الجمعة، 25 ديسمبر، 2009

Avatar

كتب : عماد العذري

بطولة : سام وورثينغتون , زوي سالدانا , سيغورني ويفر , ستيفن لانغ , جيوفاني ريبيشي , ميشيل رودريغيز
إخراج : جيمس كاميرون

الفيلم السينمائي الثامن للكندي الكبير جيمس كاميرون , و الأول له منذ إثني عشر عاماً عندما ملأ الدنيا و شغل الناس بأنجح فيلمٍ في تاريخ السينما Titanic عام 1997 , يعود به ( ملك العالم ) - كما أطلق على نفسه في حفل الأوسكار يومها مقتبساً جملة بطله جاك داوسون الشهيرة – ليثبت للكثيرين بأن الأمر بالفعل كان يستحق الإنتظار , و ليؤكد كل تلك الأقاويل التي تطايرت عن الثورية التي سيحدثها هذا الفيلم في دنيا المؤثرات الخاصة , Avatar يأتي قبل أسبوعين فقط من ختام الموسم الهوليوودي ليقلب موازين المخيلة السينمائية الخصبة و يقدم ذلك المذاق السينمائي الثوري الذي لطالما عودنا عليه المغامر الأنجح في تاريخ هوليوود : جيمس كاميرون .

قبل هذا الفيلم بثمانية عشر عاماً كان جيمس كاميرون أول مخرجٍ على الإطلاق يكسر حاجز المائة مليون دولار لكلفة فيلمٍ ما عندما قدم تحفة الخيال العلمي الشهيرة Terminator 2 : Judgment Day عام 1991 , و بعد ذلك بأعوامٍ ستة كان كاميرون أيضاً أول رجلٍ يكسر حاجز المئتي مليون دولار عندما قدم تحفته العظيمة Titanic عام 1997 , و الآن و بعد إثني عشر عاماً من الترقب يخوض الرجل المغامرة ذاتها و يكسر حاجز الثلاثمائة مليون دولار لأول مرة في Avatar , القاسم المشترك بين الأفلام الثلاثة - علاوةً على إسم مخرجها – واضحٌ و بسيط : جميعها أفلامٌ عظيمة .

في Avatar يتجاوز جيمس كاميرون كل الحدود التقليدية للمخيلة السينمائية , ترقب في هذا الفيلم تحدياً صعباً و عسيراً لمخيلتك , إختبرها في محاولتها إدراك المدى الذي يمكن أن تصل به التقنيات الحديثة بصناعة السينما , جهز نفسك لتلقي سيلٍ من المفاجئات , هذا الفيلم ساحر الجمال , ربما أكثر سحراً من أكثر الأفلام سحراً التي شاهدتها في حياتك , جيمس كاميرون يعيد تعريف التوظيف السليم للمؤثرات البصرية في خدمة الملحمة السينمائية , و على خلاف أعمال مايكل باي و رولاند إيميريك يأتي Avatar ليقدم صفعةً قويةً لأولئك الذين يحاولون الفصل بين جمال الصورة و عمق القصة كسبيلٍ نحو صناعة Blockbuster , جيمس كاميرون يثبت مرةً بعد أخرى قدرته على صناعة أعمالٍ عظيمة و عميقة في آن , ممتعة للبصر و مرضية للنفس , و فوق هذا و ذاك , خالدة .

تدور أحداث الفيلم في عام 2154 , و يحكي قصة جيك سولي جندي البحرية الأمريكية المشلول الذي يدخل أحد البرامج العسكرية السرية و يدعى Avatar كتعويضٍ لشقيقه التوأم المتوفي و الذي كان أحد أركان البرنامج الذي يستهدف السيطرة على كوكبٍ بعيد يدعى بونادورا بعد الحصار البيئي الذي تعرضت له الأرض , في البرنامج سيتم دمج جينات جيك مع جينات مخلوقاتٍ بدائية تستوطن الكوكب بغية تخليق مجسدٍ يقوم بوظيفة الجندي المشلول على سطح الكوكب في التقرب من سكانه و ترويضهم و تسهيل مهمة القوات العسكرية في بسط نفوذها على كوكبهم .

هذا الفيلم حدثٌ سينمائي حقيقي و نقطة تحولٍ مهمة في تاريخ السينما , قد تكون الأعظم في السينما ثلاثية الأبعاد , الكثيرون عقدوا مقارنةً منطقيةً جداً بين هذا الفيلم و فيلم The Jazz Singer عام 1927, الذي يوثقه المؤرخون كأول فيلم في تاريخ السينما الناطقة , و على الرغم من أن Avatar ليس الفيلم الأول الذي يوظف تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد , كحال The Jazz Singer الذي لم يكن أول فيلم يقدم السينما الناطقة , إلا أن كلاهما يمتلكان الأثر ذاته : هما أول من فتح أعين المشاهدين بقوة تجاه المدى الحقيقي الذي يمكن أن تصل إليه صناعة السينما بواسطة هذه التقنية , جيمس كاميرون يثبت ريادته السينمائية من جديد بعد القفزات التقنية الجبارة التي حققها في دنيا المؤثرات البصرية في أفلامه السابقة , خصوصاً ما قدمه في Aliens و The Abyss و T2 ثم في Titanic , و هو هنا يدعو جمهوره – كما عوّدهم – لتجربة نوعٍ غير مسبوق من المؤثرات الخاصة كما فعل قبله جورج لوكاس في ثلاثية Star Wars و بيتر جاكسون في ثلاثية The Lord of The Rings , هذا الفيلم فصلٌ جديد في دنيا الخيال العلمي , مثل Metropolis و 2001 و Star Wars و Blade Runner و The Matrix , أعظم ثورة تقنية تضرب الشاشة الكبيرة منذ أن ظهر غولوم بكامل جسده قبل سبعة أعوام في The Two Towers , يبدو كاميرون هنا و كأنما يحقق حلم حياته , و أي حلمٍ يمكن أن يراود رجلاً وقف على قمة العالم – و لا يزال – بقرابة ملياري دولار صبها في خزائنه من سفينته التي جثمت - قبل 12 عاماً - على شباك التذاكر الأميركي لثلاثة و ثلاثين أسبوعاً , الحلم كان واضحاً لدى كاميرون لكنه لم يكن سهلاً على الإطلاق , فقد إستغرق المشروع من جيمس كاميرون 15 عاماً ليكتمل تماماً في مخيلته , و كان الرجل ينتظر أن تتطور التقنيات السينمائية بالدرجة الكافية للقيام بما يريد القيام به , و إنتظر بشغف أن يقوم شخصٌ ما في يومٍ من الأيام بإختراع ما يحلم الرجل بتطبيقه في فيلمه , لكن هذا لم يحدث , الأمر الذي دفعه بعد كل هذه السنوات لإختراع تقنياته بنفسه بمساعدة زميله و رفيقه القديم فينس بيس , ثم إستنزف 3 أعوامٍ من العمل المتواصل و جهود أكثر من ألفي شخص ليظهر بالمظهر الذي شاهدناه عليه , جيمس كاميرون يعيد خلق طبيعةٍ كاملةٍ مكتملة المعالم لكوكب بونادورا , من خلال عملٍ عبقري لمصممي الإنتاج ريك كارتر و روبرت سترومبيرغ , إبتكر خلالها – كما تقول التقديرات - قرابة 500 كائن حي ليعيش على سطح الكوكب , و طوّر من أجله لغةً خاصة صممها خبير اللغات بول فرومر ليتحدثها السكان الأصليون للكوكب , و بلغت كلفة الفيلم الإجمالية رقماً يتراوح بين 250-500 مليون دولار , على الرغم من أن الكثير من المراقبين يقدرون بأن ميزانية الفيلم تجاوزت الـ 300 مليون دولار بقليل , كل هذا في سبيل حلمٍ من أحلام جيمس كاميرون !! , النتيجة كانت مبهرةً و ساحرةً بحق , صدقوني لم تكن هذه الكلمات في بالي قبل أن أدخل إلى صالة السينما , لكنك لا تمتلك إلا أن تقولها : ليس كأي شيء آخر شاهدته من قبل !!..

في هذا الفيلم يقدم جيمس كاميرون التزاوج الأفضل و الأكثر إتقاناً بين تقنيتي الـ Live-Action و مؤثرات الـ CGI , و علاوةً على تقنيات الـ CGI المستخدمة هنا بتكثيفٍ غير مسبوقٍ من قبل , و إبتكاره لتقنية محاكاةٍ جديدة أطلق عليها إسم The Volume, قفزت بتقنية المحاكاة التقليدية خطواتٍ واسعةً إلى الأمام , أمرٌ تجلى بوضوح في أداءات شخصيتي جيك سولي و نيتيري و المرونة العجيبة التي قدمت بها , حيث إعتمدت هذه التقنية على قناع وجه فائق الحساسية مدعوم بكاميرا فائقة الدقة لإلتقاط كافة تعابير الوجه ( و هو المقياس الأدائي الأول ) , تقنية أستخدمت ببدائية في تقديم شخصية غولوم في ثلاثية The Lord of The Rings لكنها هنا بلغت ذروة مجدها مقدمةً شخصياتٍ فائقة المرونة و حقيقية التنفيذ على الرغم من كرتونية مظهرها بالمقارنة مع غولوم ..

بعد كل ذلك كان ذهن جيمس كاميرون صافياً و خلاقاً بشدة ليرتقي بتقنيات الـ Live-Action خطوةً جبارةً إلى الأمام بفضل نظام الـ Fusion Digital 3-D Camera الذي طوره كاميرون مع شريكه فينس بيس , و هي التقنية الجديدة التي إبتكرها و أطلق عليها إسم Motion-Capture System , و التي أتاحت – لأول مرة – للممثلين المنفذين لمحاكاة الـ Live-Action إمكانية رؤية مؤثرات الـ CGI التي ستحيط بهم و تغمرهم في الصورة النهائية للفيلم و بالتالي التفاعل معها أثناء التصوير عوضاً عن الوقوف أمام خلفية خضراء أو زرقاء و الإعتماد على الخيال , الأمر الذي أتاح تفاعليةً عالية بين الممثلين و ما يحدث من حولهم , و هي التقنية التي أتاح جيمس كاميرون لزميليه ستيفن سبيلبيرغ و بيتر جاكسون فرصة تجريبها في أعمالٍ مقبلة , و ظهرت نتائجها المبهرة في المعارك الشرسة التي جرت على سطح بونادورا , المعارك التي أقل ما يقال عنها بأنها : غير مسبوقة !

بعد كل هذا الحديث عن التقنية في الفيلم , أقولها بثقة : هناك سينما حقيقية في الفيلم , يستفزني كثيراً الحديث عن الفارق بين السطحية و العمق من جهة و بين البساطة و التعقيد من جهةٍ أخرى , و محاولة الخلط أحياناً بين السطحية و البساطة أو صنع إقترانٍ بينهما , يعيدني الأمر أكثر من عقدٍ كاملٍ إلى الوراء لأستذكر الهجمة التي تعرضت لها قصة الحب في Titanic , و التكثيف الشديد على حقيقة أن الحبكة لم تكن معقدةً بالشكل الكافي لتصنع قصةٍ حب عميقة , جيمس كاميرون كان في Titanic و بقي في Avatar سينمائياً أصيلاً جداً , بحث الرجل عن جوهر السينما من وجهة نظر المخرج , روضها كغاية و لم يكتف بالتعامل معها كوسيلة , صنع قصة حبٍ غاية في البساطة ( و أقرب إلى الحلم : رءآها و رأته , و أحبها و أحبته , بكل بساطة ) لكنها بالمقابل غاية في العمق , وظف هذه القصة كما وظف جزئياتٍ اخرى في فيلمه ( منها حادثة الغرق بحد ذاتها ) لخدمة عمقه الحقيقي و رسالته الإنسانية عن الصلف الطبقي و العجرفة و الغرور الإنسانيين , و بقي فيلمه - على الرغم من الترويج الجماهيري له كقصة حب – ملحمةً إنسانيةً غايةً في العمق و الشاعرية , وظفت ( و أكرر هذه الكلمة ) قصة الحب لخدمة رسالتها و لم تجعلها تبدو و لو لثانية دخيلةً أو فائضةً عليها , في Avatar يعيد جيمس كاميرون الكرة من جديد , بتمكنٍ أفضل على مستوى تطور الحكاية جعلها تحافظ على البعد الإنساني طوال أحداث الفيلم و ليس في فترة الذروة فقط , و هو إثبات ٌ واضحٌ على ذكاء الرجل و تطويره لذاته و قدراته , في جوهر هذا الفيلم هناك قصة حبٍ أخرى , نشأت بين جيك سولي و الأميرة نيتيري , نشأت بالبساطة ذاتها التي نشأت بها قصة جاك و روز في Titanic : قصة إنقاذ تقوم بها الأنثى هذه المرة ! , لكن كاميرون بالتمكن ذاته يوظف هذه القصة لخدمة الرسالة الإنسانية التي يقدمها عن المستعمر و صاحب الأرض , و تماماً كما يحدث في Titanic : غير مهم كيف يحدث هذا , المهم أنه يحدث , بساطة لا تتعارض إطلاقاً مع عمق القصة بل توظف في الأساس لخدمتها , و ما كان تعقيد قصة الحب الذي نشده البعض في Titanic ليبدو منطقياً من منطلق كون المسرح الزمني للأحداث لا يتجاوز ثلاثة أيامٍ فقط , لا تحتمل بأي شكلٍ من الأشكال قصةً في تعقيد The English Patient على سبيل المثال , كاميرون ينجح – كما فعل قبل 12 عاماً – في وضع قصةٍ رومانسية بسيطة ضمن ملحمةٍ كارثية تختبر العقلية الإنسانية , و تجردها , و تقوم بمحاكمتها أيضاً ..

ما أثارني أكثر بين كل الأحاديث التي سمعتها و قرأتها عن السيناريو في الفيلم هو الحديث عن ضعفه , و على خلاف ما قرأت لا أجد هذا يمت للواقع بصلة , لا توجد شخصية في هذا السيناريو غير مفهومة , لا يوجد تطور واحد ضمن الأحداث غير مفهوم , لا يوجد أي تقدم درامي في سير القصة غير مبرر , بل حتى لا يوجد إنفعال واحد تعجز عن تفسيره في الفيلم , السيناريو في الواقع ليس ضعيفاً إطلاقاً , سيناريو الفيلم بسيط , و الفارق بين الكلمتين شاسع , تماماً كما حدث مع Titanic , لا تستطيع أن تبالغ بمدحه لكنك أيضاً لا تستطيع أن تصفه بالهشاشة أو الضعف , السيناريو هنا لا يكسر قواعد السرد القصصي المعتادة , خصوصاً في الملاحم , لكنه يبقى قادراً بطريقةٍ ساحرة على موازنة قصةٍ مألوفة مع رؤيةٍ بصريةٍ رائدة و حيوية تجعل إمكانية إعادة مشاهدة فيلمٍ من 162 دقيقة – لا تشعر بطولها إطلاقاً - أمراً حتمياً , الصورة – كما في The Matrix و Blade Runner و 2001 – هي جزء لا يتجزأ من هذا السيناريو , الفيلم كتب لينفذ بهذه الصورة تحديداً , جزئية أتقنها جيمس كاميرون تماماً في Titanic الذي روض به نصاً هدفه الرئيسي جعل الناس يعيشون الليلة الأخيرة من حياة السفينة المنكوبة , و جعل الصورة – أكثر مما يتصور البعض – قادرةً على المساهمة في كتابة جزء من النص , هنا يعيد الرجل الكرة , عندما يريد النص أن يأخذك في رحلةٍ نحو كوكب بونادورا , لا تجعل الصورة في الفيلم من هذه الرحلة رحلةً تقليدية , بل تجعلها رحلةً حقيقيةً يمكن للمشاهد أن يعيشها , و عندما يهدف النص لصناعة رهبةٍ حقيقيةٍ تجاه الكوكب من قبل الغزاة المستعمرين من خلال شحنٍ نفسي و عباراتٍ من قبيل ( إذا كان هناك من جحيم , فستذهب إليه بعد بونادورا كنوعٍ من الإستراحة ) , تقوم الصورة هنا بخلق الرهبة ذاتها في مواجهة جيك سولي الأولى مع مخلوقات الكوكب , جيمس كاميرون للمرة الثانية على التوالي يتعمد أن يكتب نصاً بسيطاً في سرده و في بناء شخصياته و تطور أحداثه , يزول وضوح بساطته أمام قوة الخيال المحدث بالمؤثرات البصرية الإستثنائية التي يقدمها , لدرجةٍ يجعلنا – أكثر من معظم الأفلام التي توظف تقنيات الـ CGI و الـ Live-Action – نهتم فعلاً بهذه الشخصيات , و نراقبها , و نقلق لمصيرها .

رسالة الفيلم بالمقابل بسيطة و واضحة و عالمية , فيلم عن الأرض الأم , عن الإمبريالية و التوسع الإستعماري , عن الشرف بصورته الأبسط و الأكثر مباشرة : فعل ما يجب فعله و ليس ما يفترض فعله , يقدم هذه الرسالة بوضوح من خلال حوارات بسيطة ( و قليلة نوعاً ما قياساً لمدته ) , الفيلم يستلهم مجموعةً من القصص العظيمة التي سبقته , يعيد مزجها ببعضها و يقدم لنا معالجةً جديدةً لقصة بوكاهونتاس , تبدو كنسخة خيالٍ علمي من Dances With Wolves أو The Last Samurai, أو نسخةً فانتازيةً من Apocalypse Now , في هذه القصص هناك ردة يتعرض لها رجلٌ عسكري يجد نفسه فريسة إنقلابٍ فكري و روحي نتيجة وجوده في مكانٍ غريب و بيئة مختلفة , و يجد نفسه بعد ذلك نصيراً لها و متمسكاً بها على حساب أبناء جنسه , هذه المرة برمزيةٍ دينيةٍ مباشرة لقصة الرجل المختار المبعوث ليقود الأمة نحو النصر , قصة ليست جديدة , و لكنها أيضاً ليست مستهلكة , أو على الأقل لا يجعلها الرجل تبدو مستهلكة , من خلال إستلهامه لفلسفة النظام العالمي الحديث و إسقاط صورته على هذه الشركة العملاقة الباحثة عن الحجر الثمين ( أنوبتانيوم ) في كوكب بونادورا , في هذا الفيلم تكون الأرض محاصرةً بيئياً , لكن على خلاف سائر أفلام الإستعمار الفضائي لا يكون المكان بحد ذاته هدفاً للمستعمر , المستعمر – كحال الإمبريالية الأمريكية – لا يبحث عن مكانٍ يؤويه و يضمه إلى أملاكه , النظام الإستعماري الجديد يعمل بذراعين يمثلان في هذا الفيلم ذراعي هذه الشركة العملاقة , الذراع العلمي تقوده البروفسورة غريس أوغستين ( تؤديها سيغورني ويفر ) و الذراع العسكري يقوده الكولونيل مايلز كوارتيش ( يؤديه ببراعة ستيفن لانغ ) , و الذراعان على طرفي نقيض و إن كانا يخدمان المصلحة ذاتها , الأول يهدف لبناء أواصر الثقة و الأمان المزيف بعلاقة ودية بين الطرفين هدفها في الأخير الحصول على الأنوبتانيوم , و الأخرى تجد الحل العسكري مثالياً لأمورٍ كهذه , فيلم يحاول تفسير النقاط غير المفهومة في السياسة الأمريكية المعاصرة و الإستعمار الجديد الذي مارسته و تمارسه , الفيلم يبدو و كأنما يلامس روح فيتنام و أفغانستان و العراق من خلال مصطلحات يتداولها أبطاله كـ ( مواجهة الإرهاب بالإرهاب ) و ( الضربة الإستباقية ) , و يحاول تقديم صورةٍ مفهومةٍ لسبب فشل كل تلك النزوات الأمريكية على الرغم من الدمار الذي أحدثته في تلك البلدان : شعب النافي عاش في بونادورا بالرغم من قسوته لأنهم ببساطة عرفوا الكوكب جيداً , و تناغموا مع طبيعته , و كانوا عقلاء في ترويض مخلوقاته , العقدة التي من الصعب للغاية إستيعابها لدى المستعمر , كاميرون من خلال النص و الصورة يخدم فكرته بولاء كامل من خلال الرمزية التي يمثلها قيادة النافي لأي حيوانٍ من حيوانات الكوكب و التواصل العقلي و الروحي المحدث من خلال إرتباط ظفيرة النافي بظفيرة الحيوان , صورة جميلة و غير مفتعلة لمدى تواصل الكائن مع بيئته , تتعزز بقوة بالمشاهد الكثيرة التي تسرد قصة الأرض الأم و شجرة الصفصاف العملاقة , و التواصل العصبي غير المفسر بين شعب النافي و الأرض التي يعيش فيها , جيك سولي يتساءل في أحد مشاهد الفيلم : ماذا سنعرض عليهم ؟ بيرةً مخففة أو بنطلونات جينز ؟! , تساؤل يأتي من رجلٍ أدرك صعوبة البقاء في أرضٍ لا يستوعبها , و لا تستوعبه , جيك سولي يقوم هنا بذات الدور الذي لعبه في الماضي أبطال الويسترن , الإنطلاق نحو الطبيعة , و تحديها , و ترويضها على طريقته , ثم الوقوف بعد كل ذلك و تأملها في جلال و إحترام بالرغم من عقلية الكاوبوي التي تستعمر دماغه , في هذا الفيلم لا نشاهد إنقساماً صارخاً في نفسية بطله جيك سولي على الرغم من وجوده , لا نشاهده بسبب عدم منطقيته , جيك سولي يقوم بمهمةٍ ذهنية مقابل نقودٍ سينفقها في عملية جراحيةٍ مكلفة لإستعادة الحياة في ساقيه , لكنه الآن يعيش بساقين في هذا العالم الإفتراضي , جيك سولي يفقد حماسه لمهمته بسبب فقدان الدافع , و يقوم في هذه المرحلة بما يجب عليه أن يقوم به , بما يمليه عليه ضميره و إنسانيته , لا بما كلف به أو بما يفترض عليه القيام به , جيمس كاميرون يدرك تماماً – كما فعل في قصة الحب في Titanic و هي حدوته ذلك الفيلم – بأن الإنقسام الصارخ في الحدوتة الرئيسية سيفقدها تماماً منطقيتها , جيك سولي ليس شقيقه التوأم : الرجل العالم المتفرغ لهذه المهمة بدافعٍ علميٍ أصيل , جيك سولي شخصٌ يخوض هذه المهمة لغرض , يشعر – ذهنياً على الأقل – بأنه حصل على هذا الغرض , و نشاهد مقدار سعادته في المرة الأولى التي يشعر بها بالحياة في ساقيه , فيعود كما كان : جيك سولي ! بكل بساطة : يقع في الحب , و يخوض مغامراته المجنونة و الطائشة في هذا المكان الغريب , و يقوم بما يمليه عليه عقله , و ينحاز لصف سكان البلد الأصليين عندما يشعر بأن مهمته الأصلية إنحرفت عن مسارها بسبب نزواتٍ عسكريةٍ مجنونة , ثم يخلص في الختام إلى أن هذه الأرض ليست له , لا يتنفس هواءها , و لا يتأقلم مع بيئتها , و لا يستوعب تفاصيلها , و عندما حدث هذا , حدث لأنه أصبح منهم , و شبيهاً لهم , و يخلص في الختام إلى أن المستعمر يأتي و يذهب , و تبقى الأرض الأم حنونةً على أبناءها , و مخلصةً لهم , و فخورةً بهم ..

نعم .. أثارني جيمس كاميرون في هذا الفيلم , حقيقةٌ لم أستطع أن أراوغها بتاتاً على الرغم من أنه من النادر أن يثيرني فيلم , مزيج فذ من جيمس كاميرون ذاته , من كلاسيكيتين شهيرتين قدمهما فيما مضى : ثقافة غزو الفضاء و التدخلات العسكرية في Aliens , و الحب الناشيء بين شخصين من بيئتين و عقليتين متباعدتين في Titanic , و كي تتمكن من دمج بعدين كهذين في قصةٍ واحدة عليك أن تتمكن من ترويض الحبكة في خدمة المغامرة , المخرجون الآخرون يعملون على الحبكة من جهة , ثم يقلعون منها نحو التأسيس للمغامرة , كاميرون على خلافهم يجعل الحدوتة جزءاً من المغامرة , من خلال تطور نفسي حقيقي لدى جميع الشخصيات في الطريق نحو المعركة الختامية التي لا تنسى , ثم تطور درامي حقيقي للحدث ضمن المعركة ذاتها لدرجةٍ تحتار معها فعلاً و تتساءل كيف ستنتهي , أولئك الذين ينسبون إنبهار الناس بهذا العمل إلى قوته كفيلم 3-D , لا يستوعبون كم كان هذا الفيلم عظيماً في 2-D , جيمس كاميرون مجدداً يقدم الكثير من جيمس كاميرون : القصة البسيطة , الإثارة التي تحبس الأنفاس , الثورية البصرية , و متعة أن تشاهد شيئاً لم تشاهده من قبل , و الكثير و الكثير من السينما , لهذا نحب هذا الرجل , و لهذا نعشق أعماله , و لهذا نتوق لجديده , و لهذا ننتظره و ننتظره , حتى لو كلفنا ذلك 12 عاماً ..

قاومت كثيراً فكرة العلامة الكاملة في تقييم هذا الفيلم , ثم كما حدث مع The Departed وجدت نفسي أنحني له , و إن كان إنحنائتي هذه المرة أسرع مما كنت أتصور , ببساطة عدت إلى النقطة التي دائماً ما أبحث عنها في أي فيلمٍ أشاهده : ما هو الغرض الذي صنع هذا الفيلم من أجله ؟ لطالما قيمت الأفلام بناءً على هذه النقطة , و لن أخرج عن النص هذه المرة , دعك من بساطة الحبكة و وضوح دوافع الشخصيات , أنت لا تقرأ روايةً هنا , أنت تبحث عن سينما , و في الواقع هذه هي السينما , و من أجل هذا أطلقها الأخوان لوميير قبل أكثر من 11 عقداً , نعم , لم أجده كاملاً , لكنني في الوقت ذاته لم أجده معيباً , و ربما هذا جزءٌ من براعة الإخراج الكاميروني , تذكرت تعريفي المبسط للسينما ( في حوارٍ أجراه معي لصالح منتديات سينماك صديقي محمد المصري ) , قلت يومها بأنها أربعة كلمات تحتمل كتباً لتفصيلها : ( فن , تواصل , صناعة , ترفيه ) , و لأن جيمس كاميرون يخدم هذه الأركان الأربعة ( ربما كما لم يفعل فيلمٌ آخر خلال الألفية ) , فهو يستحقها , حدث سينمائي حقيقي , و إنجازٌ بصري مدوٍ , هذا واحدٌ من أفضل أفلام العام , من واحدٍ من أكثر مخرجي هوليوود ريادةً و ثوريةً على الإطلاق .

التقييم من 10 : 10