السبت، 3 أكتوبر 2009

رومان بولانسكي .. ما وراء الإعتقال ؟


كتب : عماد العذري

يوم السبت الماضي فوجئت الأوساط السينمائية بإعتقال المخرج السينمائي الشهير رومان بولانسكي في مطار زيوريخ عقب وصوله لإستلام جائزةٍ تكريمية عن مجمل مسيرته في مهرجان زيوريخ السينمائي الدولي , و جاء الإعتقال من قبل الشرطة السويسرية بموجب إتفاقية تعاون مع السلطات الأمريكية التي تطلب رومان بولانسكي منذ 31 عاماً بتهمة ممارسة الجنس مع قاصر في منزل جاك نيكلسون في ضاحية مولهولاند الهوليوودية .

و ينتظر أن تتقدم الحكومة الأمريكية خلال 40 يوماً و بناءً على إتفاقية التعاون تلك بطلبٍ لتسليم المخرج ذو الأصول البولندية و الذي يحمل الجنسية الفرنسية من أجل محاكمته , و يعيش بولانسكي منذ عام 1978 في فرنسا التي لا تتضمن إتفاقية تسليم المحكومين مع الولايات المتحدة , و عمل بولانسكي هناك لثلاثة عقودٍ كاملة و قدم العديد من الأعمال خلال إقامته في فرنسا بما في ذلك The Pianist , الفيلم الذي جمع له سعفة كان الذهبية و الأوسكار الأميركي و البافتا البريطانية و السيزار الفرنسي عام 2002 , و غاب الرجل ليلة 23 مارس 2003 عن حضور حفل الأوسكار الذي توّج فيه بأوسكار أفضل إخراج أمام مارتن سكورسيزي و روب مارشال .

و حاول رومان بولانسكي على مدى تلك السنوات إسقاط التهمة الموجهة إليه , بما في ذلك محاولة توجيه اللوم إلى القاضي الذي يتهمه بولانسكي بأنه ( أساء التصرف ) عندما رتب له إعترافاً مقابل تخفيف العقوبة ثم نكث بوعده , و عقب معرفة بولانسكي بمصيره في حينها هرب الرجل إلى فرنسا و أقام هناك لثلاثة عقود , و تزوج من الممثلة الفرنسية إيمانويل سينيه و أنجب منها ولدين .

و يعد مهرجان زيوريخ السينمائي الدولي مهرجاناً ناشئاً , و كان بحاجةٍ لأسماء كبيرة لتمنحه الزخم الكافي لدفعه في إنطلاقته , و رأت لجنة التحكيم فيه بأن تكريم رومان بولانسكي بجائزة شرفية عن مجمل المسيرة سيكون خبراً سعيداً لهذا المهرجان , لكن هذه الجائزة تحولت إلى جائزةٍ مشئؤمة و بدى المهرجان إستغلالاً سيئاً بالنسبة للسلطات السويسرية , التي واجهت إنتقاداتٍ شديدة من قبل لجنة التحكيم في المهرجان , و كذلك من قبل الجمهور الذي خرج في مسيرات تضامن خارج المسرح الرئيسي للمهرجان .

و ناشدت عدد من الفعاليات و الجهات الرسمية في فرنسا و بولندا ( اللتين يحمل بولانسكي جنسيتهما ) الحكومة السويسرية سرعة إطلاق سراح بولانسكي , كما رفع مجموعةٌ من أشهر مخرجي هوليوود عريضة إلى الحكومة السويسرية تناشدها الإفراج عن بولانسكي , و ضمت العريضة أسماء مارتن سكورسيزي و وودي آلن و مايك نيكولز و سام مينديس و دارين أرونوفسكي و ستيفن سودربرغ و بيدرو ألمودوفار و ألفونسو كوارون و جوناثان ديمي و تيري غيليام و جوليان شنابل و ديفيد لينش و توم تيكفير و نيل جوردان و ستيفن فريرز و ويس أندرسون و جيان جاك أنو و أوليفر أسياس و كوستا غافراس و أليخاندرو غوانزاليس إينياريتو و وونغ كاراواي و إمير كوستاريتشا و باتريس ليكونتي و كلود ليلوش و مايكل مان و أليكساندر باين و جيان بول رابينو و عبدالرحمن سيساكو و بيرتران تافيرنييه و جيوزيبي تورناتوري و تايلور هاكفورد .

و عاش رومان بولانسكي حياةً بانورامية منذ طفولته في أتون الحرب العالمية الثانية عندما إجتاح هتلر بولندا عام 1939 , و درس في المدرسة البولندية للسينما إبان الإحتلال السوفييتي لبولندا عقب الحرب العالمية الثانية و تخرج منها عام 1959 , و بدأ في إخراج الأفلام منذ منتصف الخمسينيات , و كان واحداً من أهم المخرجين الإنقلابيين في موجة السبيعينات الثورية حيث قدم منذ أواخر الستينيات مجموعة من أشهر و أكثر أفلام هوليوود خلوداً و إحتفاءً مثل Repulsion الذي أدار فيه أسطورة السينما الفرنسية كاثرين دينوف عام 1965 , و كلاسيكية الرعب الشهيرة Rosemary's Baby عام 1968 المتاثر مع قصة رومان بولانسكي الماساوية مع زوجته شارون تايت , و فيلم The Tragedy of Macbeth عام 1968 التي تكاد تكون النسخة السينمائية الأفضل لرائعة وليام شكسبير , قبل أن يقدم في عام 1974 أعظم إنجازاته السينمائية كلاسيكية النوار الشهيرة Chinatown التي رشحت لأحد عشرة جائزة أوسكار , و شكلت بداية صداقةٍ طويلة مع نجمه جاك نيكلسون الذي كان منزله مسرحاً للجريمة التي أعتقل بولانسكي مؤخراً بسببها .

في التاسع من أغسطس عام 1969 قتلت زوجته الحبلى في شهرها الثامن شارون تايت مع أربعة من أصدقاءها في جريمة شنيعة من قبل جماعة الموسيقي و المغني الغوغائي تشارلز مانسون الغاضبين من رفض المنتج توني ميلشر تسجيل ألبوم موسيقي لمانسون فإجتاحوا منزل ميلشر عازمين على قتل كل من فيه , دون أن يعلموا بأن ميلشر و صديقته قد تركوا منزلهم الذي إستأجره مؤخراً رومان بولانسكي و زوجته التي تنتظر مولودهما الأول , إجتاحت جماعة مانسون المنزل و قامت بقتل كل الموجودين طعناً حتى الموت على الرغم من توسلات شارون تايت و طلبها الرحمة من أجل طفلها الذي على وشك أن يولد , و هي الجريمة التي شكلت أعنف الصدمات التي تلقاها بولانسكي في حياته , عجزت الشرطة يومها عن إيجاد متهم , و بعد ذلك بأشهر جاءت إعترافات عصابة مانسون ضمن قضايا أخرى بمسؤوليتهم تجاه ما جرى , و لاحقاً تبرع رومان بولانسكي بكل ماله علاقة بشارون تايت محاولاً تناسي تلك المأساة المروعة .

لكن النقطة المحورية في حياة الرجل جاءت في عام 1977 عندما تورط في فضيحة تتعلق بمراهقةٍ في الثالثة عشرة من عمرها تدعى سامانثا غايلي أسفرت عن إعتراف بولانسكي بممارسة الجنس مع غايلي القاصر بعدما أقنع والدتها بأنه يرغب بأخذ بعض الصور لسامانثا من أجل تقديمها للنسخة الفرنسية من مجلة Vogue الشهيرة , وكانت ليلة التصوير الثانية التي جرت في 10 مارس 1977 في المنزل الشهير لجاك نيكلسون في منطقة مولهولاند ليلةً لن ينساها بولانسكي أبداً , حيث أجبر الفتاة على الإفراط في الشراب و تعاطي المخدرات ثم ممارسة الجنس .

و وجهت للرجل عدة تهم قبل أن تخفف إلى تهمةٍ واحدة هي ممارسة الجنس مع قاصر مقابل إعترافه , و حكم عليه بالوضع تحت التقييم النفسي لمدة 90 يوماً مع وقف التنفيذ من أجل السماح له بإكمال مشروعه السينمائي الذي كان قيد التصوير , و أطلق سراح الرجل بعد 42 يوماً من التقييم النفسي و أصبح على إستعداد لمواجهة الحكم النهائي في قضيته , لكنه هرب في الأول من فبراير عام 1978 إلى لندن حيث أقام ليوم واحد قبل أن يغادرها إلى فرنسا التي يحمل جنسيتها تفادياً لإمكانية تسلميه من قبل الحكومة البريطانية , حيث عاش حياته متنقلاً في البلدان التي لا تخضع لإتفاقيات التبادل مع الولايات المتحدة مثل بولندا و ألمانيا و التشيك , قبل أن تأتي لحظة الإيقاع بالرجل في مطار زيوريخ في السادس و العشرين من سبتمبر المنصرم.

و بدت العملية برمتها أقرب إلى المؤامرة , حيث تدخلت أطراف خفية لإعطاء تنبيه للسلطات الأمريكية بالموعد الدقيق لوصول بولانسكي إلى مطار زيوريخ , مع العلم بأن بولانسكي سبق له و زار سويسرا عدة مرات , بل انه يمتلك ايضاً شاليهاً هناك , الأمر الذي القى بالكثير من التساؤلات حول جدوى الإعتقال و توقيته , خصوصاً و أنه يأتي بعد أكثر من 3 عقود على القضية , و بعد أعوام على إسقاط سامانثا غايلي ( أصبحت تدعى الآن سامانثا غايمر ) حقها تجاه الرجل , القضية يمكن إستشفاف الكثير حولها من الفيلم الوثائقي المثير للجدل Roman Polanski: Wanted and Desired للمخرجة مارينا زينوفيتش و الذي نال عدداً من الجوائز عند عرضه صيف 2008 , و تطرق بشكلٍ مباشرٍ لأبعاد هذه القضية و إنعكاساتها على حياة بولانسكي , من خلال لقاءات زينوفيتش مع سامانثا غايمر و مع محامي الدفاع دوغلاس دالتون و الضابط روجر غانسون , و تتعرض للأقاويل التي تناولت بقوة محاولات لورانس ريتنباند ( المتوفي الآن ) لإسقاط رومان بولانسكي ( الشيوعي ) , و إن كان البعض قد عزا هذا الإستيقاظ المفاجيء من السلطات الأمريكية و التعاون الغريب من قبل السلطات السويسرية إلى محاولة الأولى تلميع صورتها و إظهار قدراتها في هذه الفترة التي تعاني فيها الكثير من الخيبات مع كل هذا الكم من المطلوبين الفارين في مناطق متعددةٍ من العالم , و محاولة الثانية مغازلة و كسب ود الأولى في قضية إعتقدت بأنها لا تعني شيئاً بالنسبة للكثيرين خصوصاً مع مرور ثلاثين سنة على حدوثها , الأمر الذي تؤكده العديد من الأصوات التي تعالت في سويسرا نفسها و من شخصياتٍ مهمةٍ هناك تنتقد التدخل السويسري في القضية , و آخرها جاء من كريستوفر بلوشر وزير العدل السابق الذي قال بأن توجيه إنذارٍ سابق لرومان بولانسكي بعدم زيارة البلاد كان لن يكلف شيئاً و سيعفي سويسرا من كل هذه الضجة , في إشارةٍ واضحة إلى النية المبيتة لدى السلطات السويسرية في ما جرى , على الرغم من غموض الأسباب ..

و تبدو القضية في طريقها إلى الحل قريباً مع إعلان رومان بولانسكي هذا اليوم إستعداده لدفع نصف مليون دولار كان إتفاقٌ سابق بين طرفي القضية قد توصل إليه عام 1995 تحت إشراف المحكمة , و هو الإتفاق الذي بقي سرياً لأكثر من عقد , إلا أن الوصول إلى ما وراء الأكمة ومعرفة ما تخبئه وراءها يبقى امراً عسيراً في هذه القضية , في إنتظار أن يبوح رومان بولانسكي نفسه بكل ذلك في يومٍ من الأيام .