الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

متابعات نقدية : Up in The Air .. إسمٌ على مسمى


كتب : عماد العذري

يوم الجمعة الماضي أطلق على نطاقٍ موسع في الصالات الأمريكية الفيلم الثالث للمخرج الشاب الممدوح جيسن ريتمان Up in The Air , العمل السينمائي الذي يقوم ببطولته جورج كلوني و فيرا فارميغا و آن كيندريك يأتي بعد عامين فقط من نيل جيسن ريتمان ترشيحاً لأوسكار أفضل إخراج عن Juno الذي نال بدوره ترشيحاً لأوسكار أفضل فيلم عام 2007 , و يبدو الرجل بفيلمه هذا طموحاً إلى ما هو أبعد من ذلك , و مع الهتافات العديدة التي جعلته مرشحاً فوق العادة للظفر بأوسكار أفضل فيلم هذا العام ( بالرغم من التقدم الجوائزي لفيلم The Hurt Locker ) , يبدو فيلم جيسن ريتمان بالفعل إسماً على مسمى !

و يحكي الفيلم قصة رايان بينغهام , رجل يستأجر من قبل الشركات من أجل تقليل الموظفين و خفض النفقات , أعزبٌ يسافر من مدينةٍ لأخرى دون أي تواصل إجتماعي مع الأخرين أو حتى مع عائلته , هدفه في الحياة الوصول بسفرياته إلى حاجز العشرة ملايين ميل , في إحدى سفرياته يلتقي بأليكس التي تشاركه ذات الفلسفة في الحياة , قبل أن يصبح وضع الرجل مهدداً بقدوم مديرة تنفيذية جديدةٍ إلى الشركة تدعى ناتالي كينر , تبتدع نظاماً إلكترونياً لخفض النفقات و التخلص من الموظفين عوضاً عن السفر إليهم , ليبدأ صراع الرجل مع ذاته و مع أهدافه في الحياة .

الفيلم قوبل بمديح نقدي على نطاقٍ واسع , خصوصاً للسيناريو الممتاز الذي يقدمه جيسن ريتمان , و تمكن الرجل من موازنة قصةٍ مليئةٍ بالتحولات النفسية المتعددة , و جرأة الرجل على تقديم فيلمٍ كهذا في هذه الفترة بالذات حيث الأزمة الإقتصادية العالمية , كما كثف النقاد الحديث في مراجعاتهم على التوليفة الأداءية الممتازة التي يقدمها نجوم العمل الثلاثة , المرشحين فوق العادة لخطف ثلاث ترشيحاتٍ أوسكارية مطلع فبراير المقبل ..

و نال الفيلم بعض عبارات الوصف الموجزة , فكتب عنه الناقد فيليب مارتن في مراجعته ( مدمرٌ بلطف ) , و مايك ماغرينغان ( أحد أكثر أفلام العام دفئاً , و تسليةً , و بصيرة ) , و وصفته الناقدة الشهيرة إليزابيث ويتمان في النيويورك دايلي نيوز بأنه ( رومانسية هوليوودية رائعة , تعوم بشجاعة على طول بحر الحزن ) , و الناقد الكبير ريكس ريد في النيويورك أوبزرفر ( كوميديا رومانسية مبهجة , لا تعاني إطلاقاً من مرض ضعف التركيز ) , في حين إختزله الناقد الشهير أيه أو سكوت بعبارةٍ واحدة ( كلاسيكية ) , و مثله كتب الناقد الشهير بيتر ترافيرز في مقاله في الرولينغ ستون ( رد فعلٍ من كلمةٍ واحدة : برافو ) .

بالمقابل كان الفيلم مخيباً لدى عددٍ قليلٍ من النقاد , مثل فيوري ماستراتشي الذي قال في مراجعته ( فيلمٌ يساوي وجهة نظر , لكن حتماً لا يساوي سعر تذكرة العرض ) , أو الناقد جاكي كوبر الذي إعتبر بأن ( هذا ليس أفضل أفلام العام , إنه باعثٌ على الإكتئاب منذ بدايته , و لا يتغير أبداً ) , و ركز غيب ليبوفيتز على تجويف الفيلم من الداخل على الرغم من جودته الظاهرية , و كتب عنه ( أحاول أن أرى ريتمان يخطو خطوة أبعد عن تقليديته , و يحفر أكثر في نفوس شخصياته , ظاهر الفيلم أنيق , لكنه من الداخل مجوفٌ بطريقةٍ عجيبة ) , و مثله رأى الناقد الكبير كريس فوغنار في الدالاس مورنينغ نيوز ( قلةٌ من الأفلام الأخيرة التي تبدو ذكيةً جداً في مظهرها , لكنها مجوفةٌ من الداخل ) , و بدى بعض النقاد تائهين في حديثهم عن الفيلم , مثل شون ليفي الذي كتب عنه ( حتى إذا ساورك الشك في صدق الفيلم , لن تستطيع إنكار مهارته ) ..

و مع ذلك كان تلك الأصوات أقل من أن تذكر , خصوصاً مع كم المديح الذي قوبل به العمل الإخراجي لجيسن ريتمان بعد المديح النقدي الذي لقيه في فيلميه السابقين Juno و Thank You for Smoking , و كتب جيف باير بهذا الخصوص ( جيسن ريتمان لديه أعظم إنطلاقة - و لو أنها في الإتجاه السائد - عرفها أي مخرج على الإطلاق , فيلم آخر ممتعٌ و عظيم ) , في حين وصفه مايكل سميث بأنه ( أذكى مخرج شاب في أميركا ) , و إمتدحه فيليكس فاسكيز في مراجعته ( جيسن ريتمان يمتعنا مجدداً , أتطلع لرؤية ما هو قادرٌ على فعله أيضاً ) , في حين كتبت عنه أيمي بيانكولي في مراجعتها ( مرةً أخرى , يمنح جيسن ريتمان السيناريست جيسن ريتمان المخرج مبرراً لتأمل الفراغات الموجودة بيننا و الروابط التي تربطنا ) .

و إمتدح عددٌ من النقاد الميزان الحساس الذي وضعه جيسن ريتما في فيلمه للتعامل مع المزيج الكوميدي التراجيدي الموجود فيه , حيث كتب توم لونغ في الديترويت نيوز ( يصنع جيسن ريتمان ميزاناً حساساً و مميزاً إلى قصة بينغهام , لا يجعلك تكره الرجل , بل ترثي لحاله ) , و في السياق ذاته قالت مانولا دارغيس في النيويورك تايمز ( حزمة أنيقة : من إستعماله للرومانسية , إلى تطويعه بعض الدراما في السرد , مع نغمةٍ كئيبة يفرط جيسن ريتمان في إستخدامها ) , و إعتبر الناقد الكبير ويسلي موريس في مقاله في البوسطن غلوب بأن ( Up in the Air هو مجموعةٌ من الأفلام الجيدة : كوميديا عن العمل , كوميديا رومانسية , و كوميديا عائلية , يجلسون جميعاً في نفس الطائرة , و على نفس الممر , و يجبرون على الإقلاع معاً !! ) , و كانت عبارة الناقد الكبير أوين غليبرمان في Entertainment Weekly مميزةً للغاية عندما وصف الفيلم بأنه ( تراجيدي و كوميدي و حقيقي و خفيف و مرح و مظلم , إنه كل شيء نسيت هوليوود أن تصنعه , و نبارك لجيسن ريتمان أنه تذكر ) !

بالمقابل كثف بعض النقاد التركيز على أداءات الفيلم , خصوصاً ذلك الذي يقدمه النجم جورج كلوني , و هو الأداء الذي إعتبره الكثيرون الأفضل في مسيرته , الناقد بوب غريم إعتبرها ( سنة عظيمة لجورج كلوني , و عمله هنا هو تتويجٌ لها ) , بينما قال بوب بلوم ( يعود الفضل في الفيلم إلى جورج كلوني الذي يندمج تماماً في شخصية متصالحةٍ مع نفسها و تستمتع بالعيش على الطريقة التي تناسبها ) , و إمتدح كولين كوفيرت ترويض كلوني لهذه الشخصية المعقدة بقوله ( جورج كلوني يصنع من رايان رجلاً عديم الرحمة و متعاطفاً في آن ) , و إعتبر الناقد الكبير مايكل فيليبس في مقاله في الشيكاغو تريبيون بأن ( هذا الفيلم على صنع مقاس جورج كلوني ) , و قال الناقد بيتر هاول ( لم يسبق أن كان جورج كلوني متناغماً و منسجماً مع دورٍ كما يفعل في Up in the Air) و إعتبر بأن ( الفيلم الذي من الصعب الإطاحة به في فئة أفضل فيلم , عندما يبدأ موسم الأوسكار ) , و رأى مايكل سميث بأن (جورج كلوني يقدم أداءاً للأجيال ) , و وصفه الناقد ديفيد إيدلستين في New York Magazine بقوله ( جورج كلوني : ماكر , و مظلم , و منضبط جداً , يجمّل النفاق بطريقةٍ تجعلك تريد أن تخرج و تكذب ! ) !!

إلا أن أهمية الفيلم في الواقع إستندت إلى القيمة التي يشكلها عرض فيلمٍ كهذا في هذه الفترة الإقتصادية الحرجة في تاريخ الولايات المتحدة , و الجرأة في طرح و مناقشة موضوعٍ كهذا بهذه المباشرة , حيث إعتبر شون أكونويل بأن ( Up In the Air أكثر من أي فيلمٍ أطلق هذا العام : متوافقٌ جداً مع عصره ) , و مثله رأى دينيس شوارتز الذي وصف الفيلم بـ ( دراما كوميدية تراجيدية في الوقت الهوليوودي المناسب , حول النتيجة العرضية الإنسانية لفقدان الإنسان لعمله في الأزمات الإقتصادية المحمومة ) , و كتبت ديانا سنغر في السياق ذاته ( جديد , و متقن , و مضحك جداً , و مثالي جداً لهذه الفترة من حياتنا ) , و رءآه كيفن كار ( الفيلم الأحلى الذي يمكن أن تنتظره عن حالات البطالة المتعلقة بالشركات ) , في حين إعتبرته كيمبرلي غاديت للسبب ذاته ( نهايةً مثاليةً للعقد الأول من القرن الحادي و العشرين ) , و إعتبرت كلوديا بويغ في مقالها في USA Today بأنه ( يبدو من القسوة إختزال عصرٍ ما يزال يجري الآن , و بالرغم من ذلك Up in the Airيفعل ذلك بإمتياز من خلال ذكاءه و إنسانيته ) , و إنبهر الناقد الشهير ديفيد أنسن في مقاله في النيويوركر بهذه الجزئية بالذات , و كتب ( Up in the Air يلامس أوتاراً أميركية معاصرة , قلةٌ من أفلام هوليوود إعترفت بها ) , و وصفه الناقد الشهير ريتشارد كورليس في مقاله في مجلة التايم بأنه ( فيلمٌ حول رجلٍ يقوم بطرد الموظفين , يطلق في فترةٍ فيها عُشر القوى العاملة عاطلة عن العمل , جسورٌ جداً و رائع ) , و إعتبر ستيفن سليفر بأن الفيلم يبدو مثالياً تماماً لهذه الفترة الإقتصادية الصعبة , و قال ( مالذي يمكن أن يكون متناغماً مع روح العصر في نهاية العقد الأول من الألفية أكثر من فيلمٍ عن رجلٍ يقوم بطرد الناس من أعمالهم ؟! أفضل فيلم لعام 2009 ) , تماماً كحال الناقدة الشهيرة آن هورناداي التي قالت في مراجعتها المنشورة في الواشنطون بوست ( فيلمٌ خالد يجيء تماماً في وقته ) , أو الناقد الكبير روجر إيبرت الذي كتب في مقاله في الشيكاغو صن تايمز ( إنه فيلمٌ لهذا العصر ) .

و إستمرت عبارات المديح للفيلم من عددٍ من أبرز النقاد في الولايات المتحدة , فكتب غاري ويلكوت ( لا تجعل شيئاً مثل إجتماع مجلس الإدارة في شركتك يعيقك عن مشاهدة ما يمكن أن يكون فيلم السنة الأفضل ) , و كان كيث كوهن مباشراً بشكلٍ مماثل عندما قال ( هذا هو المرشح الأول للظفر بأوسكار أفضل فيلم هذا العام ) , في حين كتب عنه جون ويرت ( فيلم طموح , منفذ بشكل جيد , و ممتاز على صعيد أداءاته ) , و إعتبره إريك دي سنايدر ( فيلم مسلي جداً مع رسالةٍ خالدة : قد لا تمتلك عملاً في بعض مراحل حياتك , لذا إحرص على ألا يكون عملك هو الشيء الوحيد في حياتك ) , و وصفه مايك سكوت بالـ ( كوميديا ذكية و ذات مغزى , بكل سهولة هذا واحدٌ من أفضل أفلام العام ) , و جاءت جملة الناقد بيل غيبرون مثيرةً عندما قال ( واحدة من أفضل تجارب عام 2009 , طريقٌ سردي سريع , يقدم فيه كل ميل منطقة إستراحةٍ مدهشة , و يدفعنا كل حوارٍ فيه أكثر و أكثر نحو خاتمته النهائية العظيمة ) , في حين رءآه برينت سيمون ( عملاً مضحكأً و محزناً في آن , يصل إلى كل لحظاته العاطفية بصدق ) , و كتبت عنه كاري ريكي في الفيلادلفيا إنكويرر ( لا أعرف ما إذا كان أفضل أفلام العام , لكنه ممتعٌ جداً جداً ) , في حين إعتبر الناقد الكبير أنتوني لين في مراجعته المنشورة في النيويوركر بأن ( التوتر القائم بين الكئابة و المرح هو مصدر قوة هذا الفيلم ) , و لم يذهب الناقد الكبير جيمس بيراردينيللي بعيداً عن ذلك عندما قال ( Up in the Air لا يخادع , إنه يقدم مزيجاً مثالياً من الكوميديا , و الهجاء , و الدراما المتحفظة ) , و كحال النقاد الآخرين الذين وجدوا الفيلم يجدد تيماتٍ و مفاتيح موجودة في سينما هوليوود مسبقاً لكنها بدت معه بشكلٍ آخر مختلف , جاء وصف الناقدة ستيفاني زاكاريك واقعياً و ذكياً عندما قالت ( إنه مثل هواء الطائرة , يبدو جديداً على الرغم من أنه ليس جديداً أبداً ) !!