الاثنين، 9 نوفمبر، 2009

Up

كتب : عماد العذري

بأصوات : إد آزنر , جوردان ناغاي , كريستوفر بلامر
إخراج : بيت دوكتر , بوب بيترسن (2009)

الفيلم السينمائي العاشر لميداس الأفلام الرسومية بيكسار , و أول فيلم رسومي على الإطلاق يفتتح مهرجان كان السينمائي الدولي , يأتي من إثنين من أعمدة الشركة المهمين بيت دوكتر و بوب بيترسن , في سابع تجربة إخراج مشتركة في مسيرة الشركة الممتدة لخمسة عشر عاماً , يتتبعان فيه قصةً عاطفية مؤثرة عن كارل فريدريكسن بائع البالونات العجوز الذي يقرر ذات يوم تحقيق حلمه القديم بالذهاب إلى شلالات باراديس في أميركا الجنوبية , لكن بطريقةٍ غير تقليدية بالمرة : ربط آلاف البالونات بمنزله الذي يحلق عالياً بالرجل نحو الحلم الذي رافقه و رافق شريكة عمره (إلي) على مدى سبعين عاماً .
في السماء يكتشف كارل فريدريكسن بأنه ليس وحده في هذه الرحلة الغريبة , فتى الكشافة راسل الذي يصغره بسبعين عاماً موجود في المنزل أيضاً , و راغبٌ أكثر من أي وقتٍ مضى في الحصول على الشارة التي تنقصه ليصبح كشافاً : شارة مساعدة كبار السن ! , رفقة لم تكن منتظرة أو متوقعة , لكنه يقبلها على مضض , كارل فريدريكسن يصل إلى المكان الذي لطالما حلم به , لكن الأمور هناك لا تسير على ما يرام , عندما تقابله الكثير من المتاعب : طائرٍ شديد الندرة يلتقيه رفيقا الرحلة و يطلقان عليه إسم كيفن (علماً بأننا نكتشف لاحقاً بأنها أنثى !) , و مجموعةً من الكلاب الناطقة (بمساعدة أجهزة خاصة موضوعةٍ مقابل أحبالها الصوتية) يقف وراءها آخر شخصٍ توقع كارل فريدريكسن رؤيته هناك : مثله الأعلى في الطفولة , المستكشف تشارلز مونتيز !.

الفيلم كتبه بيت دوكتر (الذي سبق له و أخرج فيلم بيكسار Monsters, Inc. و شارك في كتابة WALL.E) و بوب بيترسن (الذي شارك في كتابة Finding Nemo) و توم مكارثي , و أخرجه بيت دوكتر و بوب بيترسن في مشاركةٍ إعتدناها من الشركة التي حولت كل ما تلمسه إلى ذهب خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية , بيكسار في فيلمها السينمائي الطويل العاشر - و الذي كلفها 175 مليون دولار - تثبت مرةً تلو أخرى علو كعبها في ميدانها , و تفوقها الواضح على منافستيها الرئيسيتين في هذا المجال : DreamWorks و Fox من خلال نقطة غاية في الجوهرية : لطالما عودتنا Fox  و DreamWorks على التعامل مع أفلامها على كونها (منتجات) , منتجات بالمعنى الحرفي للكلمة , لذلك لا عجب أن نجد أكثر الأفلام الرسومية إيراداً على الإطلاق في شباك التذاكر العالمي يأتي من الأولى , و أكثرها في تاريخ شباك التذاكر الأمريكي يأتي من الثانية , بيكسار على خلافهما تتعامل مع أعمالها السينمائية كفن , كفنٍ حقيقي متكامل الأركان , فيه الحبكة العظيمة , و البناء المتقن , و الأصوات المثالية (حتى و إن خلت من أسماء نجوم الصف الأول) , و العمق الحقيقي , و الترفيه , أمورٌ يجعلها إجتماعها تحقق ما تصبو إليه في شباك التذاكر أيضاً .

الفيلم يفتتح بواحدة من أفضل المقدمات البيكسارية , و لو شئتم الدقة , بثاني أفضل إفتتاحية بيكسارية برأيي بعد الإفتتاحية التي أعشقها لفيلم The Incredibles ، نتتبع فيها من خلال شريطٍ سينمائي رحلة و أمجاد المستكشف الشهير تشارلز مونتيز , و مغامراته في أميركا الجنوبية , و المستحاثات التي عاد بها من هناك لمخلوقات ما قبل التاريخ , قبل أن يواجه بالرفض من قبل المجتمع بسبب الكشف عن زيف إكتشافه الجديد بخصوص طيرٍ غايةٍ في الندرة إدعى حصوله على هيكله العظمي , نتابع هذه الإفتتاحية من عيني كارل فريدريكسن الطفل , المبهور بمثله الأعلى في دنيا الإستكشاف تشارلز مونتيز , و في هذا العالم الخاص بالطفل يجد كارل من يشاركه ذات الإهتمامات , فتاة تدعى إلي (تؤديها ببراعة إلي دوكتر إبنة بيت الصغرى) , و من خلال علاقة كارل و إلي يقدم بيت دوكتر و بوب بيترسن ما أعتبره بحق أفضل مشهد في مسيرة بيكسار على الإطلاق , شريط مونتاجي صامت يستمر لمدة أربع دقائق و نصف يسرد من خلاله الرجلان رحلة كارل مع إلي منذ الطفولة و حتى وفاة إلي , مروراً بالحب , و الزواج , و صدمة عدم قدرتهما على الإنجاب , و حلم الذهاب إلى شلالات باراديس الذي يفشل بسبب ظروفهما الحياتية , هذا واحد من أفضل المشاهد الصامتة في تاريخ السينما , لم أشاهد منذ زمنٍ - لا أتذكره - قصة حياةٍ كاملة تسرد بمثل هذا الجمال , بمثل هذه الشاعرية , بمثل هذه العبقرية , هذا المشهد أكثر شاعريةً من أكثر المشاهد شاعريةً في حقبة السينما الصامتة , و كأنما بُعث شارلي شابلن من قبره ليصنع مقطوعته الرسومية الوحيدة , في أفضل مشهدٍ على الإطلاق - نعم - في مسيرة بيكسار .

عقب هذا المشهد يبدأ دوكتر و بيترسن التمهيد للمغامرة من خلال سردٍ تقليدي للحياة التي يعيشها كارل فريدريكسن بعد سبعين عاماً للقاءنا الأول به مطلع الفيلم , روتين يملأ حياة العجوز , منزله أصبح ضمن منطقةٍ عمرانيةٍ مكتظة لا تناسبه إطلاقاً , و مستثمرٌ جشع يطارده على أمل الإستيلاء على هذا المنزل , تماماً كما يضايقه الفتى راسل من أجل إكمال مجموعة الشارات التي يمتلكها , ملامح راسل الآسيوية و فارق العمر الكبير بين الطرفين و الطريقة التي يحاول بها كارل التخلص من راسل من خلال البحث عن الحيوانات المؤذية في الحديقة تقفز بصورة والت كوالسكي و الفتى الآسيوي في فيلم كلينت إيستوود الأخير Gran Torino البال مباشرةً , و هي صورةٌ لا يمكن مراوغتها أبداً عندما نجد كارل المتذمر يعيش الظروف ذاتها التي عاشها والت , و رحيل شريكة العمر لرجلٍ سبعيني يبقي هذه الصورة مثبتةً بوضوح أمام المشاهد , لكن مع فارقٍ جوهري : خيال كارل فريدريكسن أكثر خصوبة , و طموحاته أكبر مما يبدو , و حياته لن تتوقف هنا .

في هذه المرحلة يعمد النص إلى خلق المبررات المطلوبة لجعل قصة التحليق بالمنزل (التي يعرفها الجميع قبل مشاهدتهم للفيلم) منطقية , فيرسم الولع الشديد للرجل بزوجته و بالأيام السعيدة التي قضاها معها , و بالأحلام الوردية التي تشاركاها , و بالتفاصيل الصغيرة التي جمعتهما معاً , خصوصاً عندما نراه ما يزال محتفظاً بغطاء زجاجة الصودا الذي كان يمثل شعاراً لنادي المستكشفين في طفولتهما , لا بل أننا نشاهد إصراره الشديد على الحفاظ على كل شيءٍ في المنزل بالطريقة ذاتها التي كان عليها عندما تركته إلي , وترٌ رومانسيٌ يوازي بقوة ذلك الذي عزفت عليه بيكسار في تحفتها الماضية WALL.E  و محاولة خلق المشترك بين بطلي الفيلمين ليس أمراً يصعب على المشاهد : كلاهما وحيدان , كلاهما قليل الكلام , و كلاهما يخوضان رحلةً غير متوقعة بدافع إلتزامٍ تجاه المحبوب , و لا أستطيع هنا أن أتجاهل فكرة أن كلاهما مضلّعان أيضاً ! , نعم أتحدث عن الشكل , لم أستطع تجاوز المقارنة الواضحة التي يتعمد ربما دوكتر و بيترسن خلقها للمشاهد بين تضلّع كارل فريدريكسن و إستدارة راسل , ربما لخلق نوعٍ من التناقض بينهما , و لا أدري هل يمكنني أن أراوغ أيضاً الشبه العجيب بين كارل فريدريكسن العجوز و الأسطورة سبنسر تريسي في أفلامه الأخيرة , و من يتذكره في  Guess Who's Coming to Dinner سيعرف ما أقصده , المهم أن دوكتر و بيترسن و مكارثي يمسكان جيداً بوتر العجوز الوحيد و يلعبان عليه بذكاء لخلق المبرر المنطقي لتحليق الرجل بمنزله , ثم يعززانه بالمضايقات التي يتعرض لها من قبل المستثمر , قبل أن يكملا ذلك بالحكم الذي يصدر على الرجل من قبل المحكمة بعدما تسبب خطأً في أذية رجلٍ تسبب في تدمير صندوق بريده , هنا نشعر بضجر فريدريكسن من واقعه الجديد , و هنا يشعر هو بأن وقت المغامرة الأخيرة قد حان , و لن يختلف الأمر كثيراً على رجلٍ في العقد الثامن من عمره يعيش وحيداً بعدما تركته صديقة الطفولة و شريكة الحياة .

في هذا الفيلم تصل بيكسار للذروة بسرعة , ربما بسبب مدة عرضه التي لا تتجاوز الساعة و النصف , يحاول كتاب النص تجنب الفائض , و بناء مغامرةٍ و لحظات ذروةٍ مبكرة , و نشعر مع إنطلاق كارل بمنزله بأن هذه المغامرة قد بدأت , لكن و على خلاف ما يوحي به إسم الفيلم أو عرضه الدعائي أو حتى بوستره , فالمغامرة لا تكون هناك , في الأعلى , بل هي تبدأ بالفعل بعد وصول الرفيقين إلى أميركا الجنوبية , و مرحلة التحليق بحد ذاتها لا تتجاوز الدقائق العشر , و بإنتهاءها يدخل الفيلم في منعطفه الصعب : الإرتقاء بالمغامرة إلى مستوى النصف ساعة الأولى من الفيلم , و لا أعتقد شخصياً بأنه تمكن من ذلك .

في هذه المغامرة تحاول بيكسار – أكثر من أي وقتٍ مضى – أن تكون أصيلةً جداً في نصها , و في الوقت ذاته مغامرةً جداً أيضاً , و التوفيق بين الجزئيتين لا يكون سهلاً على صناعٍ أفلامٍ لطالما تعاملوا مع حبكاتٍ ذات مذاقٍ عالمي ونبرةٍ أزليةٍ تجعلها لا تشيخ , بالرغم من عالمية المضمون الذي تلامسه , بيكسار تنهج هذه المرة نهجاً غرائبياً في ترويض ذلك المضمون و هو أمرٌ لم نعتده منها , تصر هنا على إقحام بعض عناصر المغامرة بطريقةٍ لا تجد لها معنى عند إرتدادك للخلف لرؤية الصورة بشكلٍ أوسع , لطالما بدى هوس القائمين على بيكسار بالخيال الخصب لهاياو ميازاكي كامناً وراء بعض التفاصيل في أفلامها , و هي التي يديرها رجلٌ مهووس حتى الثمالة بسينما ميازاكي يدعى جون لاسيتر , في هذا الفيلم بالذات تقدم بيكسار أكبر تحيةٍ وجهتها لميازاكي طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية , و إنكار حجم التأثر الواضح لبيت دوكتر و بوب بيترسن بسينما الرجل و هم يبتدعون شخصياتٍ مثل الطائر كيفن أو الكلاب الناطقة , أو يقدمون منزلاً طائراً ثم متحركاً يشده رجل عجوز في الأسفل هو إنكار غير موفق , أولئك الذين يعشقون سينما ميازاكي سيجدون هذا الفيلم أقرب أفلام بيكسار إليه , و أولئك الذين ما يزالون يتذكرون Howl's Moving Castle سيشاهدون في هذا الفيلم Carl's Flying House !

المشكلة أن هذه الغرائبية التي ينهجها كتاب النص في صناعة المغامرة لا تبدو موفقةً تماماً , و لا تبدو مغامرةً محسوبةً تماماً من بيكسار , ليس لسوءها , بل لأنها لا تضيف أي شيء للقيمة الفنية أو (الرسالة) التي يقدمها العمل كما عودتنا بيكسار , تذكروا جميعاً مغامرات Bug's Life و Monsters, Inc. و  Finding Nemo و WALL.E في جميع هذه القصص كانت المغامرة جزءاً لا يتجزأ من العمق الفني للفيلم , و رحلة والد نيمو لإيجاد إبنه كانت بحد ذاتها العمق الرئيسي للفيلم , تماماً كحال القيمة الفنية الرفيعة التي تحملها مغامرة WALL.E لإيجاد محبوبته إيف و إعادة ذكرى الكوكب الأم لسكانه الذين هجروه , العمق بحد ذاته كان يتجلى في المغامرة , على خلاف ما نراه هنا , فلا الطير كيفن (الذي يقحمه النص لتوجيه رسالة حبٍ غير مكتملة المعالم) و لا الكلاب المتكلمة , و لا حتى إعادة ظهور تشارلز مونتيز تعزز العمق الحقيقي للفيلم , على الرغم من محاولة الفيلم في الكثير من تفاصيله الكلام عن الأثر الذي يتركه بعض الأشخاص في حياتنا على الرغم من عدم وضوحه حين نلتقيهم أول مرة , الأثر الذي تركه راسل , و كيفن , و دوغ (و جميعها شخصيات نبذها كارل في البداية) , و الأثر الذي تركه تشارلز مونتيز (و هي شخصيةٌ عشقها كارل لدرجة الهوس) , و قبل هذا كله الأثر الذي تركته (إلي) وراءها على الرغم من غرابة اللقاء الأول الذي جمعها بكارل , كل هذه المفاتيح لم تكن مفعلةً في المغامرة رغم حسن النوايا تجاهها , بمعنى آخر : مغامرة الفيلم لم تؤثر عليه سلباً لكنها منعته بقوة من أن يرتقي لموازاة النصف ساعة العبقرية التي إنطلق بها , و جعلته في الوقت ذاته أقل أفلام بيكسار كوميدية (أقل حتى منWALL.E ) على الرغم من كونه باعثاً على المرح و الإنتعاش , و عاطفياً إلى درجة العاطفة .

في الختام يقدم دوكتر و بيترسن لبطلهما فرصةً أخيرة لإدراك المعنى الحقيقي للحياة التي عاشها , رجلٌ يعيش ما تبقى من حياته على الذكرى , و كأنما يريدون القول بأن الذكرى بحد ذاتها هي حياةٌ كاملة , و عندما نشهد مع كارل تصفحه لمجلدStuff I'm going to do  الذي قررت أن توثق فيه زوجته مغامرتهما في شلالات بارادايس , و نرى (في واحدٍ من أفضل مشاهد 2009) كيف وثقت إلي كل لحظات حياتهما لأنها رأت بأن هذه هي المغامرة الحقيقية في حياتها , هنا تتجلى رسالة الفيلم ببساطةٍ و وضوح : المغامرة الكبرى ليست في الذهاب إلى شلالات بارادايس على متن منزلٍ طائر , المغامرة هي في حياتنا ذاتها , يمكنك أن تجدها بسهولةٍ في محيطك , و إلى جوارك , تعيشها مع من تألف , و تتشاركها مع من تحب , المغامرة هي أن تهب نفسك و حياتك و روحك لشخصٍ آخر , تحبه , للأبد ، المغامرة هي نحن , و الحياة هي نحن , و في الختام (إنه مجرد منزل) كما يقول كارل .

بالنتيجة هو تجربةٌ سينمائيةٌ مختلفة على الرغم من أنها ليست مثالية بنظري , تطرُق من خلالها بيكسار بعداً عاطفياً جديداً و غير مسبوق في مسيرتها , تقدمه للمرة الأولى بالكامل من خلال شخصياتٍ بشريةٍ (طبيعية و ليست خارقة)، Up لا يضاهي The Incredibles في مقدمته الرائعة فحسب , هو مثله تماماً : يليق فعلاً بإسمه  !

التقييم من 10 : 9