السبت، 25 مايو 2013

كان 66 : جارموش يأتي متأخراً و بولانسكي يسترجع بداياته


يختتم مهرجان كان السينمائي الدولي فعاليات دورته السادسة و الستين يوم غدٍ الأحد بإعلان اسماء الفائزين بجوائزه المختلفة و على رأسها السعفة الذهبية و جائزة لجنة التحكيم الكبرى التي يقودها المخرج الكبير ستيفن سبيلبيرغ و تضم في عضويتها أسماء من قبيل آنغ لي و دانيال أوتيل و كريستوف فالتز و نيكول كيدمان .


و إشتمل اليومان الأخيران من التظاهرة على عددٍ مهمٍ من العروض المنتظرة منها الأفلام الأربعة المتبقية التي أكملت عقد المسابقة الرسمية للمهرجان و التي ضمت هذا العام 21 فيلماً ، حيث حظي رومان بولانسكي و جيم جارموش و جيمس غراي و آرنو دي باليير بالعروض الأولى لأفلامهم في ختام دورةٍ أقل ضجيجاً من سابقاتها .


آرنو دي باليير قدّم Michael Kohlhaas خامس فيلمٍ فرنسيٍ يشارك في المسابقة الرسمية هذا العام ، القصة عن مايكل كولهاس تاجر الخيل الذي يعيش حياةً مترفةً و سعيدة في منطقة سيفان في فترةٍ ما من القرن السادس عشر ، كل ذلك يتغير عندما يقع الرجل ضحيةً لظلم يزلزل حياته و يخسر به كل أملاكه و يدفعه للإنقلاب و تعبئة جيشٍ ينهب به المدن و يرسي من خلاله قوانينه الخاصة .

و الفيلم هو اقتباسٌ عن قصةٍ قصيرةٍ لهينريش فون كلايتس و يقوم ببطولته الممثل الدنماركي مادس ميكلسن بعد عامٍ واحد على تتويجه بجائزة أفضل ممثل في كان عن فيلم توماس فينتربرغ The Hunt ، و أمتدح الفيلم لموضوعه و للنبرة العاطفية الواضحة التي يحملها علاوةً طبعاً على أداء ميكلسن في الدور الرئيسي ، بينما تعرض بالمقابل لهجومٍ من قبل نقادٍ آخرين لم يجدوا فيه شيئاً يستحق الذكر علاوةً على بعض التفاصيل التي استهجنت فيه كالتنقل غير المبرر بين اللغتين و الفرنسية و الألمانية ضمن سير الأحداث ، إضافةً لاعتبارهم أن ميكلسن لم يقدم الشيء المختلف على صعيد الشخصية التي يجسدها .



في اليوم ذاته افتتح المخرج الأميركي جيمس غراي فيلمه الجديد The Immigrant ، الفيلم يحكي أحداثاً تدور في عام 1921 حيث تغادر إيوا و شقيقتها ماجدا بلدهما بولندا بحثاً عن الحلم الأميركي ، لكن ماجدا تصاب بالسل و يتم عزلها بمجرد وصولها الى نيويورك ، الأمر الذي يضطر إيوا للعمل في الدعارة من أجل انقاذ شقيقتها .

و الفيلم يقوم ببطولته النجوم ماريون كوتيار و واكين فينيكس و جيرمي رينر ، و يعود غراي فيه الى موضوع الأصول و الهجرات التي شكلت وجه أميركا المعاصر و هو موضوعٌ يبدو مغرياً له كما قال ، كما هو لقاءه المتكرر أيضاً بنجمه المفضل واكين فينيكس الذي يديره للمرة الثالثة ، و أمتدح الفيلم بشكلٍ أساسيٍ لأداء ماريون كوتيار فيه و التي وجد فيه النقاد غنىً عاطفياً تحتاجه الشخصية بشدة علاوةً طبعاً على المجهود الواضح الذي بذلته كوتيار في اتقان اللغة البولندية و الأداء بها ، لكن ذلك لم يكن كافياً للفرار بالفيلم من مآزق عدةٍ تعرض للنقد بسببها خصوصاً على مستوى ايقاع الفيلم ، و قدرة غراي على الإمساك بتلابيب الجزء العاطفي في الحكاية و توجيهه في خدمتها ، الأمر الذي شكل خيبةً أملٍ واضحةٍ لدى بعض اولئك الذين تفاءلوا بالمشاركة الأمريكية المميزة في المهرجان هذا العام مع ستيفن سودربرغ و الكوينز ، و هم ذات البعض الذين لم يجدوا حتى في أداء ماريون كوتيار الشيء الذي يستحق المديح .



جيم جارموش أحد أبرز رموز السينما المستقلة في الولايات المتحدة و ربما أهم مخرجيها المعاصرين لحق بركب كان في الأمتار الأخيرة و انضم بفيلمه Only Lovers Left Alive إلى قائمة المسابقة الرسمية للمهرجان بعد اعلانها رسمياً ليصبح الفيلم الحادي و العشرين فيها ، و يبدو أن جيم جارموش كان أهلاً لذلك الإنضمام المتأخر و حمل الكثير من التميز و الإختلاف الى المسابقة الرسمية هذا العام ، و حرّك حضور فيلمه الركود الواضح في اليومين الماضيين من خلال القصة التي يرويها عن علاقة حبٍ استمرت لقرون بين مصاصي دماء هما آدم و حواء ، و يسبر جارموش من خلال هذه القصة رحلة الإنحطاط الإنساني و نظرة الإنسان التي اكتست بالكثير من الإحباط مع تقدم البشرية ، و يلعب دوري البطولة النجمان البريطانيان توم هيدلستون و تيلدا سوينتن و إلى جوارهما مواطنهما جون هيرت بالإضافة إلى الأمريكيين أنتون يلشين و جيفري رايت و الأسترالية الشابة ميا واشيكوسكا .

و بالرغم من خصوصية فن جيم جارموش التي قوبلت بإحترامٍ و تقديرٍ واضحين في العرض الافتتاحي للفيلم ، الا أن الفيلم انتقد أيضاً بسبب تلك الخصوصية و اعتبر مخصصاً لأولئك الذين يعشقون فن الرجل حتى قياساً لأفلامٍ أخرى قدمها الرجل و حققت نجاحاً ملفتاً خارج النطاق الضيق لعشاق و مريدي جارموش كالفيلم الفائزة بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان قبل ثمانية أعوام  Broken Flowers ، بينما امتدح الفيلم بشكلٍ ملحوظ للعوالم الفريدة التي يصنعها بين مدينتي ديترويت و طنجة حيث تدور الأحداث ، و بالتأكيد لنوعية الأداءات التي يقدمها جارموش دائماً ، دون أن ننسى المقطوعات الموسيقية التي لطالما اشتهرت بها أفلامه .



في آخر عروض المسابقة الرسمية هذا العام يعيد رومان بولانسكي الإلتقاء مجدداً بزوجته إيمانويل سينييه في فيلمه المرتقب Venus in Fur الذي تقوم ببطولته الى جوار النجم ماثيو أمالريك ، الفيلم يحكي قصة توماس المخرج المسرحي المتذمر من المستوى السيء لتجارب الأداء التي أجراها للممثلات الطامحات للعب دور البطولة في مسرحيته الجديدة ، قبل ان يفتن بظهور فاندا الفتاة المتمردة و البذيئة التي سرعان ما تسلب لبه بتملكها الممتاز للدور و تفهمها الواضح للشخصية ، قبل ان يتحول انجذاب توماس تجاهها الى هوس .

و نال الفيلم تصفيقاً مطولاً عزاه البعض لقيمة رومان بولانسكي ذاته الذي وجدته معظم المراجعات في عملٍ اقل مستوى من سابق أعماله حتى تلك الأخيرة منها ، و أمتدح الفيلم لذات السبب الذي انتقد عليه ، الحديث هنا عن التحدي الذي وضعه رومان بولانسكي نصب عينيه في تقديم حكايةٍ تدور بين شخصين في مسرحٍ طوال مدة الفيلم ، و هو ذات التحدي الذي حققه بولانسكي بإمتياز في أول أفلامه Knife in the Water قبل نصف قرن حيث أدار حكايةً حول ثلاث شخصياتٍ في قارب ، و رأى آخرون في الفيلم انعكاساً لجانبٍ ذاتي من شخصية بولانسكي خصوصاً في اختياره لماثيو أمالريك الذي يضاهي بولانسكي الشاب شكلياً و يقوم بالدور الإستحواذي أمام إيمانويل سانييه زوجة بولانسكي الحقيقية .

و مع فيلم بولانسكي يقطع مهرجان كان السينمائي الدولي شريط الختام فيما يخص مسابقته الرسمية التي تبدو ملامح التنافس فيها و كأنما تمحورت بشكلٍ رئيسيٍ حول ثلاثة اسماء : أصغر فرهادي و الكوينز و ستيفن سودربرغ ، ينافسهم بقوة لنيل احدى الجائزتين الرئيسيتين أفلام هيروكازو كورإيدا و عبداللطيف كشيش و جيا جانكغي ، ستة أسماء قد يكون من الصعب على لجنة ستيفن سبيلبيرغ تجاوزها و هي تعلن يوم غد عن جوائزها المنتظرة .