الأحد، 18 أكتوبر، 2009

Hero

كتب : عماد العذري

بطولة : جت لي , توني ليونغ , ماغي تشيونغ , زياي جانغ
إخراج : زانغ يمو


(( يُتِّمت في سنٍ مبكرة ..
لم يكن لدي إسم , فدعاني الناس ( عديم الإسم ) ..
ولأني لم أكن شيئاً , درست فنون المبارزة بالسيف ..
وبعد عشر سنواتٍ من الممارسة , إكتسبتُ مهارةً فريدة ..

إستدعاني ملك كين ..
أدهشت أعمالي المملكة
)) ..

(( زانغ يمو مرةً أخرى يبدع قصيدةً بصريةً من الجمال الإستثنائي )) الناقد الكبير روجر إيبرت ..

أتذكر ماحدث قبل أكثر من عامين عندما علمت أن فيلم نجم أفلام القتال الآسيوي جت لي الأخير رشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي .. هرعت إلى أحد المواقع السينمائية لأتأكد من الخبر .. وما كادت عيني تصل إلى إسم جت لي إلا وقد إصطدمت بإسم عملاق عمالقة آسيا اليوم زانغ يمو .. فإبتسمت إبتسامة رضا ..

و زانغ يمو لمن لا يعرفه هو واحد من أعظم رموز الجيل الخامس من مخرجي السينما الصينية إن لم يكن أعظمهم .. وقد لا يكون المرء مبالغاً إذا إعتبره أعظم مخرجي آسيا اليوم .. فبعد وفاة الهندي ساتياجيت راي و في ظل هوليوودية آنغ لي .. وبروز القوى الجديدة في السينما الإيرانية .. وخصوصية التعامل مع فن الياباني بيت تاكيشي كيتانو .. وغياب التايواني إدوارد يانغ .. تلك الظروف جعلت زانغ يمو الذي بدأ حياته منقسماً بين تيارات سياسية متعددة تقاسمت الصين في الخمسينيات .. وشكل إتهام شقيقه بالتجسس ولجوء شقيقه الآخر إلى تايوان جزءاً كبيراً من شخصيته التي تجلت معالمها عقب الثورة الثقافية مطلع السبعينيات , الرمز الأول للسينما الآسيوية في العالم اليوم ..

بدأ زانغ يمو مشواره السينمائي مصوراً في إثنتين من أهم الرسائل التي وجهتها السينما الصينية للسينما العالمية منتصف الثمانينيات : رائعة زانغ جونغزاو One And Eight .. وتحفة تشن كيجي Yellow Earth .. قبل أن يقوم بتصوير وبطولة رائعة وو تيانمنغ Old Well عام 1987 والتي نال عنها جائزة أفضل ممثل من مهرجان طوكيو السينمائي الدولي .. في العام ذاته أرسل تحذيره الأول لسينمائي العالم عندما قدم رائعته الأولى Red Sorghum والذي قدم فيه رؤيته الخاصة لحجم الإضطهاد والكبت تحت ستارة الإجتياح الياباني للصين ونال به دب برلين الذهبي عام 1987 وحظي بإستقبال نقدي وحقق أرباحاً مادية فاقت ما كان يتصوره ..

ورغم ذلك فإن الحقيقة التي لا يجادل أحد فيها هي أن المكسب الأكبر الذي حققه زانغ يمو في عام 1987 هو تقديمه لتلك الشابة ذات الواحد وعشرين ربيعاً طالبة أكاديمية الدراما المركزية في بكين ( غونغ لي ) .. تلك الشابة التي ساهمت بشراكتها طويلة الأمد مع زانغ يمو في تغيير خارطة السينما الصينية لأكثر من عقد من الزمان جابا فيها مهرجانات الدنيا وعادا بالجوائز من معظمها .. وفرضها اليوم واحدة من أكثر النجمات شعبية في العالم أجمع ..

بعد بهوت دام ثلاثة أعوام قدم زانغ يمو Ju Dou عام 1989 , فيلمه الأول بعد أحداث ساحة تياننمن الدامية .. كان ترميزاً سياسياً مبطناً من خلال قصة إمرأة شابة تزوج بالقوة لعجوز عاجز , بذيء , متعسف .. وهو الفيلم الذي رشح عنه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي .. قبل أن يفجر زلزاله المدوي في أعظم أفلام آسيا خلال التسعينيات كلها Raise the Red Lantern : قصة إمرأة شابة تزوج قسراً لثري عجوز يمتلك ثلاث نساء في منزله , مصوراً من خلال صراع الزوجات الأربع وبأساليبهن المختلفة على السلطة في البيت .. الصراع السياسي الذي عم بلاده طوال عقود خمس .. ونال به جائزة أفضل مخرج من مهرجان فينيسيا ( الأسد الفضي ) .. قبل أن يعود في العام التالي لينتزع أسدها الذهبي كأفضل فيلم عن رائعته الرابعة The Story of Qiu Ju التي روى فيها قصة فلاحةٍ قرويةٍ حامل ونضالها بحثاً عن الإنصاف والعدالة بعدما إعتدى كبير البلدة على زوجها .. وهو الفيلم الذي أكمل بنية الإطار الصوري الذي رسخه يمو في ثلاثيته السابقة والذي فرضه واحداً من أهم مخرجي الصورة خارج هوليوود ( يكاد لا يوازيه في ذلك إلا الأسباني بيدرو ألمودوفار ) ..

بعد عامين من ذلك إخترق حاجز كان , وعاد بجائزة لجنة التحكيم الكبرى فيه عن رائعته الخامسة To Live .. وهو الفيلم الذي شكل الإنطلاقة الحقيقية لزانغ يمو لدى عشاق السينما في الولايات المتحدة ..

وبعد فترة من الجفاء لاقته روائعه الخمس الأولى ( الأهم ) من قبل الحكومة الصينية سمح بعرض The Story of Qiu Ju على نطاق واسع لكن مشاكل يمو عادت للظهور مع Shanghai Triad عندما رشح فيلمه هذا لجائزة مهرجان نيويورك السينمائي التي رشح لها في العام ذاته فيلم Gate of Heavenly Peace والذي أثار حفيظة الحكومة الصينية لتعرضه لحادثة تياننمن الأمر الذي أدى لسحب فيلم يمو من المهرجان ..

تزايد الضغوط إكتمل بإعلان إنفصاله ( الشخصي والسينمائي ) عن غونغ لي الأمر الذي أدى لترنح تام أصاب عمله Keep Cool , وإكتفى طوال أربع سنوات بالظهور كضيف في أغلب المحافل السينمائية العالمية .. قبل أن يعود في عام 1999 إلى الواجهة الدولية بعملين كبيرين : الأول Not One Less الفائز بأسد فينيسيا الذهبي .. والثاني The Road Home المتوج في عام 2000 بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان برلين السينمائي الدولي .. الأمر الذي لم يرسخه فقط كواحدٍ من أهم مخرجي العالم لكنه رسخه كذلك كحالة سينمائية : فكراً وإخراجاً .. وحتى على الصعيد الشخصي ربما ..

بعد تلك المسيرة الحافلة بالصراعات .. والنجاحات .. والجوائز ... صمت !
ليس صمتاً تاماً .. لكنه إختفاءٌ ملفتٌ عن المحافل الدولية ..

حتى جاء عام 2002 .

في فيلم 2002 .. لن يثير زانغ يمو عاطفتك بقصته .. كما فعل في ( جو دو ) أو ( علقي القنديل الأحمر ) أو ( قصة كيوجو ).. فهو هنا في واحد من أفلام القتال الآسيوية التي تجعل عاطفتك أبعد ما تكون أثناء المشاهدة ..
في فيلم 2002 .. لن يتناول الصين المعاصرة .. همه الأول والأخير في جميع أفلامه .. بل سيذهب بك أبعد مما تتصور ..
في فيلم 2002 .. لن يعرض أفكاره اليسارية التي جلبت له المشاكل على الدوام .. فهو هنا محافظ إلى أقصى درجات المحافظة ..
في فيلم 2002 .. لن يقدم أداءاً صاعقاً .. كحال ذلك الذي قدمه مع رفيقة دربه المذهلة ( غونغ لي ) ..
في فيلم 2002 .. لن يثير التساؤلات .. لن يشحذ الأفكار .. لن تشاهد زانغ يمو كما عهدته ..

إنه ببساطة : إلهام أعظم مخرجي آسيا عبر العصور ( أكيرا كوروساوا ) .. لأعظم مخرجي آسيا اليوم ( زانغ يمو ) .. في أحد أعظم أفلام آسيا كلفة على الإطلاق ( Hero ) !

في ( بطل ) يعود بنا يمو قرابة ثلاثة و عشرين قرناً إلى الوراء .. إلى ذروة الحروب بين المقاطعات الصينية عندما قسمت الصين إلى سبع ممالك تتصارع بينها على السيادة .. كانت أكثرها حرصاً على ذلك هي مملكة كين .. التي يريد ملكها أن يضم بقية الممالك و يصبح أول إمبراطور في تاريخ الصين .. هذا الأمر جعله عرضة لمحاولات الإغتيال المتكررة .. من قبل سفاحي الممالك المختلفة .. بين كل هؤلاء برز إسم ثلاثة من المقاتلين , لم يكن هناك من يجاريهم في قوتهم .. وشجاعتهم .. وخبراتهم .. والأهم من ذلك في عزمهم على الإطاحة بملك كين .. كان أولئك ( السيف المكسور ) و ( الثلجة الطائرة ) و ( السماء ) .. ومقابل من يطيح بهؤلاء وعد الملك بثروةٍ كبرى وسطوةٍ لا تضاهى ..

لكن ذلك الوعد لم يجلب نتائج تذكر ..

حتى مرت أعوامٌ عشرة .. عندما يجلب رجل يدعى ( عديم الإسم ) أسلحتهم الثلاثة إلى قصر الملك .. وعديم الإسم هذا شريف إحدى المقاطعات و مقاتل صنديد ومبارز سيوف من الطراز النادر ..هزم السماء في مباراة مبارزة مثيرة .. وحطم الثنائي العاشق السيف المكسور و الثلجة الطائرة .. ومع تقدمه في روايته يقربه الملك خطوات أكثر منه كجزء من مكافئته .. ومع إقترابه مسافةً لم يحظى بها رجل قبله .. تبدو القصة المروية للمشاهد أكثر تعقيداً .. لتصبح مع تداعياتها الأخيرة أنشودةً سينمائيةً فريدة .. وتنظيراً صينياً جديداً لمعنى أن تكون ( بطلاً ) !

يبني الفيلم شباكه حول الأساطير الصينية الشهيرة التي رافقت عصر سطوة ملك كين الذي غدا بعد ذلك أول إمبراطورٍ في تاريخ الصين .. وظلت الصين بعده موحدة حتى يومنا هذا .. تلك الأساطير التي قرنت إسمه بأسماء العديد من المقاتلين السفاحين الذين أرسلتهم الممالك الست الأخرى ليحظوا برأسه وردوا جميعهم خائبين .. هذه الأساطير التي كانت مادة خصبة لمئات المؤلفات والروايات والأعمال الفنية على كافة صنوفها وأشكالها ( مسرح و أوبرا و تلفيزيون و سينما ) .. بدت في أبهى صورها بعد معالجة زانغ يمو لها .. وكأنما كانت الصين تنتظر بشغف إلتفاتة مخرجها الأول نحو أساطيرها .. ولعل مقدار التباين البصري الشاسع بين عمل يمو هذا ورائعة تشن كيجي التي سبقتها بأعوام ثلاث ( الإمبراطور والسفاح ) الأكثر دراميةً وواقعيةً في تعاملها مع الأسطورة .. رغم كونها أسطورة .. جعلت على كل مخرجٍ يقرر خوض التجربة مستقبلاً يعيد التفكير مراراً وتكراراً قبل أن يقدم على مجازفةٍ كهذه ..

ربما لا يخفى على عشاق الفن السابع تأثر زانغ يمو الواضح في عمله هذا بروح الأسطورة اليابانية أكيرا كوروساوا .. فروح راشومون تملأ الفيلم بل وتغمره غمراً دون أن تبدو على هذا التأثير ملامح المحاكاة .. زانغ يمو يرسم ببراعةٍ على لسان شخصيتيه الرئيسيتين عديم الإسم وملك كين بدعة السرد القصصي في Rashomon ( أحد أعظم الأفلام في تاريخ الفن السابع والذي يروي قصة جريمةٍ إرتكبها قاطع طريق في غابة يابانية في مقاتل ساموراي بعدما إغتصب إمرأته .. على مرأى من حطاب كان متواجداً في مكان الجريمة .. في المحاكمة يتوالى سرد أربع قصص متباينة حول الجريمة يرويها : المجرم و زوجة المقتول والحطاب و روح المقتول التي يتم إستحضارها .. وبين هذه القصص الأربع وضع كوروساوا تنظيره العبقري لما درج على تسميته بـ ( نسبية الحقيقة )) .. تتوالى قصص زانغ يمو لتكشف كل منها حقيقة جديدة في البنية القصصية .. في البداية عديم الإسم مقاتل شديد البأس أطاح بالسماء في معركة مثيرة على صوت زخات المطر وعزف أوتار عجوز صيني .. ثم إستغل علاقة الحب بين السيف المكسور و الثلجة الطائرة ليدمر هذا الثنائي الذي لايقهر .. لكن القصة بوضعها الحالي لا تروق للملك .. فخبرته وتجربته العنيفة معهما عند هجومهما على قصره تؤكد له أنهما لم يقتلا .. هذا الشك يفتح منفذا قصصياً جديداً .. إذ لا يمكن لشخص واحد أن يجلب السيوف الثلاثة بمجرد قتال .. يرى الملك في قصته أن عديم الإسم إتفق مع السماء على قتله مقابل أن يظفر بسيفه كي يستطيع عقد صفقة مع الثنائي الآخر .. وكان له ما أراد .. وكي يستطيع عديم الإسم الوصول للملك كان لا بد له من أن يظفر بأحدهما ضمن إتفاق مشترك وفي معركة يحضرها جنود الملك .. و مرة أخرى كان له ما أراد فجلب سيوف هؤلاء الثلاثة كي يتاح له هو أن يظفر برأس الملك .. قصة الملك تبدو لعديم الإسم منطقية إلى حد كبير .. لولا بعض التعديلات الجوهرية .. عديم الإسم عمد إلى ضربة خاصة مبتكرة في مواضع معينة من الجسم تسبب أعراضاً شديدة لكنها لا تقتل .. إستخدمها بنجاح في مواجهة السماء أمام رجال الإمبراطور دون أن يقتله .. وذهب يعرض فكرته للإطاحة بالملك أمام الثنائي العاشق .. لكن السيف المكسور لم ترق له الفكرة ورفض لسبب لم يفهمه عديم الإسم حينها ( الملك لا يجب أن يقتل ) .. هذا الرفض قابله موافقة من الثلجة الطائرة التي رفضت أن يطيح السيف المكسور مرةً أخرى بالفرصة التي واتته قبل ثلاثة أعوام في قصر الملك .. مما يدفعها لإعاقة السيف المكسور في قتال سريع مقابل أن تذهب لمواجهة عديم الإسم أمام جنود الإمبراطور .. ليظفر بالسيوف الثلاثة ويصل إلى المسافة التي ماكان أحدهم يحلم بها .. الخطوات العشر .. لينسج هنا زانغ يمو التنظير الجديد لمعنى أن يكون المرء بطلاً ..

بطل زانغ يمو فريد من نوعه .. إنه ليس من ذلك النوع ذو التوجه الواحد .. ذلك النوع الذي يرى كل شيء من منظور واحد هو المنظور الأبيض أو منظور الفضيلة .. وهو البطل الذي رسخته أغلب الأفلام التاريخية الهوليوودية .. هو بالمقابل ليس رجل الإستفاقة .. الذي يقضي حياته في القتل والتدمير قبل أن يستفيق فجأة ليحاول إصلاح ما أفسده الدهر و هو البطل الذي رسخته في هوليوود أغلب أفلام الويسترن .. هو كذلك ليس بطلاً شعبياً يتناقل الناس أخباره .. وتجده الصحف مادة دسمة لعناوينها وهو النمط الذي رسخته أغلب أفلام الكوميكس عن الأبطال الخارقين أو السوبر هيروز .. فبطولته لا يعلم بها أحد ولا يلحظها أحد .. هو بطلٌ من نوع خاص جداً .. البطل لدى زانغ يمو هو ليس ذلك الشخص الذي يسعى لنصرة الفضيلة .. أو ذلك الشخص الذي يفني عمره بحثاً عن الحق حتى يصل إليه .. ليس رجل المباديء و القيم و المثاليات .. ليس رجلاً يحدد هدفه ويسعى للوصول إليه .. إنه الشخص الذي يحقق بطولته بالتضحية بكل آماله و مبادئه و قيمه و مثالياته و طموحاته و أهدافه التي سعى لتحقيقها طوال حياته من أجل هدفٍ لا يتوافق مع رغباته و نوازعه كل ذلك في سبيل هدفٍ أكبر و أسمى و أهم .. عديم الإسم شابٌ نشأ على شيء واحد طوال حياته هو الحقد تجاه ملك كين .. الرجل الذي كان سبباً في القضاء على عائلته .. حمل حقده هذا في قلبه .. وبنى عليه حياته .. وتدرج من موقع لآخر وكسب إلى صفه ثلاثةً من ألد أعداء الملك .. وإستغل حياتهم ليصل إلى حلمه .. الوصول إلى مسافة الخطوات العشر التي يستطيع من خلالها الإطاحة برأس غريمه .. لتتفجر هنا كل معاني البطولة ودروس الشجاعة عندما يطيح فجأة بالرؤوس الأربع التي يخافها الملك ( بما فيها رأسه هو ) من أجل هدفٍ يتناقض تماماً مع ما عاش من أجله وهو بقاء ملك كين حياً .. لأنه وجد أخيراً الهدف الأسمى والأكبر .. الصين الموحدة والقوية .. الصين التي يعمها السلام من أقصاها إلى أقصاها .. هذا الهدف الأهم لن يحققه حتى تضامنهم الأربعة معاً .. بل يحققه فقط بقاء ملك كين حياً .. فهو بقوته و حزمه وإرادته الوحيد القادر على إيجاد صينٍ موحدة و قوية و محترمة .. هدف كهذا دفع عديم الإسم للتضحية بحياته وحياة رفاقه من بعده في سبيل تحقيقه .. حتى و إن كان السبيل إليه يتناقض مع معتقداته .. و يغير من توجهاته .. حتى و إن كان الوصول إليه يفرضه خائناً في طول البلاد وعرضها .. والأهم من ذلك كله خائناً في نظر رفاقه الذين وثقوا به .. بطلٌ من نوعٍ خاص جداً .. ظل طوال حياته نكرةً لا يعرفها أحد .. لكنه دفع حياته لكي يصنع أمة ..

سيبدو المرء مبالغاً بعض الشيء إذا إعتبر أن زانغ يمو يبدو هنا في أفضل حالاته الإخراجية .. لكنه لن يكون مبالغاً أبداً إذا عده أحد أفضل ما قدم على الصعيد الإخراجي .. ولعل مجرد خوضه لهذه التجربة بالذات .. والتحول أو الإنقلاب التام في الخط العام الذي سار عليه في أعماله السابقة نحو تقديم ملحمةٍ صينيةٍ أسطوريةٍ على أعلى مستوى من الجودة التقنية فكرياً وبصرياً وسمعياً هو شيء يستحق التقدير بحد ذاته .. ورغم أننا ننغمر تماماً في قصص الفيلم الثلاث .. إلا أن زانغ يمو لا ينسى أسلوبه الخاص في صناعة تلك التفاصيل العاطفية المميزة بين شخصياته .. على الأخص بين ( السيف المكسور ) و ( الثلجة الطائرة ) .. وبين ( قمر ) و ( عديم الإسم ) .. تاركاً الترمومتر العاطفي في أقصى درجات جنونه .. بين الحب والكراهية , الإخلاص والخيانة , الثقة والغيرة .. ينساب بسهولة دون أن يجعلك تشعر بوجوده حتى ..

لكن والحق يقال فإن هذا الترمومتر العاطفي المجنون في علاقات شخوص زانغ يمو مع بعضها في هذا العمل يبقى محصوراً ضمن تلك العلاقات .. دون أن نغمر نحن المشاهدين بعاطفته .. مايؤخذ على العمل الأكثر كلفةً في تاريخ السينما الصينية هو كونه الفيلم الأقل إثارة للأحاسيس بين أعمال يمو جميعها .. ليس هناك من شخصية تكتسب تعاطفاً ( فعلياً ) منا كمشاهدين .. هناك رسالةٌ رائعة .. وتنفيذٌ أروع .. لكن أسلوب Rashomon هذا ربما ألغى أي إمكانية لتواصل عاطفي معنا .. ومن السهل ملاحظة كم كانت الميتتان في نهاية الفيلم فريدتين .. ساحرتين .. خالدتين .. لكن دون شعور فعلي بالأسى تجاه أبطالها !

على الصعيد الفني فإن مقارنة هذا العمل مع Crouching Tiger, Hidden Dragon يبدو لا مناص منها .. فربما لم تقدم آسيا منذ عقد كامل في هذا الصنف السينمائي الخاص - الـ ( Wuxia ) - ما يجاريهم .. وتحديداً منذ رائعتي ( حدث ذات مرة في الصين ) و ( القرد الحديدي ) .

والـ ( Wuxia ) لمن لا يعرفه , صنف شديد الخصوصية .. تميزت به آسيا – وتحديداً أقصى شرقها – بشكل خاص .. هو صنف يتناول أساطير الشرق بنوعٍ من الفانتازيا التي تتضمن فصلاً واضحاً على الأغلب بين الخير والشر ترسمه : صورٌ قتاليةٌ مدهشة ٌ.. مبارزات سيوف .. قدراتٌ خاصة تتحدى الجاذبية .. ولوحاتٌ طبيعةٌ خلابةٌ .. وفوق هذا وذاك .. بطل !

تقنياً .. هذه أكثر مراجعاتي إحراجاً في تناول الجانب التقني فيها .. ربما لأنه من النادر أن تشاهد كل يوم جودةً تقنيةً في فيلم كتلك التي شاهدتها في Hero .. وربما لأن قرار زانغ يمو تحويل أساطير بلاده إلى لوحات سينمائية ساحرة ستظل في البال طويلاً .. كان لابد ألا يمر مرور الكرام !

ولأن زانغ يمو رأى في فيلمه هذا مرتعاً خصباً ليقدم رؤيته السينمائية الخاصة للفلاش باك .. فهل كان بمقدوره هنا أن يتجاهل المصور الأسترالي الفذ كريستوفر دويل ( المهووس بسينما الشرق وصاحب الأعمال الآسيوية الرائعة Chungking Express و In The Mood for Love والذي يعد نظرياً أهم مصور في آسيا اليوم ) , قد لا يكون من قبيل المبالغة إعتبار كريستوفر دويل رجل زانغ يمو الأول في هذا العمل .. ولعل مجرد تقديم القصص الأربع وفق تسلسل لوني ( أحمر – أزرق – أخضر – أبيض ) يبدو كافياً للحديث عن عمله .. فعلاوةً على تقنيات التصوير الملحمي التي إستخدمها بإسرافٍ هنا .. إلا أن السرد الروائي للفلاشباكات الأربع وبأربع ألوان مختلفة منح كماً هائلاً من الخصوصية والتميز لكل قصة نشاهدها .. جعل من كل الصور التي نشاهدها أقرب إلى حلمٍ سينمائي جميل أكثر من كونه عرضاً سينمائياً .. ولعل في مشهد القتال الخريفي ( الأحمر ) بين ( الثلجة الطائرة وقمر ) .. والقتال (الأزرق ) على صفحة الماء بين ( السيف المكسور وعديم الإسم ) .. والهجوم ( الأخضر ) للسيف المكسور والثلجة الطائرة على قصر الإمبراطور .. خير دليل على ما قصدته ..

الموسيقى .. يالموسيقى Hero !!
الأوسكاري تان دن يرسم مجموعةً من أجمل مقاطع الموسيقى الصينية التي قد تسمعها يوماً .. إيتزاك بيرلمان يصب هنا خلاصة حزن الكمان .. ولو تدري كيف يكون حزن الكمان !

المؤثرات .. !!
زانغ يمو يصل في تنفيذ أساطير الشرق إلى القمة .. ويقفز بالثورة التي فجرها أسطورة فنون القتال السينمائي يوان وو بينغ قبل قرابة عقد من الزمان ( ثورة الحبال ) إلى الذروة .. هذه الثورة التي إنطلقت عملياً مع رائعته The Iron Monkey و تجلت أجمل صورها في رائعتيه The Matrix و Crouching Tiger, Hidden Dragon بدت هنا كاسحةً .. متفجرةً .. آسرة .. لا أتذكر أنني شاهدت مشهداً في عام 2002 يفوق في جماله البصري مشهد القتال الخريفي الساحر بين الثلجة الطائرة وقمر .. أو القتال البديع على صفحة الماء بين عديم الإسم والسيف المكسور .. ثورة الحبال هنا في أعلى درجات توهجها .. من الصعب أن ينكر أحد هذا ..

على صعيد الأداء ورغم غياب غونغ لي ( التي قدمت أداءاً مدهشاً في فيلم تناول الحقبة ذاتها والموضوع ذاته بمعالجة مختلفة تماماً قبل ذلك بثلاثة أعوام The Emperor & The Assassin ) إلا أن زانغ يمو ينجح في تجاوز غيابها ليقدم أداءاً ممتازاً في طاقم عمله .. قد يحق للبعض تجنب مقارنته بأعمال زانغ يمو مع غونغ لي .. لكنه لا يحق له إلا أن ينصف الأداء هنا .. بدون أدنى شك هذا هو أفضل ماقدم جت لي أدائياً طوال مسيرته .. يبدو هنا وقد إستفاد من خبرة بضع سنوات قضاها في هوليوود ليعود مرة أخرى برائعة من روائع الـ Wuxia ( بعد رائعة تسو هارك الشهيرة حدث ذات مرة في الصين 1991 ) .. يبتعد فيها تماماً عن قدراته القتالية المعروفة .. ليكثف جهده في نظرات عينيه التي تبدو هنا غامضةً .. مريبةً .. وتحمل الكثير في طياتها ..

الرائعان على الدوام توني ليونغ و ماغي تشيونغ قدما تناغماً لا يقل في شيء عن ذلك الذي قدماه في In The mood for Love , ليونغ الذي فرض نفسه اليوم أهم ممثلٍ في قارة آسيا بأداء شديد التماسك في جميع أعماله .. ومسيرة حافلة من الأعمال بات يحسده عليها كبار نجوم هوليوود .. منذ ظهوره الأول في تحفة هاو زياو زين City of Sadness مروراً برائعة جون وو Hard-Boiled وشراكته طويلة الأمد مع المخرج الكبير وونغ كاراواي في خمسة أعمال رائعة بما فيها تحفته الشهيرة Chungking Express دون أن ننسى رائعة أن هونغ تران الفيتنامية الشهيرة Cyclo ورائعته التالية لعمل زانغ يمو هذا Infernal Affairs , وجوده منح ثقلاً أدائياً ممتازاً وازاه إلى حد كبير وجود شريكته ماغي تشيونغ التي منحت عشاق يمو نوعاً من الطمأنينة ( ففي غياب غونغ لي هناك ماغي تشيونغ ! ) , زياي جانغ المنطلقة بسرعة النفاثة تفرض هنا عنصراً لا يمكن تجاهله ضمن الأداءات في الفيلم .. وعنصراً مشتركاً آخراً للمقارنة مع تحفة آنغ لي ( نمر رابض , تنين مختبيء ) .!!

رشح الفيلم لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2002 وخسرها بأعجوبة لصالح الفيلم الألماني Nirgendwo in Afrika , وإنتظر عامين كاملين قبل أن يتلقفه كوانتين تارانتينو الموزع ليطرحه للمرة الأولى في الولايات المتحدة قبل بضعة أشهر .. و يحصد به أكثر من خمسين مليون دولار في الولايات المتحدة وحدها ..

(( في عام 221 قبل الميلاد غزا ملك كين كل الممالك الست .. و وحد الصين .. و أوقف كل بعثاته .. وبنى سور الصين العظيم لحماية شعبه من هجمات القبائل الشمالية ..
أصبحت إمبراطورية كين الأولى في تاريخ الصين , وأصبح كين شيهوانغ الإمبراطور الأول في تاريخ الصين ..

عديم الإسم حوكم كخائن ..
دفن كبطل ..
))

قد لا يكون أفضل ما قدم زانغ يمو .. لكنه لقن به درساً لعشاق الإملال .. وصنع ملحمة سينمائية إستثنائية خلال مئة دقيقة فقط ..
قد لا يكون أعظم أعماله .. لكن زانغ يمو سيظل يعرف لفترة طويلة من الزمن بـ ( مخرج Hero ) !.

التقييم من 10 : 9

نشرت هذه المراجعة في منتديات سينماك في 20 يونيو 2005 .