الخميس، 3 سبتمبر، 2009

Angels & Demons

كتب : عماد العذري

بطولة : توم هانكس , آيليت زورر , يوان مغريغور , ستيلان سكارسغارد , آرمين ميلر ستال
إخراج : رون هوارد

لا أدري لماذا يصر رون هوارد و توم هانكس و أكيفا غولدزمان على إعادة الإلتقاء بروايات الكاتب الأميركي الشهير دان براون طالما أنهم لن يتعلموا من الأخطاء التي أرتكبت عندما أقدم ثلاثتهم قبل ثلاثة أعوام على إقتباس رواية دان براون الأشهر The Da Vinci Code ؟ بطريقة معادة يجتمع ثلاثتهم على هذا النص المتعثر لأكيفا غولدزمان و ديفيد كويب ليقعوا مجدداً في المطبات ذاتها و يسلبوا الرواية الأصل بريقها و مجدها , ثم يخلفوا وراءهم العديد من الثغرات التي تضرب في صميم العمل الأدبي بطريقةٍ تبعث على السخرية ..

لا أدري لماذا لا أتجنب الإصرار على أن رواية Angels & Demons هي العمل الأدبي الأفضل للكاتب الشهير دان براون , على الرغم من تواضع شهرتها مقارنةً بروايته الأشهر The Da Vinci Code , و على الرغم من أن الروايتين تحملان الروح ذاتها التي تحملها أعمال الرجل حيث المغامرة اللاهثة و التفاصيل الدقيقة – و الموثقة كما يقول – علاوةً على 24 ساعة تجري فيها الأحداث و المدينة الواحدة التي تحتضن معظم أحداثها , و على الرغم من البعد الديني الواضح في القصتين إلا أن شيئاً ما يظل جذاباً بطريقةٍ أكبر في ملائكة و شياطين , صحيح أن شيفرة دافنشي تمتلك مستوىً رفيعاً لا جدال عليه كروايةٍ مثيرة إلا أن الجزء الأهم من شهرتها نبع في الواقع من العمود الفقري لها و الحقيقة التي تحاول أن تبرهن عنها للمسيحيين المتدينين ( بشرية المسيح و أكاذيب الكنيسة بخصوصها ) و هي حقيقةٌ تضرب في عمق الإعتقاد الديني المسيحي و في جوهره الأساسي , و بالتالي فحجم من سيمسهم وترٌ كهذا كثر و كثر جداً , في ملائكة و شياطين يتناول الرجل بعداً آخراً خفياً في تقاليد و تاريخ الكنيسة المسيحية من خلال المنظور ذاته ( التشكيك في الكنيسة الكاثوليكية من خلال فضح بعضٍ من أكاذيبها و تاريخها الأسود ) لكن هذه المرة من خلال موضوع شائكٍ للغاية : الصراع التاريخي بين المسيحية و العلم , الصراع الذي دام لقرون بين الطرفين و رافقته العديد و العديد من التساؤلات و الإشاعات عن مبرر ما تقوم به الكنيسة ضد العلماء في فترة القرون الوسطى و مطلع عصر النهضة , قصةٌ كهذه تبدو مثيرةً و باعثةً على الإهتمام لدى عشاق دان بروان خصوصاً , و في الواقع لم يخيب الرجل أملهم أبداً حيث أنتج ما أعتقد بأنها أكثر رواياته إثارةً و تشويقاً حتى الآن , بعد كل هذا يبدو من المخيب بشدة أن تذهب إلى السينما لمشاهدة إقتباسٍ لأشهر رواية في العصر الحديث تتناول الصراع بين الدين و العلم , دون أن تشاهد في الفيلم أي ملمحٍ إطلاقاً للصراع بين الدين و العلم !!

الفيلم كما الرواية يحكي المغامرة الأولى لبروفسور الرموز الدينية في جامعة هارفرد روبرت لانغدون و التي يتتبع فيها الخطوط التي تقف وراء إختطاف الكاردينالات الأربع الأهم عشية إنتخاب البابا الجديد في كنيسة السيستين في الفاتيكان , مؤامرة تقف وراءها جمعية سرية قديمة تدعى ( الطبقة المستنيرة ) نشأت في أواخر القرون الوسطى على خلفية الصراع المطول الذي نشأ بين الكنيسة و العلماء , الطبقة المستنيرة لا تكتفي فقط بما فعلته بل تحاول عبر ليلةٍ تاريخية تعيشها روما أن تثبت عظمة العلم و قوته التي لا يجب أن يردعها رادع من خلال واحدٍ من أعظم إكتشافاته و أكثرها سرية (antimatter أو ضد المادة ) الذي تكفي عبوة صغيرة للغاية منه لنشر الرعب في أرجاء مدينة التلال السبعة .

باكراً جداً يقنعني رون هوارد بأنه لم يتعلم الكثير من عثرته في The Da Vinci Code على الرغم من أن عمله الجديد يأتي بعد بضعة أشهر على ترشيحه لأوسكار أفضل إخراج عن رائعته Frost/Nixon , و محاولاته الباكرة جداً ترويض المقدمة السردية المهترءة لأكيفا غولدزمان لا تؤتي ثمارها , رون هوارد يبدأ هذه المرة بصوت الراوي , شيء لم نشاهده في شيفرة دافنشي , ثم ينتقل بنا ليتجول معنا في مقر CERN ( أو المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية ) من خلال حركةٍ مونتاجيةٍ ساذجة و فقيرة في محاولةٍ لخلق تنفيذ ( مؤثراتي ) غير مؤثر تعقبه عملية قتلٍ مؤثرة , مقدمة سردية مهترءة لأن غولدزمان بكل بساطة يعيد إرتكاب الخطأ ذاته الذي إرتكبه في The Da Vinci Code : التوجه لقراء الرواية قبل أي شيءٍ آخر , و المشكلة أن قراء الرواية أنفسهم يحتاجون بشدة في هذه المرحلة المبكرة للغاية لإعطاء بعدٍ بصريٍ مهم لـ CERN كمحاولة لتأسيس و ترسيخ رمزٍ مؤقت للطرف الأول من الصراع في الرواية ( و هو العلم ) , لكن للأسف CERN يبدو مجرد مسرح أحداثٍ لجريمة قتلٍ مثل متحف اللوفر في شيفرة دافنشي , و مع تقدم الأحداث عندما تكتشف كيف يزال الدور الذي يلعبه رجل CERN ماكسيميليان كوهلر , تدرك تماماً بأن CERN هو ليس متحف اللوفر , CERN على خلاف الرواية هو نصبٌ تذكاري فخم تمر إلى جواره في الفيلم بسيارةٍ منطلقةٍ بسرعة 100 كم في الساعة ! لا تندهش كثيراً إذا لم يسترع إنتباهك .

على النقيض من ذلك يبدو غولدزمان و هوارد و كأنما يؤكدون بقوة خطأهم الواضح من خلال الإسهاب الذي لا يحتمل في عملية إستدعاء روبرت لانغدون إلى الفاتيكان , هذا الإسهاب جعلني أتذكر الأمر ذاته في شيفرة دافنشي , عندما تجاهل الرجلان العناصر التأسيسية للرواية و أسهبا التفصيل في الأمور الهامشية , و على الرغم من ذلك فإن وصول القاريء بالذات ( و ليس المشاهد الذي لم يقرأ ) إلى هذه المرحلة من الفيلم يتم بطريقة أيسر و أفضل و أكثر إثارة من ذلك الذي يحدث في إنطلاقة شيفرة دافنشي .

أمرٌ لا تخطئه العين بناء أغلب أحداث الفيلم على طريقة ( مسبق الصنع ) البالية , أمرٌ سيبدأ معنا من تلقي خبر وجود قنبلةٍ في الفاتيكان و لا أدري هل يمكن للمرء أن يتلقى خبراً كهذا و في مكانٍ كهذا بهذه الطريقة , ثم سيتجلى الأثر السلبي لهذه الطريقة بوضوح في المراحل الفاصلة بين إكتشاف جثةٍ و أخرى , ربما يكون الكشف عن وجود الجثة الأولى معمولاً بنسق إثارةٍ حقيقي , و ربما لا يختلف الكشف عن الجثة الثانية عنه كثيراً , لكن آلية الربط بين العمليتين و خصوصاً ذلك الذي يتعلق بروبرت لانغدون يبدو مصطنعاً للغاية , دون أن ننسى بعض المشاكل الحوارية الواضحة التي تأتي من محاولة تبسيط و إيصال الرواية لمن لم يقرأها , برأيي البراعة الحقيقية في صناعة أي إثارة تكمن في نقطةٍ واحدة : جعل المصادفات و الأفكار التي تستجد بسبب وضعٍ ما تبدو منطقيةً للمشاهد , و عندما يحدث ذلك تنطفيء سياسة مسبق الصنع الرديئة , و هنا يبدو من المهم أن نرد ذلك بشكلٍ اساسي إلى توم هانكس الذي يقدم هنا واحداً من أسوأ أداءاته , يقدم الشخصية بروبوتية عجيبة و كأنما هو ممثل تسيره الأحداث و ليس إنفعالاته الشخصية النابعة من تلك الأحداث , توم هانكس يساهم بوضوح في إصطناع الحدث , لا تشاهد لديه وجوداً لقلق اللحظة أو لرهبتها , يبدو لانغدون مع توم هانكس و كأنما هو يستمتع في مواقف لا تحتمل ردود فعلٍ كتلك , مفقداً كل إكتشافاته البريق و السحر و الألمعية التي تحملها في الرواية .

علاوةً على ذلك جرد النص هذا الفيلم من النكهة العطفية ( المتوقعة ) بين لانغدون و فيتوريا , من ناحيةٍ ما يبدو هذا الأمر شيئاً جيداً فأمام النص أشياء أخرى أهم ليفعلها عوضاً عن تشتيت تركيزه , لكن هذه النقطة بالذات تقضي على أي شيء جيد في شخصية فيتوريا فيترا خصوصاً بوجود آيليت زورر في هذا الدور , الدور – نظرياً على الأقل – أكبر من حجم زورر , و آيليت زورر تبدو أصغر بكثير من أن توضع في واجهة فيلمٍ كهذا , هل تدخلت جنسيتها الإسرائيلية في وضعها في عملٍ كهذا ؟!

إضافةً إلى ذلك يحمل الفيلم الكثير من الإقتحامات غير المتقنة , فقصة جريمة قتل البابا تبدو مقحمةً هنا و بشكلٍ سافر , كما أن الأختام الخمسة تأتي في اللحظة التي لا تشعر معها بأي أهميةٍ لوجودها , إضافةً لذك يأتي مشهد محاضرة كاميرلنغو عن تاريخ الكنيسة ليربك الأحداث عوضاً عن توضيحها , و ربما يمكن أن نعزو هذه الجزئية إلى ضياع الدور ( إلى درجة الإستئصال ) الذي يفترض أن تقوم به الطبقة المستنيرة في الفيلم , الفيلم يفترض عدواً , لكنه لا يتتبعه , و لا يحاول أن يوجد له منبع إحترام و خوفٍ من خطر العبث معه , كما تفعل الرواية , نرى القصة و كأنما تتحول إلى قاتل مأجور توكل له مهمة إغتيال أربعة كاردينالات , و بالتالي تبقى محاولة إعطاء أي منحى آخر يعيد للصراع المعدوم في الفيلم بين العلم و الدين قيمته و أهميته نوعاً من الإقحام عديم الجدوى , فلا موت البابا سيبدو مهماً و عندما تقتنع بأهميته لا تجده مؤثراً , و لا الأختام المكتشفة ستعطي أي بعدٍ رمزي لفكر الطبقة المستنيرة طالما أن الفيلم لا يتناولها في صراعه , و لن تبدو عبارات ( ماء – هواء – نار – تراب ) ذات أهميةٍ بالنسبة لك كمشاهد طالما أنه تؤشر لصراعٍ أزلي بين الكنيسة و العلم أنت لا تشاهده أساساً في هذا الفيلم .

الحسنة الحقيقية التي أرى بأن نص غولدزمان و كويب و إخراج هوارد قد خدما بها هذه الرواية هو البعد الذي يعطى لشخصية الكاردينال شتراوس , بفعل أداءٍ ممتاز من آرمين ميلر ستال الذي يمنح للشخصية صلابةً تدفعها بقوة لإثارة الشكوك أكثر بكثير مما يحدث في الرواية , بل أنها تثير الشكوك بقوة حتى لدى أولئك الذين قرأوا الرواية ! و هو بعدٌ خدم العمل السينمائي و رتم الإثارة الذي يحاول أن يحافظ عليه و في الوقت ذاته هو لا ينتقص شيئاً من بناءه .

في الذروة يفقد العمل السينمائي قصر الملاك هيبته الموصوفة في العمل الأدبي من خلال عملية إقتحامٍ سخيفة تقضي على البعد الروحاني و مسحة الغموض التي تلف المكان على الرغم من الأفضلية التي تمنح للصورة هنا في تعزيز هذا البعد و ليس الإنتقاص منه , يتوازى هذا مع الرصاصة الأخيرة التي يطلقها الفيلم على الجوهر الحقيقي للعمل الأدبي في صراع الكنيسة و العلم , فيضيع ماكسميليان كوهلر و تضيع CERN و تضيع رهبة اللحظات النابعة في الأساس من هذا الصراع , فلا مشهد الصخرة يبدو مهماً , و لا محاولة ترسيخ صراعٍ داخلي بين الأطراف الثلاثة التي تتنازع السلطة المؤقتة عقب موت البابا يعوض بعضاً من ذلك النقص , و لا مشاهد الذروة و لحظات إكتشاف الحقيقة تبدو مرضيةً بعد كل ما شاهدنا , تماماً كما حدث مع Terminator Salvation هذا الصيف يفقد الفيلم روحه بفقدانه الغرض الأساسي الذي صنع من أجله : هناك يخسر الفيلم إنسانيته رغم أنه يتحدث في الأساس عن رحلة كفاح الإنسان في سبيل البقاء , و هنا يخسر الفيلم أهمية إثارته لأنها تنبع في الواقع من صراعٍ لانشاهده بين الكنيسة و الدين , الفيلم ركز على إثارته عوضاً عن البعد اللاهوتي للقصة كمحاولةٍ لتخفيف رد الفعل السلبي تجاهه مما جعله يبدو و كأنما هو يوجه رسالة سلام ( على النقيض تماماً من الرواية ) للتعايش بين الكنيسة و العلم , هذا التجنب الغريب للصراع الموجود في الرواية الأصل يفقده مغزاه و الهدف المصنوع لأجله , فلا علماؤه يكونون ضد الدين و لا متدينوه يبدون ضد العلم .

فنياً يقدم الفيلم إخراجاً فنياً و تصميم ملابسٍ ممتاز لكن هذا الأمر لا ينجح لوحده في صنع الحميمية الكافية تجاه المدينة الخالدة على الرغم من تعدد مواقع التصوير فيها , أمرٌ نلمسه بوضوحٍ أكثر في عدم توظيف التصوير الملحمي للعمل - على الرغم من جودته - في صنع خصوصية لقصةٍ كهذه , لذلك تأتي موسيقى هانس زيمر التطهيرية لتظهر لنا المقدار الذي فقدته العناصر الفنية للفيلم بفقدان الحبكة لعمودها الفقري و ركنها الأساسي .

لأولئك الذين لم يقرأوا الرواية : هذا الفيلم أمتع من سلفه The Da Vinci Code , أقل هستيريةً منه و أقل مبالغةً منه في إثارته , يسرع نسق الأحداث في الرواية لكنه بالمقابل يخفف الإضاءة الخلفية لها , و لن يخدمه كثيراً أن نقارنه بعملٍ سيء في الأساس مثل The Da Vinci Code , أما بالنسبة لأولئك الذي قرأوا الرواية : هذا الفيلم سيحبطهم بشدة !

التقييم من 10 : 5