجأ إلى فرنسا و أنشأ هناك جمعية لمناهضة الفاشية ، مارشيلو كليريسي يجب أن يثبت وجوده من خلال هذه العملية ، حتى لو كان لوكا كوادري هو أستاذه السابق في الجامعة ، لكن الأمور لا تسير على النحو المنشود تماماً ، العاطفة التي تضربه تجاه آنا زوجة البروفسور الشابة ، و تبعات الماضي الأليم الذي عاشه ضمن أسرةٍ برجوازيةٍ مستهترة ستلقي بظلالها على مهمته المرتقبة .

الفيلم بدعةٌ سردية ، تعرف ذلك الشعور الذي يراودك عندما تنتهي للتو من فيلمٍ مبعثر الخطوط تنهيه بشعورٍ جميل بأنك شاهدت فيلماً جميلاً و معمولاً بحق ، ثم لا تلبث عندما تزول بعثرة الخطوط تلك في المشاهدة الثانية و الثالثة أن تتجاوز ذلك الإحساس إلى إعتبار الفيلم تحفةً سينمائية ، ذلك تماماً ما شعرت به عند أعادتي للفيلم قبل بضعة اسابيع ، يبدأ الفيلم قصته من اليوم المصيري الذي سيقوم فيه مارشيلو كليريسي و رجاله بتصفية البروفسور لوكا كوادري في أحد الطرقات الريفية ، أثناء رحلته في السيارة رفقة ظله الدائم المساعد مانغانييلو يعود الفيلم من خلال التناوب بين الـ Flash-Back و الـ Falsh-Forward لسرد القصة من البداية ، مارشيلو كليريسي الشاب البرجوازي الطموح الراغب الآن أكثر من أي وقتٍ مضى في أن ( يحيا حياةً طبيعية ) ، يتزوج كما يفعل البقية ، و ينضم إلى الحزب الفاشي كما يفعل الكثيرون ، و يؤمّن لما تبقى من عمره حياةً اعتياديةً تقليدية حيث الزوجة و الأولاد و المسيرة المهنية الناجحة ، هذا ما يبوح به لصديقه الأعمى إيتالو الموظف في الإذاعة و الرفيق في الحزب الفاشي ، كليريسي عثر على الفتاة ، حسناء برجوازية تدعى جيوليا ، زواجٌ يبدو تقليدياً جداً بين إثنين ينتميان إلى الطبقة ذاتها و لا يحملان العاطفة الكبيرة التي يمكن أن ترتقي إلى مستوى الحب ، الأمور تسير على ما يرام ، و إيتالو يلعب دوراً مهماً في تعريف كليريسي بالكولونيل الذي سيمنحه الفرصة للحصول على وظيفةٍ ضمن الشرطة السرية الإيطالية ، و هناك الكثير مما ينتظره لإثبات وجوده هناك ، من ذلك هذه المهمةُ السرية لتصفية لوكا كوادري و التي يبدو كليريسي على استعدادٍ حتى لإستخدام شهر العسل الباريسي الذي ينتظره كغطاء لقيامه بالمهمة ، يتخلل ذلك فلاشاتٌ أخرى لعلاقة مارشيللو بوالديه ، و للماضي الغامض الذي يخفيه عن جريمة القتل التي ارتكبها عندما كان في الثانية عشرة من عمره .

هذا الفيلم دراسةٌ سيكولوجيةٌ قويةٌ في شخصية الإنسان المداهن ، ذلك الذي لا يبحث عن الكثير ، و لا يطمح للبعيد ، و لا يريد أكثر من الحصول على ما يحصل عليه نظرائه ، و يكون على استعداد لركوب أي موجة و التعامل مع أي تيار لإبقاء حياته متوازنة و طبيعية ، على هذا الصعيد من الصعب أن تجد نصاً يقارع نص بيرتولوتشي على مستوى هذه الدراسة ، شخصية كليريسي شخصيةٌ مداهنة ، تريد أن تحيا حياةً طبيعيةً كما تقول ، ربما بدافع الهرب من ماضيها ، العلاقات التي ولدت معه ضمن عائلةٍ برجوازيةٍ مستهترةٍ ختمت حياتها على صورة أمٍ مدمنة و أبٍ يعيش في مصح ، أو العلاقات التي طرأت على حياتها كتلك النزوة الجنسية التي دُفع إليها من قبل سائقه الجديد و أثمرت عن جريمة قتلٍ إرتكبها دون أن يقصد ، ماضي كليريسي شديدُ الوطأة قياساً لشابٍ يريد الإستمرار معه ، لذلك هو يحاول قمع ذلك الماضي بأي طريقةٍ ممكنة و المضي قدماً في تأسيس الحياة الطبيعية التي ينشدها ، نراه يتزوج من جيوليا التي تكافئه في المكانة الإجتماعية و تغريه بجمالها و فتنتها على الرغم من كونه لا يحبها بالطريقة التي يمكن أن نتخيلها بين شخصين على وشك الإرتباط ، هو لا يتورع عن النظر بصورةٍ مريبة إلى خادمتها مثلاً ، و لا يتورع عن الوقوع في حب إمرأةٍ فاتنةٍ في شهر عسله مع جيوليا ، الحياة الطبيعية التي ينشدها مارشيلو تقتضي ذلك ، أن تسير الأمور كما تسير مع الكثيرين غيره ، جزئية تتجلى أيضاً في هوس القوة الذي يضربه و يغريه في الفاشية ، يراها أشبه بطوق النجاة في هذه المجتمع الإيطالي في تلك الحقبة ، و أن تصبح عضواً في الشرطة السرية الإيطالية هو شيء قادرٌ على منحك حياةً أفضل و مكانةً أهم ، و هو من أجل ذلك على استعدادٍ لفعل أي شيٍ من أجل إثبات وجوده في الشرطة السرية ، حتى لو قام بتصفية بروفسوره السابق ، صحيح أن الجبن الذي يصيبه قبل عملية التنفيذ يبدو منبثقاً عن قصته مع مسدسٍ قديمٍ أمسكه ذات يومٍ لم يكن سعيداً بالنسبة له ، هو جبانٌ و يعلم هذا ، هو غير قادرٍ على أن يقتل بيديه ، لكنه لا يتورّع – في سبيل إثبات وجوده في مكانه الجديد – عن رؤية من يحب تُقتل أمام عينيه بدمٍ بارد عاجزاً عن فعلٍ شيء لها ، يخبره الكولونيل بأنه شخصيةٌ مثيرةٌ بالنسبة له ، لا يراه خائفاً ، أو باحثاً عن المال ، أو مؤمناً بالفاشية ، و هي الدوافع الثلاثة التي تجعل الناس ينضمون للحزب الفاشي ، يبدو الكولونيل محقاً ، يغفل عن حقيقة أن الشخص الذي أمامه مختلف ، ذلك النوع المداهن الذي يريد الإنضمام لهذا الحزب لأن جميع من يحيون حياةً طبيعية ينضمون إليه ، و لأنه يريد أن يحيا مثلهم تلك الحياة الطبيعية .

من منظورٍ آخر يبدو توجه الفيلم في سبر العنف السياسي و مولّداته مثيراً للجدل ، يرى نص بيرتولوتشي بأن العلاقة بين العنف و السياسة تنبع في الأساس من الأثر البالغ الذي يحدثه الماضي في تلك الشخصيات أكثر من تأثير مفردات السياسة ذاتها ، هو يتحراه من خلال شخصية كليريسي و يترك ما تبقى لخيال مشاهده الذي قد يقنعه ذلك التفسير إذا ما نظر بعمق في الشخصيات التي انتهجت العنف السياسي عبر التاريخ ، كليريسي شخصيةٌ قلقةٌ جداً من ماضيها ، قلقها يترجم على وجهها عندما تسمع خبراً من والدة جيوليا عن رسالةٍ مزعجةٍ وصلت من مجهولٍ يحذر من إتمام زواج مارشيلو بجيوليا ، يبدو اثر الماضي جلياً بقدر ما تبدو رغبة مارشيلو في التخلص منه واضحةً و ظاهرة ، يرى النص في الشخصيات المداهنة نموذجاً مثالياً للتعبير عن ذلك ، هي على استعداد للتماشي مع أي طاريء ، و للتعامل مع أي ظرف طالما أن الأمور ستسير على ما يرام ، يرى بيرتولوتشي في هذا النموذج قوةً حقيقيةً لإيضاح رؤيته لنظرية العنف السياسي ، شخصياتٌ مثل كليريسي هي من تصنع الفارق ، شخصياتٌ خائفة من شيء قابع في ماضيها ، شخصياتٌ لديها رفضٌ داخليٌ قوي هي عاجزةٌ حتى عن مجرد التفكير فيه ، لذلك تبدو قويةً و متماسكةً و سهلة السيطرة ، لا توجد ولاءاتٌ حقيقيةٌ لدى شخصياتٍ كهذه ، و هذه جزئيةٌ تخدمها في تقدمها ، كليريسي لا يملك الولاء حتى تجاه زواجه ( الخطوة المهمة في جعل حياته طبيعيةً كما يقول ) ، نراه يستخدم شهر العسل كغطاء لمهمته ، و يقع في حب آنا و يتودد لها في شهر العسل و على مقربةٍ من وجود جيوليا ، بالرغم من كون آنا و زوجها مدركين لحجم خطورة الإقتراب من رجالٍ مثله ، و على الرغم من أن رفض آنا يبدو مبرراً من خلال العلاقة الشاذة التي تميل لتشكيلها مع جيوليا و التي تتجلى في مشهدين أحدهما رقصةٌ غريبةٌ يؤديانها على الملأ في لحظةٍ مبهجةٍ بحق ، إلا أن بيرتولوتشي لا يجعل الأمور بسيطةً إلى هذه الدرجة ، يبقي لدى مشاهده إحساساً واضحاً بأن رفض آنا لمارشيلو نابعٌ بكل بساطة من كشفها لحقيقته خصوصاً عندما تواجهه و تتهمه ، لذلك هو يرمم حاجز الثقة المهتريء من خلال تحذيرها من الذهاب مع زوجها في عطلة المنزل الريفي و يقنعها بترك زوجها و قضيته الخاسرة و الرحيل معه لبدء حياةٍ جديدة ، لكن آنا بالمقابل تستغل ولعه الشديد بها و ثقته بأنه لن يؤذيها في تسريب خبرٍ عن طريق جيوليا عن قرارها عدم الذهاب مع زوجها ، ربما لتمنح زوجها فرصة الفرار عندما يفاجأ كليريسي بوجودها معه ، لكن الثقة بشخصيةٍ عديمة الولاءات مثل كليريسي هي مخاطرةٌ بالغة الصعوبة ، كليريسي - الذي لا يمتلك سوى ولاءٍ وحيدٍ هو رؤية كليريسي يحيا حياةً طبيعية - يشرف على العملية بنفسه و يشاهد من يحب تقتل بدمٍ باردٍ أمام عينيه ، إنعدام الولاءات في شخصياتٍ كهذه هو ما يصنع طريقها في الحياة ، هي كما يراها النص شخصياتٌ تهرب من الماضي تجاه أكثر صور المستقبل المشرق توافريةً و نوالاً ، و هي لإنعدام ولاءاتها قادرةٌ على تحقيق ذلك لأنها تقدم كل ما من شأنه أن يجعلها على الطريق الصحيح ، لكنها في خضم هربها الحثيث من ماضيها تصنع – و دون أن تدري – ماضٍ جديد يمكن أن يطاردها في خطوتها التالية ، معادلةٌ ذكيةٌ ينسجها نص بيرتولوتشي البديع هذا ، هذه النظرة تتجلى في الختام بوضوح ، في عام 1943 حيث سقوط الديكتاتورية الفاشية ، مارشيلو يعيش حياةً سعيدة مع زوجته و ابنه ، يتلقى الخبر و لا يعنيه كثيراً ربما بسبب ولاءه الهش تجاه كل شيء بما فيها الفاشية ذاتها ، و يلتقي بإيتالو في ذروة الإحتفالات بسقوط موسوليني ، و يعثر بالصدفة على سائقه لينو الذي نجا يومها من حتفه ، و عندما يصرخ مارشيلو في الختام متهماً لينو بقتل البروفسور كوادري و زوجته آنا ، و يتهمه بالشذوذ ، و يصفه بالفاشي على الملأ ، يبدو هنا و كأنما هي إشارةٌ مباشرةٌ لعقدة الماضي الذي كان السبب في كل ما فعله مارشيلو ، يبدو ماضيه مع لينو سبباً في ماضيه مع الفاشية التي هي سببٌ في ماضيه مع البروفسور و زوجته ، متواليةٌ من سطوة الماضي ، تبدو اتهاماته تصويراً للينو بأنه السبب في كل ما جرى ، صورةٌ مرعبةٌ للماضي الذي لا يموت تختمها لقطةٌ تتويجية لمارشيلو الذي يلتفت إلى الوراء ليتأمل الرجل الذي كان يجري حواراً حميمياً مع لينو ، بيرتولوتشي يقول بوضوح أن هروبنا من الصور السيئة التي فتكت بنا في ماضينا هو مقدمةٌ لصناعة صورٍ أخرى لا تقل سوءاً و فتكاً عنها .

و بالرغم من أن هذا النص كان بديعاً إلى درجة أن يستنزف كل ذرةٍ من دماغك و أنت تتأمل في تفاصيله ، إلا أن براعة إخراج بيرتولوتشي لا تقل عنه في شي ، و ستحتاج لمشاهدةٍ أخرى أو مشاهدات لتستوعب تماماً ابداع بيرتولوتشي المخرج هنا ، أجمل ما في الأمر أنه يستطيع الحفاظ على قصته جميلةً و عميقةً في الوقت الذي يبقيها مثيرةً أيضاً ، هذا التفصيل لا يمكن إغفاله ، و بقدر اهتمامك بتفاصيل الدراسة التي يجريها النص على شخصية كليريسي تهتم أيضاً بالحدث و بالخطوة التالية و بالطريقة التي ستسير عليها الأمور ، نوعٌ خاصٌ من الإثارة الذي لا يطفو على السطح لكنه يتغلغل في اهتمامنا شيئاً فشيئاً ، بيرتولوتشي يبدع على هذا الصعيد و يرسخ بذات الوقت المفاتيح الإعتيادية التي طبعت سينماه حتى اليوم ، حيث الفخامة البصرية ، و الفتنة ، و الإغواء ، و الجنس ، و الشخصيات المنقسمة .

بصرياً يعيد الرجل تصميم بيئة إيطاليا الفاشية من خلال واحدةٍ من أجمل صور التصميم و تقنيات الإضاءة و التصوير في تاريخ السينما كله ، تصميم الإنتاج الذي أشرف عليه نيدو آزيني هو فتنةٌ لا تقاوم ، صورة تكاد تكون الأكثر جاذبية لإيطاليا موسوليني بكافة تفاصيلها ، و تلك اللحظات التي تشعر فيها بأن عينيك تستمتعان بتأمل الأماكن التي تراها ستكون كثيرةً في هذا الفيلم ، أهم من ذلك يجيء الإنجاز التصوير العظيم لفيتوريو ستورارو ، الذي لا أبالغ هنا عندما أقول بأنه يقدم واحداً من أفضل ما شاهدت في حياتي على مستوى توظيف الضوء و الظلال إلى الدرجة التي يمكن للرجل أن يقيم معها معرضاً فنياً للوحات التشكيلية الساحرة التي صفها إلى جوار بعضها في هذا الفيلم ، تأمل مشهد زيارة كليريسي لمقر الفاشية ، زيارته لمصح والده ، انعكاسات الظل في منزل جيوليا ، اللقطة المنخفضة ( التي أصبحت كلاسيكيةً بعد ذلك ) لأوراق الخريف المتطايرة ، لقاءه الأول مع البروفسور ، و المشهد الفاتن في القطار الذي هو أحد أجمل ما التقطت عين الكاميرا للشمس في فيلمٍ سينمائي ، تصوير هذا الفيلم – و منذ اللقطة الأولى – هو فنٌ قائمٌ بذاته بعيداً عن القيمة الرفيعة للعمل السينمائي كله ، يحلّق الرجل عالياً في استخدام الزوايا و الظلال و التناظر و التوازي البصريين ، يبدو الإطار البصري هنا إنعكاساً بليغاً لروح كليريسي ذاتها حيث تنقسم الصورة أكثر من مرة ، تنعكس على الزجاج ، أو ترسم ظلالاً على حائط ، تجسيدٌ بصري مباشر لشخصية كليريسي المنقسمة على نفسها ، حيث الشخصية البديلة التي يحاول دائماً الظهور عليها ، هناك مشهدٌ مهم للقاء كليريسي الأول بالبروفسور كوادري في مكتبه ، يفتح البروفسور ستائر النافذة مخبراً مارشيلو بأن الفاشي الحقيقي لا يتكلم بالطريقة التي يتكلم بها ، هنا يتلاشى ظل مارشيلو مع دخول الضوء للغرفة ، تصوير ستورارو وسيلة تعبيريةُ بالغة الأثر في هذا الفيلم ، لا أبالغ اذا ما قلت بأنها اثرت على أعمال أخرى كثيرةٍ في السبعينيات خصوصاً على مستوى لغة الضوء و الظلال التي استمر ستورارو في توظيفها لسنوات قبل أن يفوز بأوسكار افضل تصوير عن تحفة فرانسيس فورد كوبولا Apocalypse Now عام 1979 .

كثيرةٌ تلك الأمور العظيمة التي سأتذكرها من هذا الفيلم ، حبكته و سرده ، إيقاعه الموزون ، شخصيته بالغة الإحكام ، أداء ترانتينيان الذي يثبت أي ممثلٍ عظيمٍ كان ولا زال ، موسيقاه التي لا تفارق سمعي منذ شاهدت الفيلم أول مرة ، و اخراجه الفني الفاتن ، و تصوير ستورارو الذي لا يمكن الحديث عنه ،  تتذكرون ذلك الإحساس الذي تحدثت عنه مطلع حديثي ؟ نعم هذه تحفةٌ سينمائية مخلّدة .

التقييم من 10 : 10