الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

Public Enemies

كتب : عماد العذري

بطولة : جوني ديب , كريستيان بيل , ماريون كوتيار
إخراج : مايكل مان


واحدٌ من أكثر أفلام العام إنتظاراً , يأتي من المخرج المرموق مايكل مان في رابع أفلامه خلال هذا العقد , يتتبع فيه الجهود التي يبذلها عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي ميلفين بورفيس من أجل الإيقاع بأشهر سارقي المصارف في التاريخ الأمريكي الحديث جون ديلينجر الذي تحول إلى بطلٍ شعبي في البلاد إبان الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن الماضي نتيجة القناعة الشعبية بالدور الذي لعبته البنوك في موجة الكساد تلك , مراقباً الأثر الذي يحدثه وصول إدغار جي هوفر إلى قيادة مكتب التحقيقات و الدور الذي يلعبه في تضييق الخناق على ديلينجر و عصابته , بعدما أعلنه في طول البلاد و عرضها ( عدو الشعب رقم 1 ) .

الفيلم الجديد لمايكل مان كان يفترض أن يكون واحداً من أفضل أفلام العصابات التي يمكن أن يشاهدها المرء بناءاً على أمور عدة : نص يتحرى شخصيةً معقدةً مثل جون ديلينجر , إسم مخرج كبير مثل مايكل مان , و ( محبوب الشعب رقم 1 ) جوني ديب في مقدمة العمل , و حقيقةً فإن هذا الفيلم يسير على النهج الذي يفترض أن يكونه في بعض مراحله , إلا أن هذا النهج يراوغه و يتفاداه في مراحل أخرى , و المتعة المأمولة منه ينتقصها الكثير من العمل على التناقض الأخلاقي للشخصيتين الرئيسيتين فيه : جون ديلينجر و ميلفين بورفيس .

النص يحاول منذ البداية أن ينهج النهج الكلاسيكي في التمهيد لشخصيتيه , ربما هي رغبةٌ مسبقة لصناعة فيلم عصابات تقليدي , شيء أقرب إلى أن يكون كلاسيكية سينمائية , و هي رغبةٌ أحترمها بشدة لأنها تأتي في فترةٍ إفتقرت السينما لمثل هذه النوعية من الأعمال , النص ينطلق في تأسيسه على محورين , محور ديلينجر و محور بورفيس , على المحور الأول يحاول النص منذ البدايات أن ينسج خيوط التناقض الأخلاقي الذي إشتهرت به شخصية جون ديلينجر من خلال ترسيمه لعملية التمرد الإفتتاحية التي يقوم بها الرجل في سجنه و تسفر عن مقتل أحد رجال الشرطة على يد أحد رجال ديلينجر , في هذه العملية يعاقب ديلينجر رجله بقسوة و يرميه من السيارة في تجسيد باكر لشخصيةٍ روبن هوودية تعيش فقط و نصب عينيها هدفٌ واحد هو السرقة من البنوك , و هو الهدف الذي صنع لها السحر الحقيقي لدى عامة الشعب المقتنع بأن تلك البنوك هي السبب في كل ما يجري في فترة الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة مطلع الثلاثينيات , جون ديلينجر و كأنما يحاول مطلع الفيلم أن يخبرنا بأنه مجرمٌ فريد من نوعه , يخفي في جوفه إنساناً حقيقياً , و هذه الإنسانية المختبئة وراء قناع المجرم و التي تطل على المحيطين به من حينٍ للآخر هي ما صنعت منه أسطورة يتناقل الشارع أخبارها و تجدها الصحف مادةً دسمة لتحقيقاتها , على المحور الآخر يقدم النص شخصية بورفيس الجادة من خلال إستعراضٍ لمهارات الرجل في المطاردة و التعقب , في محاولة جيدة مطلع الفيلم لإعطاء إحساس بإحترافية الرجل , وفي محاولةً غير مقصودةٍ ربما لإظهار جموده الواضح أحياناً , وهو الجمود الذي سينعكس سلباً على الشخصية لاحقاً .

بعد أن يكشف النص عن نواياه تلك , تصبح آمال المشاهد كبيرةً فيما يتعلق بالشخصيتين , لكن للأسف , نجد النص يعاني كثيراً لمحاولة خلق البعد الروبن هوودي في شخصية ديلينجر , الفيلم للأسف يعرض فترة الكساد من عيون شخصياته الرئيسية , و هم في الواقع مجرمون أو رجال شرطة , و ينسى أن يعرضها من البعد الأهم لها : البعد الشعبي , فلا نشاهد للأسف الصلة التي تربط الشعب بهذا الكساد الذي يجثم على البلاد , و هي الصلة التي صنعت الرواج الشعبي الحقيقي لشخصية ديلينجر , الفيلم يعرض الكساد لكنه لا يعرض ضحاياه , يكتفي فقط بمحاولة إقناع مشاهده بأن الكساد حقيقةٌ قائمة , و هي محاولةٌ يمكن مجاراتها نوعاً ما بفضل ثقلٍ إخراجي من مايكل مان , لكن هذا الثقل وحده لا يكون كافياً لصناعة الملامح الروبن هوودية لشخصية ديلينجر , حتى عندما نشاهد ديلينجر يرفض مال موظف البنك و يصر على أخذ أموال البنك فقط , تشعر في الكثير من مراحل الفيلم بأن جون ديلينجر فيه الكثير من روكسي هارت أكثر من روبن هوود , ولع الرجل بالشهرة , و رغبته الخفية أن يصبح على لسان كل إنسان في البلد , تشعر بأن الرجل يبحث عن الصورة البراقة أكثر من بحثه عن الرضا الأخلاقي تجاه ما يقوم به , لم أستطع حقيقةً أن أراوغ روكسي هارت ( شخصية مسرحية و فيلم Chicago الأيقونية ) في هذا الفيلم , خصوصاً أنك تشاهد الكثير من المفاتيح المشتركة التي تحيط بالشخصيتين كرجال الشرطة و الصحافة و القضبان , جون ديلينجر وفقاً لهذا الفيلم ليس قريباً من روبن هوود سوى في تمرده , جون ديلينجر لا يسرق البنوك ليطعم الفقراء , كان يسرقها ليبقي نفسه في دائرة الضوء , تماماً كما يقول التاغ لاين الشهير جداً لفيلم شيكاغو If you can't be famous , be infamous ! , جون ديلينجر فعلاً في هذا الفيلم يحاول أن يكون عامداً رجلاً سيء السمعة , نجده يستمتع بكونه كذلك , و هو أمرٌ يجعل الشخصية ثقيلة و معتبرة و مصوغةً بإتقان في العشرين دقيقةً الأولى من الفيلم إذا ما تمكن المشاهد من مراوغة روبن هوود و رفض الصورة المسبقة لجون ديلينجر الروبن هوودي .

لكن بالمقابل لا نستطيع أن نتجاهل أن النص يحاول الإهتمام أكثر بمحيط جون ديلينجر و بيئته المباشرة و لا يكثف البعد الشعبي في الشخصية من الداخل , بمعنى آخر هذا النص لا ينجح في أن يجعل شخصية جون ديلينجر شعبيةً بشكلٍ حقيقي , هو يحاول ذلك لكنه لا ينجح في مقصده , لأنه يقدمها من وجهة نظر محيطها القريب و الأشخاص الذين هم على إتصال مباشرٍ بها , النص بذات الطريقة التي يفترض فيها الكساد كبيئة للفيلم , يفترض أيضاً شعبية ديلينجر , لأنه لا يؤسسها من الخارج , من المنظور الشعبي لها , و بالتالي يُفقد العمل السينمائي دافعه الأساسي و محوره الأم : ترسيخ نظرة الشارع للبطل الشعبي في لحظات المحن .

عقب ذلك يُدخل النص الوتر الرومانسي للفيلم في التوقيت الذي يحتاجه تماماً , و يُدخله بإندفاعية تبدو متهورةً نوعاً ما , لكنها تروض بطريقةٍ تستحق التصفيق بفعل الأداءين البراقين و الكيمياء العالية جداً بين النجمين جوني ديب و ماريون كوتيار , تماماً بذات الطريقة التي خدمت فيها الكيمياء العالية بين دانيال داي لويس و مادلين ستو نص فيلم مايكل مان الشهير The Last of The Mohicans , و مشهد الممثلين على طاولة المطعم يتحاوران للمرة الأولى هو واحد من مشاهد العام الكلاسيكية , تشعر في هذا المشهد بالإحساس الذي يريد مايكل مان لكل مشاهديه أن يشعروا به : شخصين يلتقيان للمرة الأولى لكنهما يشعران بأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن رغم إبقاءهما حاجز الإفتقار للمعرفة موجوداً , هذا الشعور يصلك كما هو , حرفياً , و الرقة التي يحملها ديب للجانب الرومانسي للقصة تدين بالكثير لجيمس باري نيفرلاند ( الذي قدم فيه جوني ديب أفضل أداءاته بنظري ) في تحوّل يستحق الإعجاب من رجل العصابة المتمرد في ثلث الساعة الأولى من الفيلم إلى رجل غاية في الرومانسية في الثلث الثاني منها , منطلقاً في المرحلتين من النقطة ذاتها : جاذبية ديلينجر و سعيه نحو إستغلالها بشتى الطرق , سواءً كان ذلك في أسر قلوب عشاقه من عامة الشعب كما يحدث في العشرين دقيقة الأولى , أو في أسر قلب هذه المهاجرة الفرنسية المهجّنة التي يراها في أحد المطاعم , جوني ديب و ماريون كوتيار يتوّجان بعداً عاطفياً غنياً صنعه النص في هذه المرحلة , و يغذيان الفيلم و إيقاعه المدروس لعشرين دقيقةً أخرى .

و بيلي فريتشيت التي وثقها التاريخ كحب ديلينجر الأوحد تستحق وقفة تأمل , بيلي كانت حالةً خاصة في حياة الرجل , فتاة جميلة , ساذجة , خاوية الأمل , لكنها عذبة الروح , مهجنة بنصفٍ فرنسي و آخر من الهنود الحمر , ذلك النوع من النساء الذي يمنح العاطفة بسخاء , و لا يبحث سوى عن رجلٍ يشعر معه بالأمان , هذه البنية المعقدة صنعتها بإحترافية الأوسكارية ماريون كوتيار في أول أدوارها منذ تتويجها بالأوسكار قبل عامين عن أداءها لدور الأسطورة الفرنسية إديث بياف في فيلم La Vie en Rose , و ما يثيرني أكثر هو أن كوتيار تصنع الشخصية بعفوية عجيبة و إنسيابية تبعث على الإنشراح , إنسيابية كانت تحتاجها الشخصية بشدة لتتواءم مع ممثل في جاذبية جوني ديب , هذا التوائم الذي خلقته اللحظة بين الممثلين جعلني أصدق تماماً – في حالةٍ لا تحدث معي كثيراً – بأن ديب أغوى كوتيار و أوقعها في حبه , شعرت بهما و قد كسرا الحاجز للحظة ليصلا بالمشهد إلى الإقناع الذي ينشده , و ينجحا في ذلك , و هو الإقناع الذي يرافق سائر مشاهدهما معاً , و عندما يتسرب الشك إلى قلب بيلي تأتي جملة ديلينجر ( أستطيع أن أسرق أي مصرف أريده , في أي وقت , لذا يجب أن يكونوا في كل مكان , طيلة الوقت ) بحس إقناع ممتاز من ديب يتبنى فيه نغمة صوت متوسطة لكنها واثقة أكثر من كونها متسلطة , موزونة بطريقة تشعرنا تماماً بالعاطفة التي يحملها الرجل لهذه المرأة , و بالمقابل يأتي ذلك الإنكسار الساذج من بيلي ليوافق تلك النغمة في مستوى كيمياء عالي من ماريون كوتيار .

خلال هذه المدة كلها من الفيلم يخطيء النص في إدراك المساحة الواسعة الخاوية الموجودة بين طرفي الصراع في القصة , حيث يعجز لسببٍ لا يبدو واضحاً تماماً في خلق المشترك بين الشرطة و اللصوص و جعل الطرفين يتواجدان على الطاولة ذاتها , لا تشعر في الكثير من مراحل الفيلم بأن طرفي الصراع هنا يتشاركان القصة ذاتها , هناك لصوصٌ هاربون من الشرطة , و هناك شرطة تطارد لصوصاً , لكنك لا ترى المشترك الذي يجعل هذه القصة موحدة و مترابطة , لدرجةٍ تفلت فيها القصة الرومانسية بين ديلينجر و بيلي في بعض مراحل العمل لتصنع فيلماً قصيراً مستقلاً عن كل ما يجري , و بالمقابل لا تكون شخصية ميلفين بورفيس قد بنيت و أسست بالشكل الذي يجعلها جذابةً كفاية لتوازن و تسيطر على القصة الهاربة و تعيدها إلى معاقل الفيلم , أمرٌ ذكرني بشخصية الجوكر في فيلم كريستوفر نولان The Dark Knight العام الماضي , شخصية الجوكر تبهت و تكاد تختفي في أول الثلث الثالث من الفيلم , لكنها في تلك المرحلة من لعبة القط و الفأر كانت قد أُسست و بنيت بطريقةٍ جعلتها الجاذبية الرئيسية للفيلم التي تشعر بأنها تسير الأحداث و تربطها ببعضها حتى و إن لم تظهر بذاتها , في لعبة القط و الفأر التي يديرها مايكل مان هنا : هناك شخصية غاية في الجاذبية تغرد خارج السرب من خلال قصةٍ عاطفية مفاجئة تكاد تخلق فيلماً رومانسياً ضمن فيلم عصابات , لكنها لا تجد شخصيةً تكافئها في الجاذبية تبقيها ضمن فلك القصة الرئيسي و لعبة القط و الفأر التي ينشدها , لذلك نجد جوني ديب يستمتع كثيراً بشخصيته على النقيض تماماً من كريستيان بيل , جوني ديب يأخذ روح شخصية ديلينجر لكنه لا يبدو مهتماً كثيراً بتفاصيلها ( و هو أمرٌ عابه البعض عليه ) بينما يبدو كريستيان بيل مقيداً جداً و كأنما يؤدي دوره مغصوباً , هنا يختل التوازن المفترض في لعبة القط و الفأر , و أولئك الذين راق لهم مقارنة هذا العمل بفيلم مايكل مان الشهير Heat من منظور لعبة القط و الفأر ذاتها أراهم يبالغون كثيراً في تقديرهم , هناك توازن معين يبقي هذا الفيلم على العصا التي تصل فيلمي مايكل مان الشهيرين Heat و The Last of The Mohicans , و بنظرة ثاقبة سنجد أن هذا الفيلم لا يمسك العصا من منتصفها , في هذا الفيلم الكثير من The Last of The Mohicans أكثر بكثير من حجم Heat فيه , فقصة التمرد و المطاردة المعززة بقصة رومانسية مخدومةٍ بكيمياء عالية بين طرفيها و التي يقدمها The Last of The Mohicans هي الصورة الأقرب لتشخيص Public Enemies أكثر من صورة رجل الشرطة الذي يطارد مجرماً ذو تاريخٍ دامٍ التي يقدمها Heat , لسببٍ بسيط هو إفتقار نص Public Enemies لما يجعل هذه المطاردة تحدث بين ندين حقيقيين كما يحدث بين آل باتشينو و روبرت دي نيرو في Heat , و هو ذات السبب الذي يخلف وراءه العديد من الثغرات و يخلق الكثير من المساحات غير المشبعة في الفيلم , لدرجة لا تستطيع معها مراوغة الشعور بأن هذا الفيلم كان ليكون أفضل لو كان فيلماً أطول مما هو عليه , أو حتى لو كان Mini Series مثلاً , جزئية تتأكد تماماً عندما ترتفع وتيرة الإثارة في الفيلم بمجرد مشاهدتنا لمواجهةٍ مباشرةٍ بين الرجلين عندما يزور بورفيس ديلينجر في زنزانته , مشهد بمجرد مشاهدته ستشعر بأن الفيلم كان يحتاج كثيراً لذلك الإحساس بالتحدي و الترقب الذي يخلقه هذا المشهد , تتمنى لو كانت لعبة القط و الفأر موجودة بالقيمة ذاتها التي يصنعها هذا المشهد على صغره .

بالمقابل من كل هذا لا يمكن للمرء أن ينكر المشهدية الرفيعة التي لطالما عرف بها مايكل مان و التي تبدو في واحدةٍ من أفضل صورها في هذا العمل , يبدو مايكل مان في قمة نضجه و هو يتعامل مع هذا العمل التصويري المحترم من دانتي سبينوتي , هناك الكثير من المشاهد التي تستحق التقدير للعمل الإخراجي من مايكل مان , يحضرني هنا مشهد جون ديلينجر في السينما , و مشهده عندما يدخل مع بيلي إلى قسم الشرطة , أو ذلك الذي تُعتقل فيه بريتشيت أمام عينيه , و مشهد الـ Slow-Motion الذي يقتل فيه ديلينجر على غرار كلاسيكيات العصابات , دون أن ننسى 15 دقيقةً من تبادل إطلاق النار بين الشرطة و رجال ديلينجر , و المشهد الختامي الرائع الذي يخبر فيه رجال الشرطة بيلي بكلمات ديلينجر الأخيرة , مايكل مان يثبت مرةً تلو أخرى بأنه مخرجٌ محترم , مخرج يشعرك بقيمة كلمة ( إخراج ) مهما كانت نوعية النصوص التي يتعامل معها , أو الممثلين الذين يديرهم .

الفيلم الجديد لمايكل مان فيلم عصابات جيد , نزهةٌ ممتعة في متحفٍ جميل فيه كل ما عرفناه عن أفلام العصابات في شيكاغو : الشخصية الجذابة , لعبة القط و الفأر , القصة الرومانسية , الهروب , لكنك تجهد تفكيرك أحياناً في محاولة تنسيق كل تلك الصور التي تشاهدها لتكمل متعتك كما يجب , أولئك الذين يعشقون أفلام العصابات قد يعجبهم هذا الفيلم , أولئك الذين يثقون بمايكل مان لن تهتز ثقتهم بالرجل في هذا العمل , أما أولئك الذين يعشقون جوني ديب فهذا الفيلم سيقدم وجبة لذيذةً منه .


التقييم من 10 : 7