الخميس، 11 فبراير 2010

An Education

كتب : عماد العذري

بطولة : كاري موليغان , بيتر سارسغارد , ألفريد مولينا
إخراج : لون سكيرفيغ

يحكي الفيلم السينمائي الخامس للمخرجة لون سكيرفيغ قصة جيني , تلميذة بريطانية مجتهدة في السادسة عشر من عمرها تقطن في ضاحية تويكنهام اللندنية عام 1961 , تحاول تحقيق حلم والديها بالنجاح و التفوق , كي تتمكن من الذهاب إلى جامعة أوكسفورد , لكن الأمور تتغير في حياتها مع ظهور ديفيد , شابٌ يهودي ثري و جذاب يكبرها بسنوات , يدخلها إلى عوالم ما كانت تحلم بإرتيادها , و يقدمها إلى مجتمع النخبة البريطاني , و يقودها إلى المطاعم و المسارح و المتاحف , و يحقق لها حلم الذهاب إلى باريس , قبل أن تكتشف بأن الأحلام الوردية لا تستمر للأبد .

يمثل هذا الفيلم التجربة الإخراجية الخامسة للمخرجة الدنماركية لون سكيرفيغ , التي تخرجت من مدرسة الدوغما لصناعة الأفلام , و حققت عام 2000 فيلماً بعنوان Italian for Beginners , و هو الفيلم الذي أصبح العمل السينمائي الثاني عشر الذي ينال موافقة قانون الدوغما لصناعة الأفلام , و بإستثناءه لم تقدم سكيرفيغ طوال الأعوام التالية ما يمكن إعتباره عملاً سينمائياً مهماً , حتى واتتها الفرصة الآن – في أفضل أعوام الإخراج النسائي في تاريخ هوليوود – مع هذا النص الذي كتبه نيك هورنبي إقتباساً عن مذكرات الصحفية البريطانية لين باربر .

تفتتح سكيرفيغ فيلمها بواحدة من أجمل تترات الإفتتاح لعام 2009 , تستعرض من خلالها بعض التفاصيل الممتعة المتعلقة بالحياة الدراسية , كتمهيد منطقي لصورة بطلتها جيني , و ما أن تظهر هذه الصورة حتى نقع في غرامها من اللحظة الأولى بفعل أداءٍ أخاذ من اللقطة الأولى تقدمه النجمة البريطانية الشابة كاري موليغان في أول دور بطولةٍ تقوم به , نستعرض من خلال هذه البداية النمطية التي تعيشها جيني – و أغلب من هم في سنها في بريطانيا الستينيات – حيث الأجواء العائلية المحافظة , و الطموحات البراقة التي تراود الأهالي برؤية أبناءهم طلاباً في جامعةٍ عريقةٍ مثل أكسفورد , و نتأمل عمل جيني على هوايتها – أو ما يفترض بأنه كذلك – في عزف التشيللو , دون أن نراوغ بعض النزوات المنطقية التي تستحوذ عليها خصوصاً عندما نراها تستلطف باكراً زميلاً لها في الصف , تقديم يكون كافياً لمعرفة نوعية الحياة التي تعيشها جيني في هذا المجتمع , و طموحات الإنفتاح التي تراودها , و التجربة الحياتية المحدودة التي تمتلكها , هنا يظهر ديفيد , و لا يستهلك نص هورنبي ( كاتب High Fidelity و About a Boy ) وقتاً طويلاً ليوقع جيني في شباك هذا الرجل الذي يكبرها بمثل عمرها , و مشهد اللقاء الأول بينهما تقدم فيه سكيرفيغ واحداً من أفضل مشاهد اللقاء الأول في عام 2009 , ديفيد يخبر جيني في لقاءه الأول بأنه يدرس في مدرسة الحياة , جملةٌ تبدو ذات وقعٍ خاص لدى المراهقة المقيدة , و لقاءٌ يبدو رائعاً وفقاً للفئة العمرية التي ينتمي إليها طرفاه , يبدو فيه ديفيد ( بفضلٍ أداء الرائع دوماً بيتر سارسغارد ) بكل وسامته و سحره وجاذبيته شخصاً غايةً في المثالية بالنسبة لجيني , و لعل أجمل مافي الفيلم في هذه المرحلة المبكرة فيه هو هذه السرعة التي يبني من خلالها علاقة جيني بديفيد بحيث يجعلها تبدو في ختام الفيلم كنزوةٍ أكثر من كونها علاقةً حقيقيةً تحتاج لبناءٍ تدريجي , و عندما تراه للمرة الثانية و يدعوها لحفلةٍ موسيقية , تحمل كاري موليغان ( التي تؤدي دوراً يصغرها بسبعة أعوام ) كل الثقل الملقى على عاتقها في صناعة سحر جيني لدى المشاهد و تلقي به بعنفوانٍ حقيقي على الشاشة , لتُظهر للمشاهد بصدقٍ مقدار اللهفة التي أصبحت تسيطر على هذه التلميذة المراهقة , و كمية السحر الذي إستقبلته من هذا الرجل الناضج الذي بدأ يشغل جزءاً من تفكيرها .

بعد ذلك تنجرف جيني في علاقتها بديفيد , يقودها إلى الحفلات الموسيقية , و المزادات , و المطاعم , و يقدمها إلى مجتمع النخبة البريطاني , و يرحل بها إلى أكسفورد , يتيح ديفيد لجيني رؤية كل ما حلمت برؤيته مستقبلاً , و يتيح لها الفرصة لتنضج قبل الأوان , و على الرغم من أن جيني كان يمكن أن تكون فتاةً غير متزنة , أو غير جميلة , مما يجعل ديفيد يبدو إغراءاً مثالياً لها إلا أن نص هورنبي لا يلجأ لذلك , جيني وفقاً لهذا النص فتاةٌ ذكية و مهذبة و متزنة الأمر الذي يلقي بمهمةٍ مضاعفة و ثقل أكبر على عاتق موليغان لإقناعنا بهذا الإنجراف , و هو ما تنجح فيه ممثلة الأربعة و عشرين ربيعاً بإمتيازٍ تام .

بالتوازي مع ذلك يستنزف نص هورنبي بعض جهوده لرسم حدود العلاقة بين والدي جيني و ما يحدث من حولهما , أهل جيني ليسوا أغنياءً أو متنفذين أو ذوو وضعٍ إجتماعيٍ خاص , أسرةٌ بريطانية تقليدية تتلخص طموحاتها في إرسال إبنتها إلى جامعة أكسفورد , حتى و إن كان هذا الأمر لا يعني الكثير للإبنة , و حتى لو تطلب ذلك فرض هوايةٍ معينة على الإبنة على الرغم من إعترافهم بأن الهواية بالذات لا يمكن فرضها على أحد , والد جيني ( يؤديه ألفريد مولينا في أحد أفضل الأداءات في مسيرته ) الذي يطمح للمظهر الإجتماعي من خلال إرسال إبنته إلى أكسفورد أكثر من رغبته بتعليمٍ أفضل ستناله هناك , يفكر على الرغم من هذا الطموح بتكاليف الدراسة الباهضة هناك , و بشكلٍ لا يختلف عنه تبدو والدتها أيضاً التي تفكر بمشاعر الآخرين أكثر من تفكيرها بمشاعر إبنتها , و عندما يظهر ديفيد في حياة هذه الأسرة , تبدو بعض مخططاتهم و كأنما أصبحت مهددة بفعل الخيارات الأخرى التي أتاحها وجود ديفيد لجيني , فيحاولون صنع حاجز حول إبنتهم , و على الرغم من رغبة والدي جيني حمايتها مما يجري إلا أنهم سذّج جداً في الواقع , و سرعان ما يقعون هم أيضاً في شباك ديفيد , الذي يبهرهم و يشعرهم بالأمان , و يبدو مع تقدم الأحداث خياراً مثالياً بالنسبة لهم وفقاً لهاجس المظهر الإجتماعي الذي يراودهم : إذا لم تتمكن جيني من الذهاب إلى أكسفورد , فعلى الأقل ستتزوج رجلاً وسيماً و ثرياً , يمكنه أيضاً أن يتكفل بمصاريف دراستها هناك , و إذا ما شعر المشاهد للحظة بأن ممانعة الأهل لإنجراف جيني مع ديفيد هي ممانعة جوفاء و ساذجة و مفتعلة , فهذا يعود في الواقع إلى أنهم لا يمانعون , أهل جيني هم جزء من هذه النقلة النوعية التي تعرضت لها بين مفهومي التربية و التعليم الذين يتطرق لهما هذا الفيلم , و جزء من هذه التجربة الثمينة التي عاشتها و تعلمت منها .

بالمقابل يبدو أجمل ما في إخراج لون سكيرفيغ هو ذكاءها في التعامل مع هذا النص بحيث أبقته – كما هو مفترض – بعيداً عن الرومانسية المفترضة بين البطلين , هذا الفيلم ليس رومانسياً بالمعنى التقليدي للرومانسية , الرومانسية المتشكلة في هذا الفيلم لا تحدث بين جيني و ديفيد , بل تحدث بين جيني و الفرص المتاحة أمامها , و المستقبل الذي ينتظرها , و المتع الموجودة في الحياة من حولها , جيني تحصل من خلال رومانسيتها هذه على تجربة ثمينةٍ و لا تعوض على الرغم من حجم الجرح الذي تتلقاه منها , لون سكيرفيغ تتمكن بإمتياز من إبقاء الوتر العاطفي بين جيني و ديفيد عند حدٍ معين , و التكثيف بالمقابل على التجربة الحياتية التي ستكتسبها جيني من علاقتها بهذا الرجل , و تجعل من ميلودراما الفيلم حدثاً جانبياً عابراً يأتي من الخلف و لا يهز الإيقاع فيه , ربما من خلال الصورة التي يجسدها نص هورنبي و أداء موليغان لجيني الذكية و الصلبة القادرة على التعلم من أخطاءها و تحمل المسئولية تجاهها , و ليست جيني الساذجة التي إستسلمت و إعتبرت نفسها ضحيةً لهذه الأخطاء , نص هورنبي يتعرض لإغراء النضوج , و أحلام النضوج الذي تراود من هم في سن جيني في قفز مرحلةٍ عمريةٍ إلى الأمام , و سكيرفيغ بطريقةٍ مماثلة تبقى وفيةً لهذا المحور و لا تحاول أن تبتعد عنه في إنجرافاتٍ عاطفيةٍ أو ميلودراميةٍ مفتعلة .

في اللب الحقيقي للنص يتعرض هورنبي للفارق الحقيقي بين التربية و التعليم , الفارق الذي إستمر في الإنسلال طوال الأحداث الماضية , و نحن نراقب التكثيف الشديد في النص على حقيقة تفوق جيني و براعتها في دروس التشيللو و صفوف الترجمة , و على الطرف الآخر التجربة الحياتية المحدودة للغاية التي حظيت بها في حياتها , هذا الفارق الذي يتجلى في أفضل مشاهد الفيلم عندما تواجه مديرة المدرسة ( تؤديها الرائعة إيما تومسون ) طالبتها المنتشية بخبر خطوبتها من فارس أحلامها متناسية تفوقها الدراسي و حلم الوصول إلى أكسفورد , في هذا المشهد الرائع تتجلى عقدة الفيلم الأهم , لون سكيرفيغ تظهر لنا هنا الفارق الغير مدرك بين التربية و التعليم , من وجهة نظر الآباء و المربين و من وجهة نظر الأبناء كذلك , ترى مديرة المدرسة بأن مستوى طالبتها قد تراجع بسبب الأحلام الوردية التي إنجرفت فيها جيني بعد تعرفها بديفيد , بينما ترى جيني ( في أفضل مقطوعات كاري موليغان الأداءية في الفيلم ) بأن ( التعليم ممل ) , و أن كل ما تتلقاه في حياتها هو التعليم , و لا أحد يهتم بالتربية , ليس لنقص وعي المربي , بل لجهله المعنى الحقيقي لها : ليس في توجيهنا للصحيح و الخاطيء , أو مالذي علينا أن نفعله و ذلك الذي يجب علينا أن نتجنبه , هذا الإملاء هو بحد ذاته تعليم , التربية كما تراها جيني هي في إتاحة الفرصة لنا لنجربه , و نعيشه , و نتعلم منه , و نكتشف الخطأ فيه , جيني تعلمت من تجربتها هذه الكثير عن الحياة , و الكثير عن الحب , و الكثير عن جيني أيضاً , الكثير عن الشيء الحقيقي الذي تبحث عنه أو تريد الوصول إليه , الفيلم – كما يظهر عنوانه – ليس رسالةً تحذيريةً من علاقة فتاةٍ برجلٍ يكبرها سناً , بل هو عن قيمة التجربة بحلوها و مرها , و الغنى الذي تضفيه على شخصيتنا , و التغيير الذي تحدثه في طموحاتنا و توجهاتنا .

و على الرغم من أن جيني بالنتيجة تبدو ضحيةً لنوايا ديفيد , إلا أنها أيضاً إستغلته بطريقةٍ لم تدركها لتحقيق بعض أحلامها , جيني كان يمكن لها أن تستفيق في أي مرحلةٍ من مراحل علاقتها بديفيد , لكنها لم تفعل , بل بالعكس بدت و كأنما تستمتع بلعب دورها , ذهبت معه إلى باريس , و حصلت منه على القبلة الأولى , و قضت معه ليلتها الأولى كذلك , و رأت كل ما يمكن أن تحلم به فتاةٌ في سنٍ كهذا , قبل أن تجد نفسها في سن السادسة عشرة مخطوبةً لشاب تحلم به الكثيرات من بنات جيلها , شابٌ ساحر و جذاب يعرف جيداً ما تحب و ما تكره , جعلها تعيش هذه الكذبة , بل و تشعرنا بأنها في الواقع ترحب بهذه الخديعة , لذلك يبدو ردها عند إكتشافها حقيقة ديفيد رداً محيراً و غير مفهوم , و نجدها تطلب منه الدخول لإخبار أهلها , و تنتظره لكنه لا يفعل , جيني أحبت لوهلة الإستمرار في هذه الكذبة , و غفلت عن حقيقة أنها كذبة حتى و إن كانت جميلةً إلى درجةٍ لا تصدق , جزءٌ جميلٌ و خفي في نص هورنبي نجحت أيضاً سكيرفيغ في تقديمه بذات الذكاء و الإختباء الذي هو موجود عليه في النص , و موليغان بالمقابل تنجح طوال هذا في تصوير جيني بطريقةٍ محبوبةٍ جداً , و تتمكن من جعلها ضحيةً لما يحدث , حتى عندما لا تكون , و تمنح نوعاً من الإشراق و المتعة لدورٍ يبدو حزيناً و معقداً على الورق , في أفضل أداءٍ نسائي رئيسي شاهدته خلال عام 2009 .

ما سلبني متعتي مع هذا الفيلم هو الإيقاع الداخلي للشخصيات في مراحل الذروة من الفيلم , و على الرغم من أن الإيقاع الخارجي للحبكة يبقى ممتازاً و غير قابلٍ للإهتزاز , إلا أن الإيقاع الداخلي يهتز بوضوح , و يشعرك في بعض مراحله بأنه يقدم شخصياتٍ مجوفةً و فارغة المعنى على الرغم من أنها ليست كذلك , تتطور الشخصيات فجأةً ثم ترتخي فجأةً أيضاً , الأمر الذي صنع تجويفاً لا يفترض أن يكون موجوداً فيه , و بالرغم من وجوده إلى أنه لا يهز الإيقاع الخارجي للفيلم , ربما لأن الإيقاع الداخلي يبقى متناسقاً في ( لا تناسقه ) حتى و إن لم تستطع تجاهل وجوده .

في الختام تلوم جيني والدها , لأنه زرع الخوف فيها من كثيرٍ من الأمور لدرجةٍ جعلها تنبهر بأول شيءٍ مختلف وجدته أمامها , و لم تستطع أن تمنع عقلها الباطن من الإنجراف معه , لكنها بالنتيجة تعلمت من تجربتها هذه , و تعود إلى توازنها فيعود إيقاع الفيلم كله إلى توازنه , و كأنما كان إيقاع الشخصيات مجنوناً لأن ما كان يحدث أمامنا ما هو إلا تطوراتٌ مجنونة , An Education عملٌ سينمائي ممتاز , نصٌ غني و حقيقي , إخراجٌ نسائي حذق لعقدةٍ نسائية الملامح , و أداءاتٌ محنكة من واحدٍ أفضل طواقم 2009 , في واحدٍ من أفضل أفلام 2009 .

التقييم من 10 : 9