الجمعة، 18 سبتمبر 2009

Oldboy

كتب : عماد العذري

بطولة : تشوي مين سيك , كانغ هاي جيونغ , يو جي تاي
إخراج : بارك شان ووك

(( ماذا يمكنك أن تقول عن فيلم لا يحتوي واحدة , ولا إثنتين , بل ثلاث من عمليات الجراحة الفموية !!! )) الناقد ديفيد توماس .

ديفيد فينشر يقدم فيلمه الآسيوي الجديد عن معالجة المركيز دو ساد الخاصة لـ (( أوديب ملكاً )) !!

ربما إندهش الكثيرون عندما علموا أن الفيلم الوثائقي الأخير للمثير للجدل دوماً مايكل مور ( فهرنهايت 9 / 11 ) ظفر بالسعفة الذهبية كبرى جوائز مهرجان كان السينمائي الدولي .. منبع الدهشة لم يكن من تكريم كان لمور المبغوض من حكومة بلاده .. ولم يكن من كونه فيلماً وثائقياً .. ولم يكن من كونه صاحب أطول مدة تصفيق في تاريخ السعفات الذهبية .. منبع الدهشة في الواقع كان مرده إلى أن قائد الأوركسترا في لجنة تحكيم المهرجان كان رجلاً أمريكياً يبدو بعيداً كل البعد عن مثل هذه النوعية من الأعمال , يدعى ( كوانتين تارانتينو ) .. الأمر الذي دفع البعض لإعتبار المسألة برمتها لعبة سياسية .. لكن ذلك الإندهاش سرعان ما تلاشى مع أنباء الإعلان عن الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى ( الجائزة الثانية من حيث الأهمية وإن كانت لا تقل عن السعفة في شيء ) .. زالت الدهشة لأن الكثيرين إعتبروا أنه ماكان لفيلم كوري مفرط في ساديته .. مسرف في دمويته أن يكرم هناك لولا وجود تارانتينو رئيساً للجنة التحكيم .. نقول هذا فقط لأنه فيلم من نوعية تلك الأفلام التي يقف بعد عرضها كوانتين تارانتينو ربع ساعة كاملة مصفقاً بحرارة وهو يهتف ( A Masterpiece ! ) ..

المركيز دو ساد القادم من كوريا هذه المرة شاب يدعى بارك شان ووك .. بدأ إهتمامه بالسينما في الكلية في جامعة سوغانغ الكورية وبعد تخرجه من قسم الفلسفة عمل كمخرج مساعد للمخرج غواك جي يونغ لمدة أربعة أعوام 1988- 1992 قبل أن يستقل بنفسه ويبدأ بإخراج أعماله الخاصة .. حيث تنقل بين دراما العصابات والكوميديا .. قبل أن تفتح الشهرة له أبوابها عندما قدم رائعته الأولى (Joint Security Area ) عام 2000 حول جريمة قتل ترتكب في المنطقة منزوعة السلاح بين كوريا الشمالية والجنوبية .. هذا الفيلم الذي غدا حينها الضربة الأكبر في تاريخ شباك التذاكر الكوري ( قبل أن يخلعه لاحقاً فيلم Shiri الذي تناول أيضاً العلاقات الكورية – الكورية ) ورغم أن هذه الضربة إعتمدت كثيراً على التأثير الذي أحدثته لدى الشعب الكوري ( خصوصاً مع بدء ذوبان الجليد في العلاقات بين البلدين ) لكن الفضل الأكبر فيها كان يعود لقصة مؤثرة وإخراج محنك قدمه ووك ..

هذا التوجه لصناعة هذه النوعية من الأفلام لم يتم الحفاظ عليه لاحقاً .. بل شهد تحولاً شنيعاً نحو مشروع ثلاثية متعاقبة تتناول موضوع الإنتقام .. إفتتحها ووك عام 2002 بفيلم Sympathy for Mr. Vengeance الفيلم الذي ضخ فيه جرعة ثقيلة من العنف والتعذيب والرغبة في تحطيم الآخر .. فيلم تناول بدموية فكرة كيف يمكن لأناس عاديين أن يرتكبوا بسهولة افعالاً في غاية الشناعة إذا لزم الأمر .. ومع الإستقبال العادي للفيلم ( الأول ضمن الثلاثية ) لم يكن ووك يحلم مطلقاً بأن يصبح بعد عامين منه النجم الأول لمهرجان كان السينمائي الدولي عندما قدم إليه حاملاً الجزء الثاني من ثلاثيته Oldboy ..

في فيلمه هذا يتناول ووك قصة أوه دايسو رجل أعمال كوري إشتهر بمعاشرة النساء والسكر كل ليلة .. الأمر الذي يضطر الشرطة كثيراً لإحتجازه بسبب المشاكل التي يثيرها .. في إحدى الليالي يطلق سراحه من الحجز ليجد نفسه بعد بضع دقائق ولأسباب لا يفهمها محتجزاً في غرفة مغلقة النوافذ .. دون أي معرفة بمن هم سجانوه ولماذا فعلوا به ذلك .. وسيلة تواصله الوحيدة مع العالم الخارجي كان جهاز تيلفزيون ووجبة يومية من الفطائر المقلية يحصل عليها من فتحة صغيرة أسفل باب الحجرة .. ما إعتقد أو دايسو أنه إحتجاز لبضعة أشهر .. إمتد ليصبح خمسة عشر عاماً !!! ليخرج بعدها وفي رأسه الكثير من الأسئلة تبحث عن إجابة .. وهدف واحد لا يريد له آخراً في ماتبقى من حياته .. هو الإنتقام .. قبل أن يتحول الموضوع برمته إلى أسرار سوداء .. وقصة ثأر إستثنائية .. ومنعطفات لم تسبق أن شهدت السينما مثيلاً لها من قبل ..

عبر هذه المسرحية ثلاثية الشخوص ( المقتبسة عن قصص كوميكس يابانية Manga حملت العنوان ذاته للكاتبين ميناجيشي نوباوكي و تسوشايا غيرون ) .. يقدم بارك شان ووك نظرته الخاصة لتفاصيل الرغبة الإنسانية المتجذرة في الإنتقام .. هذه النظرة التي بدأها نظرياً في أول أفلام ثلاثيته Sympathy for Mr. Vengeance لكنه أوصلها عملياً مع فيلمه هذا .. في تجريد هذه النظرة .. هناك الكثير من القتامة .. قتامة ربما توازي قتامة الإنتقام ذاته .. إن لم تتجاوزها في مراحل عديدة .. قتامة منبعها الأساسي يأتي من مغازلة شان ووك الذكية للجوانب السادية في كل منا .. ذلك الجانب الخفي , الذي لا يطبعنا بطابعه في تصرفاتنا .. لكنه يظل موجوداً على الدوام .. يظل موجوداً في تلك الرغبة الخفية لدى كل منا في مشاهدة كل ماله علاقة بالعنف .. بالدموية .. ذلك الهوس لدى العديدين في مشاهدة أفلام الرعب .. أو ذلك الذي نلمسه لدى آخرين تجاه مشاهدة شلالات الدم .. والأشلاء المتناثرة .. وهي مغازلة رغم غرابتها .. لكنها تحترم بشدة بسبب حرصها الشديد على ألا تأتي عبثاً ودون هدف يذكر .. شان ووك يتعامل مع تلك الرغبة .. ومع تلك الجوانب .. بحرفية يحسده عليها كبار مخرجي العالم .. يحافظ فيها وبذكاء يصعب تواجده على توازن فريد بين مايريد أن يقول .. وكيف يجب عليه أن يقوله .. عندما أتأمل عمله في هذا الجانب تقفز إلى ذهني تلك العبارة التي قرأتها عقب مشاهدتي له أول مرة للناقد الأميريكي روب ثوماس (( لا يوجد ناقد سينمائي حاول قولها , لكنه يجب أن يفعل متى سنحت له الفرصة : لم تشاهد شيئاً مثل Oldboy من قبل ! )) .. وأعتقد أنه أصاب بها كبد الحقيقة ..

الشيء الأبرز في العواطف التي يفرضها هذا العمل هو ذلك التعامل المحنك مع مسألة ( نسبية العاطفة ) .. عبر إعتماد حبكة ( السارق يبقى ظالماً حتى يتم قتله .. عندها فقط يصبح مظلوماً ) .. النظرة التجريدية تقول أن طرفي الإنتقام في Oldboy مذنبان بشكل أو بآخر .. كلاهما إرتكب جرماً يستحق أن يعاقب عليه .. لكن العاطفة تجاه ما فعلاه ترتبط بالنسبية إرتباطاً وثيقاً بمجرد فرض العقوبة .. هذه العقوبة التي تأتي أضعاف أضعاف حجم الجرم الذي إرتكب تدفعنا لا إرادياً للتعاطف مع شخصية على حساب الشخصية الأخرى .. وهو تعاطف بلغ درجة مفرطة مع تقدم الأحداث ربما بسبب قسوة ذلك العقاب .. ذلك الإفراط الذي إنهمر تلقائياً طغى حتى على عقدة الذنب ذاتها حتى تلاشت تماماً عن ناظري المشاهد ..

والحديث عن العقاب يقودنا بشكل أو بآخر إلى الحديث عن الإنتقام .. فرسالة الفيلم الأهم تصب في مجراه .. بارك شون ووك يبعث عبر هذه السادية المفرطة رسالة شديدة الوضوح مفادها أن الإنتقام قد يكون في حالات كثيرة أكثر إضراراً بالمنتقم منه بغريمه .. أوه دايسو نفذ إنتقامه الذي إنتظره 15 عاماً .. إنتقام تجاوز به أزلية ( لماذا ؟ ) التي لازمته طوال تلك السنوات ليصبح هماً رئيسياً وأسلوب معيشة طبع كل تفاصيل حياة أوه دايسو بعد تحريره لدرجة لم يعد يستطيع بعدها التراجع عنه .. قبل أن يصبح واجباً مقدساً بعد معرفة ذنبه وبعد مقتل صديقه .. لكن تلك الرغبة بالإنتقام ألحقت به بعد ذلك ضرراً أكبر بكثير مما لحق بخصمه ( على خلاف مانشاهده في سائر أفلام الإنتقام ) .. فالهاجس الذي يلازمنا طوال الفيلم هو معرفة ما سيفعله رجل سُجن 15 عاماً بغريمه .. ومدى قسوة الإنتقام الذي سينفذه .. لكننا نصدم بالصورة معكوسة لننتظر ما سيفعله غريمه به !!

بارك شان ووك ينبذ فكرة الإنتقام عبر معالجة شديدة القسوة .. يبدو فيها إنساناً عديم الرحمة , تماماً كمن يحاول أن يقتل شخصاً لكي يعلمه أن يصمت .. وهو تعامل رغم قسوته كان يحتاجه المشاهد بشدة كي يتناسب مع حبكة فيلمه المركبة .. ومحاولة بارك شان ووك تحقيق فيلمه الثاني عن الإنتقام تخطت رغبته بتجاوز ما فعله في فيلمه الأول إلى رغبة أكبر بالإطاحة بأي فيلم سبقه تناول الرغبة الإنسانية السوداء بالإنتقام .. الأمر الذي إتفق معظم نقاد السينما على إعتباره نجح في تحقيقه ..

على الوجه الآخر من مركب الإنتقام تبرز الغريزة الإنسانية التي تجوهلت كثيراً في أفلام الإنتقام التي سبقته .. ربما خطأً وربما بسبب عدم ضرورة التعامل معها بسبب وضوح الدافع .. الفضول .. شون ووك يتناول هذه الرغبة بأسلوب لا يقل قسوة ولا حنكة .. عبر إتاحة الفرصة أمام المنتقم ليحقق إنتقامه دون أن يعرف ( لماذا ؟ ) .. ويضعه في دوامة غريزة إنسانية لا ترحم , تدعى الفضول .. تلك الرغبة الخفية .. وذلك الهاجس الداخلي الذي لا يسكت أبداً .. ( لماذا ؟ ) .. ذلك الهاجس الذي إنتقل من بعدٍ غامض ( لماذا سجنني 15 عاماً ؟ ) إلى بعد أشد غموضاً ( لماذا حررني بعد 15 عاماً ؟ ) .. هذا الهاجس يجعل أوه دايسو يتراجع عن قراره بإنتقام لا يفصله عنه سوى بضعة أمتار .. فقط ليعرف السبب .. هذه الغريزة الموجودة في أوه دايسو كما هي موجودة في أي منا .. زادت – بشكل أو بآخر – من قسوة إنتقام أوه دايسو .. وكأنما بشان ووك يعاقب أوه دايسو على رغبته بالإنتقام وعلى فضوله كذلك .. وهو عقاب وإن بدا لا أخلاقياً ( وهو كذلك فعلاً لأن كل من يتعرض لحالة أوه دايسو سيسلك الطريق ذاته بعد ذلك ) إلا أنه عقاب ينسجم تماماً مع روح العمل الذي إعتمد أساليب شديدة القسوة لطرح أفكاره .. وبدون ( لماذا ؟ ) كان ليكون الإنتقام أخف وطأةً .. وإن كان لا يخفف من الحقيقة في جوهره .. لكن رغم هذا لا تمتلك إلا أن تقر بأنه من النادر أن تشاهد فيلماً يتناول تلك الرغبة الإنسانية المتجاهلة بتلك الحرفية العالية جداً .

مالحظته كثيراً على منتقدي الفيلم هو تركيزهم على جزئية ( الحقيقة ) التي تعصف بالفيلم قبيل نهايته .. في الحقيقة أن التعامل مع الفيلم كفيلم من ( أفلام الصدمة ) فيه إستخفاف كبير بالعمل .. فالمتأمل للطريق الوعر الذي سلكه شان ووك للوصول إلى نهايته العاصفة يدرك القيمة الحقيقية للعمل .. فتلك النظرة الفريدة للإنتقام وذلك التصاعد التدريجي للأحداث والنفس اللاهث للإثارة في العمل جعله واحداً من تلك الأعمال التي تتلاشى نهايته العاصفة أمام عظمة العمل كله تماماً كما حدث مع أعمال تسعينية كبرى من قبيل The Usual Suspects و Se7en و L.A Confdential ( لا ترمقوني بتلك النظرة , فليس ذنبي أن تجدوا كيفن سبيسي في جميعها ! ) ..

النمط الذي تتصاعد وفقه هذه الإثارة غريب نوعاً ما .. ففي الوقت الذي لا تختفي الإثارة مطلقاً عن جوانب الفيلم لكن شان ووك يبدأ عمله بـ ( نفسٍ مرح ) إلى حد كبير تحمله في الواقع تصرفات أوه دايسو المجنونة حتى داخل سجنه .. لا يلبث هذا المرح أن يتلاشى تدريجياً مع تصاعد يقابله تدريجياً في موجة الإثارة ما تلبث معه أن تدرك أنك أمام فيلم ليس من ذلك النوع الذي يبدو عليه للوهلة الأولى ..

ما أجده يؤخذ فعلاً على الفيلم إلى حد كبير .. هو جنوحه البعيد عن الغريزة الإنسانية .. عن الفطرة .. ومحاولته خدشها في كل مناسبة تحين له .. فنشاهد في جوانب العمل مثلاً رجلاً يعد سني سجنه عن طريق غرزات يغرزها في ظهر كفه .. رجلاً بلغ شوقه لكل ماهو حي أن يتناول أخطبوطاً حياً .. معارك دموية تستخدم السكاكين والمطارق والكماشات والعصي ومضارب البيسبول وكسارات الثلج .. مع ثلاث عمليات فموية دموية .. يد مقطوعة .. علاقات محرمة .. وعملية تنويم مغناطيسي لا يمكن أن يقبلها عاقل .. هذا الخط الذي فرضه شان ووك في معالجته الثانية لروح الإنتقام كاد في بعض مراحل العمل ان ينقلب عليه .. ومن الصعب أن يخرج أحد المشاهدين مرتاحاً بعد مشاهدته .. حتى وإن صفق طويلاً بعد عرضه .. ورغم أنني أؤيد شان ووك في معالجته السوداء هذه لمفهوم الإنتقام .. لكنه ذهب بسوداويته تلك إلى مجاهل لم يسبق أن دخلها بشر بتلك الكيفية التي شاهدناها عليها ..

في الحقيقة أن جزءاً كبيراً من تقديري لديفيد فينشر بدأ بعد هذا الفيلم .. لطالما إعتبرت هذا الشاب مخرجاً موهوباً يصنع نوعية من الأفلام التي لا تبدو مميزة بقدر ما تبدو ( فينشرية ) لو صح إعتبارها مصطلحاً .. مرد ذلك يعود إلى نوعية الإثارة السيكولوجية التي عمد إلى ترسيخها في أفلامه .. ولأنني رأيته موهوباً بشدة فلا غرابة أن أصبحت من مريديه .. وأن يتتبع جيلنا أفلام مخرجين مبدعين من جيله ( أخص بالذكر بول توماس أندرسون و سبايك جونز و ويس أندرسون و ألكساندر باين ولاحقاً كريستوفر نولان ) هو أمر مفروغ منه .. ومن الطبيعي أن يصبح لمخرج من طينته مريدوه من المشاهدين والمعجبين .. ومن الطبيعي مع مرور الزمن أن يصبح له أيضاً مريدوه من نقاد السينما .. فينشر هنا إرتفع فوق جميع أبناء جيله .. لقد أصبح له مريدوه من غيره من المخرجين !! , Oldboy يرسخ بإفراط مصطلح ( الفينشرية ) .. ولا يوجد مخرج تأثر به شان ووك وهو يصنع فيلمه هذا أكثر من ديفيد فينشر .. الأمر لا يتعلق بالخط العام للإثارة الذي سار عليه في صناعة عمله هذا .. وهو أمر يسهل ملاحظته .. الأمر يتعلق كذلك بتلك التفاصيل الصغيرة من الإثارة التي نثرها بحنكة في جوانب عمله .. عبثية ( لعبة الواقع ) في The Game كرست بشدة في فندق يستضيف ضحايا من المغضوب عليهم لفترات تمتد لعشرات السنين .. رعب الأماكن المغلقة والمنفذ الضيق ( أحد أشهر صنوف الرعب وفقاً لكتب علم النفس ) الذي صنعه فينشر في Panic Room عاد هنا بصورة أخرى .. الحقائق التي تتكشف في الطابق الأخير لناطحة سحاب على خلفية أضواء المدينة في Fight Club .. ودموية القتال اليدوي في نادي القتال يرسمها هنا واحد من أعظم مشاهد القتال اليدوي في تاريخ السينما .. ثم عبثية التحولات المفاجئة , والصدمات العنيفة , والعقوبات الغريبة , ورعب المجهول , ثم الصندوق في Se7en تفجرت هنا بصورة لا مثيل لها .. إن كان لمجموعة من البشر أن يفخروا بعمل كهذا .. فيجب أن يكون ديفيد فينشر في مقدمة هؤلاء !

بعيداً عن معالجة ووك ورؤيته الإخراجية .. فإن مفخرة الفيلم الحقيقية على صعيد التقنية الإخراجية هو مشهد قتال يدوي شديد الإستثنائية .. أو بمعنى أكثر دقة هو واحد من أعظم مشاهد القتال اليدوي التي قد تشاهدها في حياتك .. ووك ينفذ المشهد الذي يواجه فيه أوه دايسو جيشاً من المقاتلين في ممر ضيق مستخدمين العصي والخناجر والقبضات الفارغة بأسلوب اللقطة الواحدة الطويلة .. دون قطع أو مونتاج .. وهو أسلوب غير مسبوق في المشاهد القتالية .. والمشهد الذي يستمر قرابة ثلاث دقائق على الشاشة إحتاج إلى ثلاثة أيام لتصويره .. حيث تقنية كهذه ترفع التدريب على المشهد إلى ذروته في محاولة لإلغاء أي إحتمالية لإعادة تصويره وجعل نسبة الخطأ تنخفض إلى الصفر .. وفي الوقت ذاته إلغاء أي وجود لمؤثرات بصرية في المشهد ( فكروا مثلاً كيف تم غرس سكين في ظهر أوه دايسو ؟! ) .. وفي حين يبدو تنفيذ مشهد كهذا صعباً عند الحديث عن سيناريو قتالي يجب تنفيذه .. إلا أن هذا السيناريو نفذ وبدقة لا توصف .. ولا تكاد تلحظ ( مانشعر به فقط هو أن المخرج قد طلب من الكومبارس أن يضربوا الممثل وحسب !! ) .. هذا المشهد غير المسبوق يبرز في ثنايا عمل ووك ليثبت أي قدرات تقنية إخراجية يمتلكها هذا الشاب .. وكمحاولة أخرى منه على إثبات أن عمله هذا هو أكبر من مجرد سلسلة متصاعدة من الإثارة وصولاً إلى نهاية عاصفة ..

ليس بعيداً عن المفاخر الإخراجية .. مفخرة أخرى جلبها شان ووك إلى العمل .. مشهد فلاش باك ( على غرار مشهد IKEA الشهير في Fight Club ) يبحث فيه أوه دايسو عن غلطة عمره .. الخطأ الذي دفع حياته ثمناً له .. أوه دايسو رجل الأعمال الباحث عن الإنتقام يطارد في مشهد ذو فلتر خريفي باهت أوه دايسو اليافع في مدرسته الثانوية ويركض لاهثاً وراءه من مكان لآخر باحثاً عن الحقيقة .. عن السر الذي كلفه 15 عاماً من عمره .. شان ووك مرة أخرى يثبت أهمية التأثير البصري الذي صنعه في مشاهد عديدة من ضمنها مشهد فلاش باك رفض مطلقاً أن يجعله تقليدياً !

في بقية جوانب العمل التقنية التي كانت عالية الجودة دون شك .. يجب أن أمر على موسيقاه الرائعة .. مزيج رائع من الموسيقى الأوبرالية تواكب أحداث الفيلم العنيفة لحظة بلحظة .. وكأنني ببرايان دي بالما يعود هنا في ذروة تألقه .. بعيدأ عن ذلك لا أستطيع الحديث عن كاميرا جيونغ جيونغ هن دون الحديث عن مونتاج كيم سانغ بيوم .. كم رائعة تلك اللحظات العبقرية التي صنعاها في هذا العمل .. كم هي الحيوية التي أضافاها للمشهد الإفتتاحي بكاميرا جيونغ المحمولة وقطع كيم بتقنية القفز ( Jump-cut ) .. كم هو ساحر مشهد الفلاش باك بفلتر الذكريات الخريفي مع الكاميرا المحمولة التي تتخلله .. كم من الواقعية أضافها تصوير الفيلم بالإضاءة الطبيعية .. الـ Close-up على وجه أوه دايسو في أغلب مشاهده .. كم هي الوحشة التي منحاها لمشاهد الممرات الضيقة .. المونتاج الرائع لمشهد اللقاء الأول بين أوه دايسو وصاحب الفندق .. قبل أن يأتي مشهد القتال اليدوي ذو اللقطة الواحدة .. ثم .. كم من العظمة أضافها عملهما لـ( مشهد الحقيقة ) الذي لا ينسى .. كم كانت زوايا التصوير هنا إستثنائية فعلاً .. كم كان جو الأسود والأخضر قاتماً وكئيباً .. كم كان التناغم الذي أضافه القطع في هذا المشهد بين لقطات أوه دايسو ولقطات ميدو .. القطع المؤقت على وجه أوه دايسو بعد تصفحه الصفحة الأولى من ألبوم الصور .. ثم اللحظات التي يدمر فيها أوه دايسو تماماً .. قبل أن يأتي المونتاج الرائع الرائع لمشهد الإنتحار ..كل ماعليك أن تفعله هو أن تعيد المشاهدة .. تنسى كل ماحولك .. تنسى حبكة الفيلم وماشاهدته فيه .. تنسى الشخصيات .. والأداءات .. وتتأمل فقط عملهما في هذا المشهد .. لتصفق لهما طويلاً .. ثق من ذلك ..

الأداء .. حلة مطرزة بأجمل النقوش إرتداها العمل .. يو جي تاي في دور الشر المطلق والوجه القاتم لمركب الإنتقام .. جيد إلى حد بعيد ولن أستطيع الذهاب أبعد من ذلك قياساً لحجم الدور ذاته .. كانغ هاي جيونغ في دور ميدو رائعة .. رائعة .. بتلك التلقائية التي تمتلكها تصبغ جوانب الفيلم بنوع من البراءة التي تغمر بها شخصيتها مع تقدم الأحداث دون أن تجعلها تنبيء عن شيء , بل بالعكس منحت غموضاً أكثر حول الشخصية نفسها مالبث أن أزيح الغبار عنه مع تقدم الأحداث ..

تشوي مين سيك في دور أوه دايسو يقدم أداءاً آسيوياً جباراً .. جباراً بكل مافي الكلمة من دلالة .. عندما أشاهد تشوي في كل إعادة أكتشف كم كان تأثير أداءه عظيماً على العمل .. أوه دايسو السكير .. أوه دايسو السجين .. أوه دايسو فاقد الهوية .. أوه دايسو المنتقم .. أوه دايسو المقاتل .. أوه دايسو الباحث عن الحقيقة .. ثم أوه دايسو الأوديبي .. ولعل الجزئية الأخيرة تشفع له وحدها .. أوه دايسو الأوديبي شيء لا يمكن الحديث عنه في أسطر .. ولا يمكن إدراك الأسى الذي يحمله للمشهد إلا بمشاهدته .. ومشاهدته تخولك لا إرادياً نسيان كل معالم الفيلم لتتأمل فقط ملامح وجهه وهي تتدرج من التساؤل , إلى الصدمة , إلى الغضب , إلى الإنهيار .. لست ممن يفضلون توجيه آراء غيرهم .. لكنه دون شك واحد من أعظم الأداءات الآسيوية التي قد تشاهدها في حياتك !

لم تمر بضعة أشهر على طرحه في دور العرض الكورية .. حتى حمل بارك شان ووك ملحمته الإنتقامية الثانية وذهب قاصداً الشاطي اللازوردي لفرنسا .. ولم تمر بضعة أيام بعد ذلك حتى وقف جمهور مهرجان كان ومن وراءهم خمسين مليون كوري يصفقون لمخرجهم الشاب الذي وقف على إستحياء حاملاً ثاني كبرى جوائز المهرجان ليشكر لجنة التحكيم .. والممثلين .. وطاقم العمل .. والأخطبوط أيضاً !

" قد يعامل الآن كحدث سينمائي هام .. لكنه سيغدو كلاسيكيةً خلال بضعة أعوام مقبلة " الناقد وودي جاغرست .

التقييم من 10 : 9

نشرت هذه المراجعة في منتديات سينماك بتاريخ 29 يوليو 2005